تركيا العثمانية تمتص خيرات ليبيا بسلاح العقيدة والجهاد

لم يعد خافياً على أحد حجم دور تركيا الواسع في المنطقة العربية وخصوصاً في سوريا وليبيا والعراق، في ضوء هذا التمدد الذي أستطيع تسميته بـ “الإستعمار الحديث”، على مرأى العالم كله، فاليوم أصبح تفعيل الجهود العربية – العربية ضرورة ملحّة لوقف هذا التمدد، أو نحن أمام حقبة إستعمارية بأدوات وأذرع مختلفة.

خاص وكالة عربي اليوم الإخبارية – د. مهند سلامي

إن ما يحدث في ليبيا، سبق وأن لعبت عليه تركيا بقوة في سوريا، لكن وبفعل التحالفات السورية المتينة بينها وبين كل من روسيا وإيران، وضع الخطط التركية قيد الإنتظار، وهذا ما رآه العالم أجمع عند محاولات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مرات كثيرة زيارة موسكو، وآخرها إنتظاره وفريقه أمام الباب لدقائق عدة قبيل السماح لهم بلقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلا أن بعض الذل في ذلك لا بأس به مقابل إيقاف معركة ادلب الأخيرة في ضوء نفوق العشرات من الجنود الأتراك في الشمال السوري.

إحياء الإستعمار

أيضاً لا يخفى على أحد تقاسم الأدوار بين الأفرقاء الضالعين بالأزمات التي تعصف ببعض الدول العربية، والتي إستثمرت فيها تركيا الكثير، ففي سوريا وصلت لأن تطلب من الولايات المتحدة الأمريكية، جزءاً من نفط الشرق السوري، إلا أن الأخيرة على ما يبدو أنها رفضت لك واعتبرته أتعابها على دعم أنقرة، لذلك وجدنا التركي صامتاً حيال أكراد سوريا، وصامتاً أمام تهريب صهاريج النفط وبيعها لصالح الأمريكي.

إقرأ أيضاً: السيسي من على الحدود الغربية : دخولنا إلى ليبيا بات شرعياً

لقد حققت روسيا الكثير في الملف السوري، من الناحيتين السياسية والعسكرية، ويمكن القول إنها بطريقة أو أخرى نقلت الصراع بشقه الإرهابي – العسكري، إلى الشق السياسي رغماً عن أنف أعداء سوريا وفي مقدمتهم تركيا والولايات المتحدة، فضلاً عن المساعدة الميدانية الكبيرة لكل من إيران وباقي الحلفاء على المعارك التي دارت رحاها في عموم الجغرافيا السورية في السنوات الماضية.

من هذا المنطلق كان لا بد من أن تعمل أنقرة على إيجاد خطط بديلة، فهي لا تريد أرضاً سورية بدون أرباح إقتصادية جاهزة، خاصة وأن الوضع الاقتصادي لديها إرتبط إرتباطاً وثيقاً بالأزمة السورية، وشهدت السوق التركية تقلبات كثيرة بدأت بهبوط الليرة التركية وخسارة في الميزان التجاري بعد إنقطاع الطرق البرية التي كانت مستفيدة منها في سوريا، كل هذه العوامل دفعت بنظام أردوغان التوجه إلى ليبيا ليبرم تحالفات مع حكومة الوفاق بقيادة فائز السراج التي تتلاقى مع النظام التركي دينياً وعقائدياً لجهة إعتناقهم نهج “الإخوان المسلمين” لتبدأ بعد ذلك فصول الإستعمار الحديث على الأراضي الليبية.

إنتقام مزدوج

وربطاً مع ما ورد أعلاه، تبحث تركيا عن الدجاجة التي تبيض ذهباً، والجميع يعلم أن المناجم الأكبر للثروات المعدنية والطاقوية تتواجد في القارة الأفريقية، وليبيا هي مفتاح هذه القارة، وبالنظر إلى التقسيمات القديمة من إستعمار فرنسي وبريطاني وإيطالي، تتربع هذه الدول في عمق القارة، إلا أن دخول الولايات المتحدة مؤخراً في عمق الأزمة الليبية، يقول بأن وجهة واشنطن وحلفاءها المقبلة هي أفريقيا، والنظام التركي لا يمكن له العمل منفرداً لولا الدعم الأمريكي اللا محدود له، وهذا ما رأيناه ملياً بإتهامات القوات الأمريكية العاملة في أفريقيا “أفريكوم” وإتهام روسيا بدعم قوات حفتر عبر إدخال مقاتلاتها إلى الأراضي الليبية.

إقرأ أيضاً: أفريكوم يعرض صورا جديدة يتهم فيها روسيا بإرسال طائرات إلى ليبيا

تقوم الولايات المتحدة بالضغط على روسيا في سوريا، عبر الإستفزازات المستمرة من القوات الأمريكية، في الشرق السوري، وآخره أن وصل الأمر إلى عراك بين قوات الجانبين قبل أيام من الآن، وتريد واشنطن إخراج موسكو نهائياً من الملف الليبي، وفي ذلك مصلحة تركية أن تنتقم من روسيا في الملف السوري، بإخراج الأخيرة من الملف الليبي لتكون الساحة خالية، خاصة بعد خسارة قوات شرق ليبيا مؤخراً مواقع لها، الأمر الذي اعتبرته تركيا نصراً لها، ما زاد تعنتها وكأنها إستولت على كامل ليبيا.

إستثمار بالدم

إذا، لم تم تمهيد الأرضية أمام تركيا لتبدأ بتنفيذ مخططها الرامي بالإستحواذ على المقدرات الليبية والسيطرة عليها، فبعد توقيع مذكرتي التفاهم البحرية والأمنية مع حكومة السراج، كانت بداية التفعيل التركي للبدء بإختيار الأهداف المربحة لأنقرة، رغم إعتراض اليونان وقبرص وإسرائيل والإتحاد الأوروبي إلا ان الأتراك بدأوا فعلاً بالتنقيب عن الغاز في البحر المتوسط، ليخرج بعدها مسؤول تركي رفيع المستوى، ويقول إن الدولة التركية ستستثمر في ليبيا في كثير من المجالات أهمها الطاقة وإعادة الإعمار وبناء البنى التحتية، إضافة إلى إصلاح المنظومة المصرفية من خلال مستشارين أتراك.

يأتي هدف تركيا وهي ضامنة بأن المجتمع الدولي ومن باب القانون نتيجة الشرعية الممنوحة من جانبه لحكومة السراج، قد سمحت لأنقرة بالتصرف بحرية، خاصة وأن التوسع العسكري سيزداد بعد تصريح مولود جاويش أوغلو بأنهم يدرسون ذلك، بعد معلومات تقول إن تركيا تنوي تثبين قاعدتين لها في ليبيا، وتحديداُ في ترهونة والوطية.

فلقد بلغ حجم الإستثمار التركي في ليبيا ما قيمته 16 مليار دولار أمريكي، بينما بلغت قيمة المشاريع المرتقبة ما كلفته بين 400 – 500 مليون دولار، إلى جانب نية أنقرة إرسال سفن من شركات الكهرباء التركية لديها لإنارة ليبيا، وكل هذه العوامل ربطاً مع المصارف تؤكد أن النوايا التركية وجدت ضالتها، بعد أن استثمرت هذا الملف من جميع جوانبه، وربطت عقيدة الجهاديين من خلال الدفاع المستميت عن معتقدات تم غسل أدمغة الإرهابيين بها، ليكونوا أدوات تنفيذ مخطط تركيا في ليبيا.

من هنا، وبعد تفعيل قانون قيصر الأمريكي بحق سوريا، وإلهاء العالم به، رغم يقين الإدارة الأمريكية، أن من صمد سنواتٍ عشر، يستطيع المقاومة، مع وجود حلفاء أقوياء بجانب الدولة السورية، بعكس الحالة الليبية، التي ورغم التماهي الغربي بالتوافقات حول ليبيا، إلا أن الدول الأوروبية لن يعجبها هذا التواجد التركي، فضلاً عن أن الدول العربية بدأت تدرس ملياً خيارات عدة في مواجهة الإستعمار التركي الحديث، ومن بين هذه الخيارات، الخيار العسكري، وإن كان في الكلام من فائدة، فكلنا سنكون مع الحل العسكري في مواجهة العثمانيين الجدد.

*مؤسس ومدير وكالة عربي اليوم الإخبارية.

إقرأ أيضاً: تعقيدات المشهد الليبي وإنعكاساته على المشهد في سوريا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل