دمشق و أنقرة .. إشكاليَّة المواجهة وآفاق التّعاون

رغم الدور التدميري الَّذي أداه إردوغان في سوريا، وعودة ثقافة الكراهية على مستوى واسع بين الشعبين، فهناك حقائق لا يمكن تجاوزها بين دمشق وأنقرة.

كتب أحمد الدرزي للميادين نت : حكمت الجغرافيا السياسية على العلاقة التاريخية بين هضبة الأناضول ذات التضاريس الجبلية وبلاد الشام وبلاد الرافدين ذات الطبيعة السهلية، وتدفَّقت مياه دجلة والفرات من أواسط الهضبة الصعبة التضاريس إلى السهول التي أنجبت الحضارات الإنسانية الأولى في تاريخ البشرية، بدءاً من سومر، ومروراً بالحضارية الآشورية التي أوجدت أول إطار سياسي جامع لبلاد الهلال الخصيب.

أدّت التضاريس الجغرافية الصعبة والقاسية للأناضول دوراً أساسياً في صياغة توجّهات قاطنيها السياسية والاقتصادية، أياً كانوا، وخصوصاً أنّها محاطة عند أغلب حدودها بمياه البحر الأسود والبوسفور وإيجة والمتوسط، إضافةً إلى غلبة الهضاب والجبال التي تتجاوز بارتفاعها الألف متر على أغلب المساحات، وتتصل مع الهضبة الإيرانية بحدود جبليّة، وقِلّة المساحات السهلية فيها، ما دفع سكانها إلى الاندفاع خارج نطاق سجن الجغرافيا الحاكمة، فكانت البوابة الجنوبية نحو بلاد الشّام الغنيّة بخيرات سهولها هي الأسهل والأكثر جدوى.

لم تعرف المنطقة الممتدة من هضبة الأناضول إلى الهضبة الإيرانية، وإلى وادي النيل، بما فيها بلاد الشام والرافدان، معنى الدولة الحديثة بالمفهوم “الويستفالي” في أية لحظة من تاريخها، إنما كانت سيرورة الدول ومصيرها تخضعان لمفهوم “دولة الغلبة”، ما شكل انزياحات سكانية عابرة لكل المنطقة، مع تداخل غريب بين شعوبها، مانع لإمكانية رسم حدود فاصلة بين شعوب المنطقة، فأدى إلى حركة اختلاط قاربت بينها من الناحية “الجينومولوجية”، رغم بعض التمايزات الثقافية ذات الطابع اللغوي.

شكَّلت معاهدة ويستفاليا في العام 1648 الخطوة الأولى لنشوء الدولة الحديثة التي تعترف بسيادة الدول على أراضيها، وتنظيم العلاقة في ما بينها، وإقامة السفارات الدائمة، ما أدى إلى تنافس الدول الغربية في الاندفاع نحو الخارج بعد حرب الثلاثين عاماً.

وفي أكثر الأحيان، يتحول التنافس إلى صدام في ما بينها حول موارد دول الغلبة التي كانت تمثلها الدولة العثمانية آنذاك، وتمخّض هذا الصدام عن تحطيم دولة الرجل المريض الذي عجز عن مواكبة التحولات الويستفالية السريعة، ما أدى إلى تمزيق منطقة المشرق، وإقامة مجموعة من الدول على أسس الدولة الحديثة، رغم عدم توفر ممكناتها السكانية والقافية والمعرفية، فقُسمت بلاد الشام إلى أربع دول فصلت عن بلاد الرافدين، وتم التخطيط لتقسيم هضبة الأناضول وفقاً لمعاهدة سيفر في العام 1920 بين إيطاليا وبريطانيا وفرنسا واليونان، والعمل على إقامة دولة أرمنية وحكم ذاتي للكرد، إلا أنَّ مصطفى كمال أتاتورك استطاع أن يوحد الترك والكرد في حرب الاستقلال، واستعاد السيطرة على كل أراضي الهضبة، ورسم حدوداً جديدة للدولة، ليعيد تأسيس الدولة التركية وفقاً لمفهوم الدولة الحديثة بالمعنى القومي التركي البحت، ما دفع بسياسات التتريك القسرية نحو الذروة، مهما كلَّفت الأثمان، والتوجّه نحو الاندماج في العالم الغربي.

بدأت السياسات التركية بالتحول مع مجيء حزب العدالة والتنمية بعد الانتخابات البرلمانية في العام 2002، التي أدت إلى تبوؤ رجب طيب إردوغان منصة قيادة تركيا، بدعم واضح من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فتدفَّقت الاستثمارات الغربية بما يوازي تريليون دولار، ما أدى إلى نهضة اقتصادية كبيرة، وارتفاع أسهم رئيس الوزراء الجديد الذي أدرك أن أبواب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مغلقة بوجه تركيا، ومصلحة تركيا والغرب تكمن في التوجّه نحو الإطار التاريخي السابق، فكان المدخل الأهم برفض نواب حزب العدالة والتنمية السماح للقوات الأميركية باستعمال القواعد العسكرية الأميركية فيها لغزو العراق.

خضعت دمشق لضغوط وتهديدات متزايدة بعد أن أصبح الأميركيون على حدودها الشرقية في العراق، ما دفعها إلى التقاط الفرصة الجديدة جراء التوجه التركي نحو الشرق، وأدركت أنَّ السياسات العدائية التي اتُبعت بين دمشق وأنقرة بعد ما يقارب تسعين عاماً تقع خارج السياق التاريخي لمنطقة متشابكة صعبة الفصل بين شعوبها، وأن هناك إمكانية لإعادتها إلى الوضع الطبيعي ضمن مشروع البحار الخمسة، وأدركت متأخرةً بعد اندلاع الحرب فيها وعليها، أنَّها تتعاطى مع مشروع تركي جديد يعتمد الانقلاب على مفهوم الدولة الويستفالية، والعودة إلى دولة الغلبة التي لا تعترف بسيادة الدول على أراضيها، وخصوصاً بعد تحولها إلى النظام الرئاسي بدلاً عن البرلماني، وسيطرة الرئيس التركي إردوغان على كل المفاصل التشريعية والتنفيذية والقضائية، بما في ذلك المحكمة الدستورية، إضافةً إلى الجيش والأمن التركيين، وإطلاق اليد لأبنائه وأصهرته للسيطرة على الاقتصاد التركي ومسارات السياسات الداخلية، بتظهير واضح لمفهوم دولة الغلبة ومحاولة مزاوجتها مع المفهوم الويستفالي.

رغم الدور التدميري الَّذي أداه الرئيس إردوغان في سوريا، وعودة ثقافة الكراهية على مستوى واسع بين الشعبين، فهناك حقائق لا يمكن تجاوزها بين دمشق وأنقرة، فالنسيج السكاني للبلدين متشابه إلى حد كبير، مع تفاوت نسب ذلك بحسب المنطقة، فكلاهما يضم في ثناياه عرباً وتركاً وكرداً وأرمنيين وأشوريين وسريانيين وغيرهم، وتوجد حدود دولية هي الأكبر للبلدين تتجاوز 900 كم، ما يجعلهما بحاجة إلى بعضهما البعض في حماية استغلال الحدود الكبيرة أمنياً واقتصادياً، إضافة إلى المحتوى الثقافي المشترك للشعوب المذكورة، رغم اختلاف اللغات، ما يدفع نحو إيجاد علاقات اجتماعية واقتصادية وثقافية بحاجة متبادلة، وخصوصاً أن المشروع الغربي يهددهما سوياً بالتقسيم والتجزئة، وكلا البلدين لديه ورقة ضغط تجاه الآخر، إذ تمتلك تركيا مصادر المياه لكلّ من الفرات ودجلة، وتمتلك سوريا بوابة خروج تركيا من جغرافيتها الحاكمة، وهي لا تستطيع من دون سوريا ممارسة قوتها الناعمة في الخليج وشمال أفريقيا، وهي ليست وحدها بذلك، بحكم وجود الحليفين الإيراني والروسي اللذين حجَّماها عسكرياً وسياسياً إلى حدّ كبير بالتعاون مع حليفهما السوري.

وعلى الرغم من الإنجازات التركية الكبيرة التي حقَّقها نظام الغلبة الجديد في أنقرة، فإنَّ المؤشرات الحالية تؤكّد مجموعة من المسائل الأساسية: أولها توسّع دائرة العداء مع كلّ الدول المحيطة بها، وانتهاء سياسة صفر مشاكل، وتحوّلها إلى صفر أصدقاء، بفعل السياسات المتفلّتة من الضوابط، وتهديدها النظام الدولي الجديد قيد التشكل، ما سيدفع الدول العظمى إلى ضبط إيقاع السياسات الخارجية وتحجيمها نحو الحدود الإقليمية المقبولة من كل الأطراف، وانعكاس ذلك على الاقتصاد التركي الذي دخل في أزمة عميقة، نتيجةً للسياسات المتبعة وإنهاك الاقتصاد التركي بالمغامرات التوسعية.

ليس أمام تركيا سوى إعادة التفكير في كلّ السياسات الخارجية والداخلية، وإدراك أنَّ زمن دول الغلبة لا ينسجم مع تطور الحياة، بل يحمل في داخله مقومات تدميرها داخلياً، ويستنزف مقدراتها الاقتصادية، وأنها لا يمكنها الاستمرار في مشروعها التوسعي، بل العكس هو الصحيح، وهذا يتطلَّب منها الانسحاب من كل الأراضي التي احتلّتها، وإعادتها إلى الدولة السورية، مع الأخذ بعين الاعتبار أنَّ دمشق ليست وحدها، فهناك موسكو وطهران اللتان تؤديان دوراً مهماً في كبح جماح الرئيس إردوغان.

وفي الوقت نفسه، إن دمشق لا يمكنها التفكير في إعادة العلاقات مع تركيا قبل إنهاء الاحتلال التركي وإيقاف الدعم الكبير للمجموعات المسلحة السورية والأجنبية في إدلب وعفرين وجرابلس ورأس العين وتل أبيض وبقية المناطق، وفي الوقت نفسه، تحتاج لإعادة ترتيب البيت الداخلي خارج إطار ما قبل العام 2011، مع إدراك أنَّ الجغرافيا والتاريخ حاكمان في العلاقات الدولية، ولا بدَّ من صيغة للتعاون الإقليمي مع تركيا وإيران ولبنان والعراق وبقية الدول الراغبة في الخروج من أزماتها الداخلية والخارجية، وهذا لن يتم إلا من خلال البوابة السورية التي ما زالت تحاول الاستيلاء عليها، والتي أصبحت مكسر عصا في الصراع الداخلي بين إردوغان ومعظم أطراف المعارضة له، فهل ستستيقظ الإدارة التركية قبل فوات الأوان وتدرك أنَّ تغيير السياسات الداخلية والخارجية هو صمام أمان بقاء تركيا وسوريا، بل والمنطقة كلها؟

اقرأ أيضاً : شمال سورية .. نار تستعر والمنطقة على المحك

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل