من قتل مسافر عبد الكريم وهل لأنه بدون ضاعت حقوقه؟

من المعروف عن دولة الكويت أنها حديثة نسبياً، ما يميزها أنها دولة “هجرات” في طبيعتها، وأصول كل الكويتيين إما من العراق أو الأحواز، أو المملكة العربية السعودية، وربطاً فيما بينهم فهم يعتبرون من حيث النسب “أولاد عمومة”، وهذا يعود إلى طبيعة القبائل في شبه الجزيرة العربية وجوارها. وبرزت مؤخراً قضية أريد توصيفها على أنها “قضية وطن” مست الأمن القومي، لما حملته من “خيانة” بحسب الإدعاءات، لكنها في ذات الوقت قضية إنسانية لا تخلو من مظلومية فئة لا تعرف على من تحسب نفسها، وسبعون عاماً مرت ولم تصل هذه الفئة إلى حقها في الحياة، فماذا عن الحقوق الأخرى؟

وكالة عربي اليوم – إبراهيم محمد أحمد

إن بروز قضية “مسافر عبد الكريم” المتهم بالعمالة لصالح العراق إبان الغزو العراقي على دولة الكويت، عادت لتطفو على رأس هرم أخبار الساعة في دولة الكويت، فلقد قيل إنه من أصول عراقية، لكن الحقيقة هو من مواليد الكويت، لكن ما يعنينا هنا أنه قتل بعد التحرير وليس أثناء الغزو، وقد سلم نفسه بعد تحرير الكويت، بأيام قليلة، وحينها كانت هناك أحكام عرفية والجيش الكويتي كان مستلما للمخافر الكويتية آنذاك، ولم يخضع لمحاكمة أسوةً بأي متهم، ليصار إلى تجريمه أو تبرئته، قتل بحسب المعلومات المتداولة داخل زنزانته في مخفر الدسمة، وعلى يد أحد أفراد الأسرة الحاكمة كما قيل، وكما قضيته، وأحقيتها، لا نستطيع التأكيد على ذلك بسبب إغلاق قضيته التي أنهوها دون محاكمة، وهو العائد مع أسرته هرباً من بغداد إلى بلده الكويت وسلم نفسه لأنه كان متأكداً من أنه سيلقى محاكمة عادلة. إنتهت بقتله داخل زنزانته في المخفر الذي سلم نفسه إليه.

فلا يخفى على أحد وإن كان العراق عربياً لكنه غزا الكويت، وبالتالي كل الكويتيين أهداف مشروعة لهم بموجب الغزو، ولهم من القدرة على إجبار الكثيرين بالإدلاء بتصريحات مناهضة رغماً عنهم أو القتل، وهذه كانت ميزة في النظام “البعثي” آنذاك”، فما نشر عن مسافر عبد الكريم مقطعين مصورين له، وليسا قويين بالدرجة التي يعتمد بهما كدليل، ما يرجح فرضية إجباره على الإدلاء بها، ولو كانت طواعية لما عاد وسلم نفسه.

إقرأ أيضاً: الكويت:إيقاف حركة الطيران مع 7 دول منها 3 دول عربية

الأمر الآخر، لماذا كل الشهادات جاءت ضده؟ ولم تأت شهادة لصالحه، فهذا يضعنا أمام أسئلة كثيرة، فهل هو الوحيد الذي أجبر على شتم الأسرة الحاكمة آنذاك، فلقد كان هناك من بين الأسرى أيضاً من الأسرة نفسها في العراق، وعلى موقع اليوتيوب ظهرت مقاطع منها لشيخ من الأسرة الحاكمة عرضها تلفزيون العراق يتم شتم الأسرة الحاكمة والحكومة الكويتية، لكن لم تتم المسائلة وهذا أمر طبيعي لتعرضه للضغط، كذلك الطيار الكويتي ذات الأمر شتم الدولة والجميع، فلماذا مسافر عبد الكريم لم يتم التعامل معه بموازاة هذا الشيخ أو ذاك الطيار، وإعتبار أنه تعرض للضغط مثلهما، على سبيل المثال لا الحصر؟

من هنا، لو كان مسافر عبد الكريم “خائناً” وسلم نفسه أملاً بمحاكمة عادلة، لماذا تم قتله، ولماذا تم تعذيبه وتعنيفه والمثيل بجثمانه، ودفنه دون إخطار عائلته أو إعلامهم بمكان دفنه؟ هذه أسئلة مشروعة تناقض روايات الشهود، فالخائن إن تمت محاكمته يضع الجهاز الأمني لأي دولة في القمة خلال محاكمته ليكون عبرة لغيره، لكن أن يتم قتله دون محاكمة والنيابة تتولى ذلك مع المخفر، يشي بأن هذا الشخص أدلى بمعلومات ما كان عليه ذكرها، فحماس النيابة في تجريمه أمر جيد، لكن تحتاج عائلته بعد 30 عاما من قتله أن يكون لدى النيابة هذا الحماس ومعرفة من قتله ومثل بجثته لا بل قالت المعلومات أنه تم قطع لسانه وبعض أعضاءه ولم يكن لداعش وجود آنذاك!

فبعد فتح قضيته قيل إن إثبات الجرم تم بيومين فقط، هل يعقل ملف عمره 30 عاما ينتهي بيومين، وبعد إنتهاء النظام “البعثي” العراقي، يستطيعون فتح القضية على مستوى دولي من خلال أرشيف العراق والمطالبة بتفاصيل ما كانوا ليحصلوا عليها في عام التحرير وما بعده أي قبل العام 2003 من الغزو الأمريكي للعراق.

إقرأ أيضاً: “السلاح السري” لـ صدام حسين …كيف كان يخطط لتدمير إيران والكويت

وماذا عن قضايا “البدون” ومدى إرتباطها بعبد الكريم؟ لقد عرّفت إتفاقية الأمم المتحدة للعام 1954، المتعلقة بـ “عديمي الجنسية”، الشخص العديم الجنسية (البدون) بأنه “الشخص الذي لا تعدّه أية دولة مواطنا فيها بمقتضى تشريعاتها”، أما “البدون” في القانون الكويتي فهو “المقيم بصورة غير شرعية”، ويقال إن البدون هم من أبناء البادية الرحل من قبائل شمال الجزيرة العربية.

وتتلخص شكاوى “البدون” في حرمانهم من حق المواطنة (الجنسية) والهوية المدنية مما يفوت عليهم فرص الحصول على متطلبات الحياة الأساسية التي يتمتع بها الكويتيون، كالحق في الالتحاق بالمدارس الحكومية المجانية، والرعاية الصحية المجانية، وحق العمل بالقطاع الحكومي والملكية العقارية، إضافة لتوثيق عقود الزواج والطلاق، والحق في التنقل بين البلدان بجواز السفر، وتعود هذه المسألة إلى خمسينيات القرن الماضي، وتتباين التفسيرات في أسباب ظاهرة “البدون”، وأغلبها يشير إلى فوضى التشريع وعدم تطبيق بعض نصوص مواد قانون الجنسية الكويتي الصادر في 1959، أو إهمال التقدم بطلبات الحصول على الجنسية، أو إخفاء الهويات الأصلية، فهل من رابط بين مقتله وبين البدون؟

بالعودة إلى قضية مسافر عبد الكريم، التي أثارتها حفيدته إثر تقديمها دعوى قضائية بحق خمسة مغردين كويتيين، إتهموا جدها بالخيانة دون إثبات وأدلة، وبالتالي تم فتح القضية مجدداً وأبرزت بعض الأوساط الإعلامية ما قيل إنه معرض تحقيق النيابة الكويتية آنذاك، ووضعها الجهة المحققة والمصدرة للحكم في نفس الوقت، وهذا أمر النيابة لا علاقة لها به بل متعلق بالقضاء الكويتي، يضاف إلى ذلك أن حقبة الغزو العراقي للكويت هي جريمة مدانة بكل ما للكلمة من معنى، ودولة الكويت لطالما إهتمت بالقضايا العربية ووقفت على مسافة واحدة من الجميع ومعروفة مواقفها القومية والنضالية، لكن في مسألة “البدون”، لم يتم حل هذه القضية، التي أعاد مفاعيلها مسافر عبد الكريم.

ولنفرض جدلاً، أن مسافر عبد الكريم ما نسب إليه صحيح، ماذا عن بقية من خانوا الكويت من المواطنين الذين ثبتت العمالة عليهم وأقصى حكمهم كان الإبعاد والنفي!

والجدير بالذكر، إذا كان مسافر عبد الكريم خائن، وقتله من مفاخر الوطنية، لماذا لم نسمع عن قاتله، الذي من المفروض أنه خدم الوطن بقتله، يقيناً في هذه الحالة، وضعتم هذا الشخص بين الأحرار والوطنيين، وضعتوه مع المظلومين الذين لن يعتقوكم من النار، وضعتوه مع المقتول ظلماً بغير حق، صنعتم منه البَطَل بزيف البُطل، فالبطولة أمر مخالف للباطل، عاد لتنصفه الديرة وإذا بها تكون الحاكم والجلاد.

الثابت هنا، إن فتح قضية مسافر عبد الكريم ستطيح بأسماء كثيرة، فمن أراد التستر خلفه من خلال إبرازه إلى الواجهة، من خلال شهادات غير معروف مدى صحتها، وعدم طرح شهادات زوجته وبناته، فالمطلوب اليوم إحقاق العدل وما نسب لمسافر عبد الكريم هناك العشرات غيره، فإما العدل أو على الدنيا السلام، وهنا يبرز دور المنظمات الحقوقية والإنسانية التي لم تحرك ساكناً إلى الآن، فأين المنظمات الإنسانية حول العالم وفي الخليج ودولة الكويت تحديداً، هل لأن هذا الإنسان من البدون لا يملك حق من حقوق الإنسان؟!

*كاتب عربي.

إقرأ أيضاً: بسبب إسرائيل ..الكويت تقاطع مؤتمرا في البحرين

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل