ماكرون والفخاخ المتفجّرة في لبنان والمنطقة

لم يعرف الرئيس الفرنسي الشاب ( ٤٣) ويلات الحرب اللبنانية وتعقيدات الشرق الأوسط الا مؤخرا، فالحرب اندلعت قبل ولادته. واهتماماته الفلسفية والاقتصادية ثم السياسية كانت في مكان آخر تماما، لكن الرجل معروف بذكائه الحاد وقدرته على الاستيعاب والعمل والثقافة، ولذلك فان ما قاله اليوم ( السبت) في منتدى الشباب للشرق الأوسط والمتوسط في لوغانو، ليس أمرا عابرا، وانما جاء مدروسا وهادفا، ومختصره استعادة دور فرنسي في المنطقة من خلال مساعدة لبنان وحياده ، وقطع الطريق على ايران وروسيا والتخفيف من أحلام تركيا والتمهيد لعلاقات سلام بين دول المنطقة و”إسرائيل”، وتغيير شكل النظامين في لبنان وسورية.

كتب سامي كليب : في كل هذا يأتي ماكرون الى لبنان محملا بقنابل متفجّرة يسير بها بين الألغام والفخاخ، وربما كان من الأفضل تأجيل الحديث ، بصراحته المعهودة، عن بعضها الى ما بعد زيارته يوم الاثنين الى لبنان، حفاظا على لبنان أولا ، ثم على الدور الفرنسي الذي قد ينظر اليه البعض حاليا على انه منحاز الى طرف ضد آخر لماذا، فتتعطل المبادرات وحاملها

ما قاله ماكرون عن الوضع السياسي اللبناني الحالي ممتاز، فهو وبعد ان حمّل مسؤولية تفجير المرفأ لتراكم الأخطاء والفساد والقراءات الخاطئة، اعتبر :

” ان الشعب اللبناني سجين التركيبة السياسية للعقود الأخيرة ، وان نظام الزبائنية والفساد عطّل البلاد” وبالتالي لا بد من تغيير النهج، والشروع في إصلاحات عميقة وجدية تتجاوب مع مطالب الناس.

الفخ الأول : في هذا الجانب كل اللبنانيين تقريبا يؤيدون ما قاله سيد الاليزيه. لكن قسما من اللبنانيين وفي مقدمهم حزب الله وحلفاؤه سينظرون طبعا بعين الريبة والقلق الى بقية الأفكار التي طرحها الرئيس الفرنسي . فهو رأى انه :” يجب اخراج لبنان من التوترات الكبيرة للقوى الإقليمية خصوصا ايران وعزله عن هذه التوترات”

الحزب وانصاره يرون في كل مطالب فك الارتباط بين ايران ولبنان، محاولة لتطويق ايران والحزب، ويعتبرون ان هذا هو المطلب الأميركي-الإسرائيلي-الخليجي-المصري بامتياز، خصوصا ان الرئيس الفرنسي تجنّب في كل خطابه الإشارة من قريب او بعيد الى مسؤولية إسرائيل في ما يجري، وحصر المشكلة بإيران.

بالمقابل ثمة من يرى ان هذا الكلام يسمح لماكرون بالتمتع بهامش حرية أوسع في التعاطي مع الازمة اللبنانية وبالتحاور مع حزب الله وعدم الاعتراض على اشتراكه في الحكم، ذلك ان بمثل هذا الكلام يستطع الرئيس الفرنسي تخفيف الضغوط الأميركية والحصول على دعم أميركي لخطواته اللبنانية والشرق أوسطية.

اذا كان الهدف الثاني هو المقصود، أي الحصول على تأييد أميركي، فهذا مفهوم، اما اذا شعر الحزب بان الهدف هو تطويقه بالخطاب الناعم، فلا شك انه سيعسى لتعطيل المسعى الفرنسي. خصوصا انه في مقدمة خطابه تحدث أيضا عن ضرورة قيام نموذج جديد للحكم السوري يقوم على التعددية العرقية والدينية والسياسية وليس على الهيمنة العرقية او الدينية او العائلية او العشائرية.

الفخ الثاني : شنّ الرئيس ماكرون هجوما لاذعا بكلمات بسيطة على تركيا وروسيا. قال :” ان البحر الأبيض المتوسط يعود طريقا لعبور الطاقة ، وبالتالي فالذي يخلق التوترات في هذا المتوسط الشرقي هي الطرقات والتنقيب عن النفط والغاز ، نرى ذلك في الحرب القانونية للاعتراف المتبادل ورسم حدود السيادة للمناطق الاقتصادية الخاصة. نحن هنا امام تحدِ مشترك . لا نستطيع ان نحرم دولا و شعوبا فقيرة من مصادر ثروتهم . و يجب خلق PAX Méditerrania ( حلف متوسطي) حول الطاقة ، وان كثيرين عندهم مصلحة ان لا تظهر هذه القضية النفطية في المتوسط الشرقي، ومنهم روسيا التي تبحث في المتوسط عن نقاط نفاذ ، فهذا هاجسها التاريخي، وعندها ثرواتها (النفطية )الخاصة التي تأتي الى أوروبا وباقي العالم وتريد بالتالي الحفاظ على هيمنتها”

أضاف ماكرون :” نرى بوضوح التوتر الذي تغذيه تركيا اكثر من الاخرين في هذا المجال، ولا نستطيع ان نترك هذه الدول تستغل هذه الطاقة دون الاخذ بعين الاعتبار ان المتوسط سيتحول الى مسرح أنابيب النفط ومستخرجيه. كما اننا نرى الفرصة الكبيرة في هذا للبنان وأيضا لمصر التي اكتشفت حقلا مهما ودول كثيرة أخرى”

بمعنى آخر يقول ماكرون بوضوح ان مهمته في لبنان وعبره هي مواجهة النفوذين الروسي والتركي إضافة الى الإيراني، دون ان يدرك ربما أن للدولتين حلفاء في لبنان، ناهيك عن ان انقرة وموسكو اللتين عززتا نفوذهما في المنطقة من الصعب ان تمررا مثل هذه المشاريع الفرنسية حتى لو أدى ذلك الى احتكاكات عسكرية او اعمال امنية.

الفخ الثالث : أوحى الرئيس الفرنسي مرات عديدة في خطابه، برسم خطوط الصلح مع إسرائيل. تحدث عن ضرورة ” تعايش الديانات” لكنه سلّط الضوء على أزمة الإسلام وما تنتجه من اشكال عنيفة وارهابية ( وهذا طبعا لن يعجب كثيرين في لبنان والمنطقة)، واكد على ضرورة :” دفع الديانات الى الاعتراف ببعضها البعض والتعايش ” مشددا على وجوب :” إعادة منطق مشترك ثقافي واقتصادي بين ضفتي المتوسط ” و :” بناء التعاون السياسي “.

كل هذه الإشارات تدخل في سياق طموح الرئيس الفرنسي دفع دول المنطقة لإقامة السلام مع إسرائيل، على اعتبار ان علاقاته بالدول العربية وإسرائيل ممتازة ( باستثناء سورية) وانه يستطيع ان يلعب دورا في هذا المجال.

هذا طبعا يقف امام ثلاثة مشاكل، أولهما ان إسرائيل التي نسجت علاقات قوية مؤخرا مع دول عربية، لا تبدي أي رغبة بتقديم أي تنازل، بل على العكس هي تزداد تشددا وعنصرية ، فضمت القدس والجولان وما تزال تسيطر على أراضي لبنان وتستخرج النفط، وثانيهما ان إسرائيل لو شاءت ان تقدم هدية في مسألة السلام فهي حتما لن تعطيها لفرنسا. وثالثهما ان لبنان لا يستطيع الاقدام على سلام مع إسرائيل بلا سورية نظرة لقوة حلفاء دمشق في لبنان.

بالمقابل ثمة من يقول ان ترسيم الحدود البحرية والبرية بين لبنان وإسرائيل سيكون خطوة مهمة في اتجاه ما يريده ماكرون ، وانه يلقى بذلك تأييدا غربيا واميركيا لاعتقاد هؤلاء جميعا بان ذلك يسحب البساط من تحت اقدام حزب الله وايران.

الفخ الرابع : لم يخف الرئيس الفرنسي هدفه الأسمى في إحلال الدور الفرنسي مكان كل القوى الأخرى، فهو تحدث صراحة عن الانسحاب الأميركي والاطلسي، وعن عودة ” قوى امبراطورية إقليمية” ، وقال انه لا يمكن ترك المتوسط يتحول الى ” مسرح للصراع بين الدول الكبرى ” وان مصلحة استقرار الاتحاد الأوروبي والبلقان وروسيا وتركيا التعاون في هذه المنطقة .

هذا طموح مُبرّر من وجهة نظر ماكرون، لكن الرئيس الفرنسي يغالي على الأرجح في هذا الطموح، ذلك أن قرارات الانسحاب الأميركية من العراق وأفغانستان، قد لا تكون ابدا في سياق الانكفاء، وانما استعدادا لدور آخر وبوسائل أخرى، ثم ان روسيا والصين حجزتا مكانا كبيرا لهما في المنطقة، ومن غير المنطقي انحصار الأدوار الدولية المقبلة بفرنسا، فنحن في منطقة تشهد تحالفات وتحولات كبرى ، تستطيع فرنسا فيها ان تلعب جزءا من الأدوار وليس كل الأدوار.

الفخ الخامس : حين تحدث الرئيس ماكرون عن ضرورة انتزاع لبنان من براثن التوترات الإقليمية ومن براثن القوى الإقليمية، فهو بذلك تبنى تماما شعار ” الحياد” الذي رفعه البطريك الماروني مار بشارة بطرس الراعي. لعل في هذا أيضا فخا كبيرا، ذلك ان مناهضي الحياد في لبنان يتمتعون بقدرة كبيرة على تعطيل أي مبادرة اذا استندت الى المبادرات التي تخفي الرغبة في نزع سلاح حزب الله .

قال ماكرون صراحة ما يفكر به وما تفكر به دول أخرى من اميركا الى أوروبا الى دول عربية. أوضح ان الهدف من هذه الاندفاعة الفرنسية الكبرى ليس فقط مساعدة لبنان، وانما الإفادة مما حصل فيه، للتأسيس لمشروع فرنسي كبير في المنطقة. هو لم يخف أيا من الأهداف، وربما في هذا بالضبط الفخ الكبير، فالدول التي يأتي لمواجهتها او لإقصائها او لتخفيف دورها، لها أتباع وحلفاء كثيرون في لبنان، هم سيتفننون في تعطيل المبادرات الفرنسية اذا لم تناسبهم . ناهيك عن ان إسرائيل لم ولن تنظر مطلقا بعين الارتياح الى من يجعل لبنان يرتاح ويستعيد دوره ونهضته طالما فيه سلاح يهددها ويردعها.

لم يتعرف الرئيس ماكرون تماما بعد على لبنان وعلى تعقيدات الشرق، لكن يبدو انه قرر ان يطوي صفحة الجنرال ديغول الذي قال يجب “المجيء الى الشرق المعقد بأفكار بسيطة “، فهو جاء بأفكار معقدة يسهل تعطيلها. ففي لبنان كثير من اللبنانيين ينتمون الى المحاور المتصارعة أكثر من انتمائهم للوطن . ولا تنجح وساطة اذا كانت توحي باقترابها الى محور ضد الآخر.

اقرأ أيضاً : ماكرون في لبنان للمرة الثانية خلال شهر فما السبب؟

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل