العالم فوق برميل بارود مشتعل بفتيل دولي!

العلاقات الدولية وصلت الى قمة تأزمها وتعكس المقوّمات التي كانت عليها الدول قبل انفجار الحروب الكبرى في القرنين الماضيين.

هناك قوى جديدة شارفت على مرحلة الخروج من المستويين الوطني والإقليمي الى العالمية القطبية. مع قوى لا تزال تمسك بالمرجعية الاقتصادية والعسكرية للعالم، لكنها بدأت رحلة تراجع قوية، قد تفقدها حتى الشراكة في النظام القطبي الجديد.

هذا الصمود الأساسي هو صيني عالمياً وإيراني اقليمياً مع توثب روسي يشبه نمراً يصحو من نوم طويل، أما اوروبا فتتمنى العودة الى حضن المرجعيات الدولية، وباستثناء المانيا التي تحوز على المواصفات الاقتصادية، فإن معظم بلدان القارة العجوز لم تعد تمتلك مواصفات جيوبوليتيكية.

هل هذا يعني ان الأوضاع العالمية هي بين احتمالين: اعادة انتاج نظام عالمي جديد أميركي صيني روسي او باتجاه صناعة حروب عسكرية واقتصادية لعرقلة الصاعدين وتزخيم الأحادية القطبية الأميركية؟واقع الحال يكشف ان الاميركيين متجهون الى خيار الحروب والخنق الاقتصادي أمام الصين تحديداً.

فمكاتب الدراسات الاكاديمية الاميركية تجزم ان الصين هي القوة الاولى الوحيدة التي بإمكانها السيطرة على العالم اقتصادياً في العام 2030، اي بعد نحو عقد من الزمن ما يجعل النصف الأول من هذا العقد حتى 2025 ميداناً لصراعات عنيفة بالمباشر والوكالة الى جانب الحرب الاقتصادية المفتوحة على كل ما هو صيني.

بالمباشر يستهدف الأميركيون كل ما يتعلّق بالسلعة الصينية، محاولاً الإساءة الى الصناعية إليها واتهامها بأنها تحتوي على جراثيم لا تظهر على المستهلكين إلا بعد مدة طويلة من الزمن، لذلك فإن هذه المحاولات تريد فرض تراجع على الصادرات الصينية في سوق أميركية تستهدف ربع استهلاكها منها، وسوق اوروبية تستورد ربع وارداتها منها أيضاً.

كما تصيب بتحذيراتها أسواقاً كثيرة تعتمد على الصين في كندا واوستراليا والشرق الأوسط.

لكن هذا الاسلوب لا يكفي لضرب بنيوي في الصادرات الصينية، فيذهب الاميركيون نحو إعادة تأسيس أحلاف سياسية في مختلف انحاء الأرض، تبدو وكأنها محلية إقليمية فيما تتركز أبعادها على ضرب الاقتصاد الصيني وخنقه بما يؤدي الى انفجار الدولة الصينية في عجزها المفترض عن تلبية حاجات سكانها.

أين توجد هذه الأحلاف وما هي مهامها؟

الأول هو الحلف العربي الإسرائيلي الذي لا يكترث لإيجاد حلول لقضية فلسطين، بل لتأسيس علاقات عميقة بين العرب والكيان المحتل، لتشديد الحصار على إيران.

هنا يبدو الهدف مزدوجاً وهو أولاً ضرب ايران بما هي دولة اقليمية صاعدة نجحت على الرغم من الحصار الاميركي الاوروبي الخليجي المفروض عليها بإدراك مرتبة الدولة الصناعية ذات النفوذ الإقليمي الاول في الشرق الاوسط و العالم الإسلامي.

هناك مزايا إيرانية إضافية تشكل خطراً على الجيوبوليتيك الاميركي وأولها معاهدة التعاون التي عقدتها إيران مع الصين بمدى زمني 25 سنة وبكلفة مادية قد تزيد عن 600 مليار دولار.

هذه اذاً معاهدة تبدو اقتصادية لكنها تجمع فعلياً بين الاقتصاد المعولم والقطبية العالمية والإقليمية والتطور الصناعي.

اي انها حلف له علاقة أساسية بالصراع على النظام العالمي الجديد، فوضع الأميركيون في وجهها الحلف العربي الإسرائيلي الذي يخدم اميركا بمنع الصين من الدخول الى الفضاء العربي والإسلامي الواسع، ويواصل حصار إيران مذهبياً وعرقياً من جهة ولعداوتها مع الكيان المحتل، فيخدم بذلك الولايات المتحدة بقطبيتها و»اسرائيل» المصرة على إنهاء القضية الفلسطينية واستغلال الاقتصاد العربي.

الأمر الذي يدفع الى التساؤل عن طبيعة المصلحة العربية في هذا الحلف وهي بالتأكيد ليست موجودة على مستوى الشعوب بل لحاجات الأنظمة المحلية الضعيفة المحتاجة لمن يحميها من شعوبها وليس من إيران مع اهداف اضافية بوقف غزو السلع الصينية للعالم الإسلامي مع اهمية السعودية.

لكن الأسوار الأميركية في وجه الصين تمتد أيضاً الى أفريقيا، حيث تتعاون هناك مع أوروبا لوقف التقدّم الصيني الى دولها عبر السلع الرخيصة.

هنا تلعب فرنسا دوراً مركزياً بالإضافة بريطانياً، فكلا البلدين لديه علاقات تاريخية مع دول أفريقية معنية، بما يجعل الاميركيين متأكدين من إقفال أبواب اوروبا و العالم الاسلامي وأفريقيا في وجه البضائع الصينية.

إلا ان الأميركيين لا يكتفون بالحروب الاقتصادية ويذهبون الى بحر الصين وآسيا الوسطى لإيقاع حروب عسكرية بين اليابان والهند وباكستان وكوريا الجنوبية مع الصين، للتدخل فيها حتى عسكرياً، هذا الى جانب محاولات إثارة الخلافات بين الصينيين على مستوى التعددية العرقية واللغوية والدينية، منها محاولات السعودية والإمارات وباكستان تحريض أقلية الأيغور الصينية الاسلامية على الدولة الصينية بذريعة انها تتعرض للاضطهاد اقتصادياً ودينياً.

بذلك يدفع الأميركيون الصين نحو دائرة من الاتهامات بتلويث العالم صناعياً، وضرب الأقليات الاسلامية ومحاولة السيطرة على الدول والاقاليم لتأمين هيمنتها الجيوبوليتيكية.

فهل تسكت الصين وتصمت إيران؟ وماذا عن روسيا التي تبدو متفاعلة عن عمد وليس لإصابتها بعمى الوقت؟هناك من يعتقد باحتمال نشوب صدامات عسكرية محدودة بين الصين وإيران واميركا في بحري الصين والخليج قد تتطور نحو الأسوأ، لكنها لن تؤدي الى الغاء النظام العالمي المقبل، ولا الى ضرب الدور الإقليمي الكبير لإيران، فهذه محاولات أميركية أخيرة لن تكون اكثر فاعلية من حروب أميركية في افغانستان والعراق وسورية واميركا الجنوبية وليبيا واليمن أدّت الى ملايين القتلى ولم تسهم بوقف التراجع الأميركي المستمر .

اقرأ أيضاً : تركيا سلكت نفس خطوات الطريق الروسي لكن إلى ليبيا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل