سوريا تخط ملامح معركة الإنتصار الأخيرة

دأبت سوريا على إتباع النهج السياسي عبر دبلوماسيتها المعهودة، وفي نواحٍ كثيرة غلبتها على الناحية العسكرية، لكن مع التطورات الأخيرة التي شهدتها البلاد، كان لابد من وضع النقاط على الحروف، شمالاً وشرقاً وحتى جنوباً، لتثمن الشعب والجيش السوري وتدافع عنهم ضد أي إعتداء ومن أي طرفٍ كان.

خاص وكالة عربي اليوم الإخبارية – د. مهند سلامي

شهدت سوريا في الآونة الأخيرة تطورات كثيرة، لم يكن آخرها تداعيات الوضع الاقتصادي والمعيشي جراء سريان قانون قيصر والعقوبات الاقتصادية الأمريكية القسرية وأحادية الجانب، لتخرج ممارسات القوى المسيطرة على بعض المناطق في سوريا، من القوات الأمريكية والتركية وقوات سوريا الديمقراطية أو ما تسمى بـ “قسد”، إذ أن الممارسات الأخيرة تقول إن زيادة تخبط الأعداء يوحي بأن الأزمة السورية رغم تعقيداتها إلا انها في الربع ساعة الأخيرة، فعلى الرغم من تعدد اللاعبين الدوليين والإقليميين فيها، لكن هذا لا يعني أنهم يتمتعون بالقوة الظاهرة والبادية عليهم، فلكلٍّ نقاط ضعفٍ بدت ملامحها، وهذا ما رأيناه مؤخراً من عمليات طرد للدوريات الأمريكية في الشرق السوري، من جانب الجيش السوري، ومن منا لم يشاهد الضابط السوري الذي طلب أن تتم الترجمة للجندي الأمريكي بالحرف قائلاً: “إذا لسه بيرجعو بيجو لنحرق الدورية باللي فيها” ورأينا كيف إنسحب هذا الجندي المدجج بالسلاح صاغراً ذليلاً، وهذا يؤكد عمق عزيمة أبطالنا المرابطين على ثغور الجبهات حتى إستعادة كل الجغرافيا السورية.

إقرأ أيضاً: الاستخبارات التركية نقلت إرهابيين تونسيين إلى سوريا

وبالتالي نحن على يقين من إنتصار سوريا مهما طال أمد هذه الأزمة، وكلما زادت ممارسات القوى المحتلة ووكلائها، كلما زاد إصرار القوات السورية على الإسراع بضرورة تحرير الأراضي السورية من براثن كل أنواع الاحتلال الغاشم، وقلتها وأكررها، إن من يقاتل لأجل المال وهو فاقد للعقيدة، حتماً الهزيمة والفشل مصيره، وهذا حال كل الفصائل الإرهابية على إختلاف مسمياتها وعلى إختلاف الداعمين لها، لأنه بالنهاية لن يصح إلا الصحيح، فلقد راهن أعداؤنا على إنهيار المنظومتين الأمنية والدفاعية، وسط زخ الأموال والتمويل الذي لم تشهد حرباً في العالم كل هذا الضخ من سلاح وأموال، لم يحقق هدفه، نعم دفعنا الأرواح وقدمنا الشهداء، وضاقت علينا الأحوال، لكننا لم نستسلم وهذا ما لا يعرفه أعداء بلدنا، وعزيمتنا التي هي أساساً جينات نحملها.

وبعيداً عن العواطف، إن الوضع الميداني مؤخراً، رغم المحاولات الكثيرة للجماعات الإرهابية سواء على محور سهل الغاب أو محور ادلب وريفها أو في الشرق السوري، هي بالمفهوم العسكري، خروقات وإنقلاب على إتفاق موسكو بين روسيا وتركيا، لكن الرد السوري كان حاضراً وبقوة مستهدفاً مواقع الإطلاق ومحققاً إصابات محققة وكبيرة، ما دفع بمحور واشنطن وفي مقدمته تركيا إلى رفع مستوى الإستهدافات، فمنذ تدخل الدولة الروسية في العام 2015، لم يحدث أن تم إستهداف القوات الروسية بشكل علني، كما حدث مؤخراً على الطريق الدولي حلب – اللاذقية، بعبوات ناسفة، قد تكون الأضرار قليلة قياساً بقدرة الإرهابيين “الإنغماسيين” على التفجيرات والعمليات الإنتحارية، لكن هنا يتبادر إلى الذهن سؤال مهم، لو كانت تركيا بريئة لكان تم إستهدافها هي الأخرى، فالدوريات مشتركة بطبيعة الحال، أم تجنب إصابتها يشي بأنها على علم بهذا الأمر ولربما من المخططين والمسهلين له، فلأنقرة مخطط مهم، لجهة تعطيل فتح الطريق الدولي الذي يعتبر شريان حيوي للدولة السورية بين المنطقة الداخلية والساحلية وبالتالي تساهم في عون واشنطن للضغط الاقتصادي على الدولة السورية، وإيهام روسيا بأن الإرهاب سيعيق إعادة الحياة لهذا الطريق.

إقرأ أيضاً: البنتاغون يكشف عن تورط أردوغان بنقل المرتزقة إلى ليبيا

وفعلاً أوقفت روسيا دورياتها مؤقتاً، لكن ما لايفهمه التركي أن لكل شيء قدرة إستيعابية وإمتصاص الصدمة أقوى من الصدمة ذاتها، لقد إعتقدت أنقرة أنها مسيطرة ومنتصرة في سوريا ومتناسية تجربتها السوداء في معركة ادلب وعودة جنودها بالتوابين وكيف ترجت الروسي لهدنة تستطيع من خلالها لململة جراحها، إنما الحقد لم يذهب ولن يذهب، فها هي تضرب وتهرب، ولديها كثر من تحملهم المسؤولية فهي الشهيرة بالتملص من تعهداتها مع كل الأطراف إلا مع أحبائها الأمريكيين والإسرائيليين، فالإدعاءات بنصرة الإسلام والمسلمين كشفت في سوريا وكشفت في ليبيا، وها هي اليوم تدخل على خط الخلاف الأذربيجاني – الأرمني لظنها أنها قادرة على إحياء أمجاد سلطنة أكل عليها الدهر وشرب، فالمؤكد أن روسيا لن تسكت خاصة ليقينيها بأن كل الفصائل الإرهابية موالية لتركيا خاصة هيئة تحرير الشام “جبهة النصرة” سابقاً، والغارات الأخيرة سواء كانت سورية أم روسية على مواقع الإرهابيين خير دليل على أن القادم لا يبشر بالخير لما سيحدث للقوات التركية التي ظنت إن استقدمت تعزيزات عسكرية كبيرة ستعزز من مواقعها وكأنها في معركة إدلب لم تكن مدججة بكل صنوف الأسلحة!

من هنا، إن سوريا مصممة على تحرير كل أراضيها وللحلفاء دور مهم في هذا التحرير، فالإتفاقية الإيرانية – السورية خير دليل على ذلك، فلقد أصبح الجيش السوري رائداً في إدارة فن المعارك وفي المناطق الوعرة أكثر منها في المناطق الأقل وعورة، ما يعني أن المرحلة المقبلة ستشهد تحديات كبيرة للدولة السورية، رغم ما يعتريها من ظروف صعبة، لكن مع إنقضاء الحرب كل ذلك سيتبدل، وما إن يتبدل حتى يأتي الجميع طالباً ود دمشق، وإلى أن يحين ذلك، ستشهد البلاد شرقاً وشمالاً نوعاً جديداً لم يألفه أعداء سوريا من قبل، والأيام القادمة تحمل في جعبتها الكثير من المفاجآت.

*مدير ومؤسس وكالة عربي اليوم الإخبارية.

إقرأ أيضاً: هل تقايض روسيا النفوذ التركي في ليبيا بتحرير إدلب؟


يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل