إلامَ تهدف أعمال الشغب الأخيرة في لبنان وما هو دور تركيا فيها؟

لم يكن الهدف النهائي هو الفتنة بحد ذاتها بل بما يتجاوزها إلى إيجاد بيئة متوترة ذات طابع أمني تؤسس لاشتباكات مسلحة تخرج عن السيطرة، بما يستدعي تدويل الأزمة لهدف محدد: نزع سلاح حزب الله.

كتب شارل أبي نادر : كان لافتاً ما نقلته “الميادين” عن مرجع أمني لبناني، حول تورط تركيا في تمويل أعمال التخريب الأخيرة في لبنان التي شارك فيها عرب ولبنانيون، حيث تمّ توقيف أكثر من 40 مشاركاً في هذه الأعمال على سبيل التحقيق.

من الضروري الإضاءة على حيثيات القضية، سواء لناحية الهدف من هذه الأعمال المموّلة خارجياً، أو لناحية مسؤولية تركيا عن تمويل هذه الأعمال.

بداية كان مناسباً وضرورياً ومنتجاً التحرّك السريع للأجهزة الأمنية والقضائية اللبنانية لمتابعة الموضوع وإجراء التوقيفات والبدء بالتحقيقات مع هذا العدد غير البسيط من الموقوفين والمتهمين بتنفيذ أعمال التخريب المموّلة والموجّهة من الخارج والأهمّ أن هذه التوقيفات بدأت ليل 5- 6 حزيران/يونيو الحالي على خلفية معطيات استعلامية عن تحركات مشبوهة وتورط بعض المندسين، وتمت متابعتها من خلال التصدي لأعمال التخريب العنيفة بتاريخ 11 الشهر الحالي، وجرى توقيف عدد كبير من المشاركين المتهمين بعد التحقيق مع الموقوفين الأوائل.

حساسية أعمال التخريب الأخيرة وارتباطاتها التي استدعت التوقيفات المذكورة تنبع من كونها تجاوزت احتجاجات الحراك العادي الروتيني الذي كان سائداً خلال الفترة الأخيرة في لبنان بعد حراك 17 تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، كما أنها تجاوزت الاحتجاجات العنيفة التي اتخذت طابعاً سياسياً بهدف الضغط على الحكومة في لبنان. التحركات التي نحن بصددها اتخذت هذه المرة طابعاً دموياً عنفياً وكانت موجّهة ومموّلة من الخارج وتحديداً من مجموعات أو محركين موجودين في تركيا.

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل لتركيا دور كسلطات رسمية أو أمنية مخابراتية في تمويل وتحريك هذه الأعمال التخريبية؟ والتي إذا صح التورط التركي فيها فإنه في هذه الحالة يصبح تدخلاً غير مشروع، يتجاوز القوانين والاتفاقات الدولية، ويستدعي تحركاً ديبلوماسياً على الأقل أمام المراجع والمؤسسات الدولية.

بالعودة إلى سجل الانخراط الخارجي في الدول المحيطة، لم تكن أنقرة بعيدة عن تلك التدخلات بشكل عام، ومناورتها واستراتيجيتها في سوريا حول ذلك معروفة من خلال دعم وتمويل وتسهيل عمل مجموعات مسلحة متعددة إرهابية وغير إرهابية، ولا أحد ينكر الدور التركي الفاعل في تخريب الأوضاع الأمنية في سوريا، ومساهمتها في تقويض السلام وتحريك الشارع بوجه الحكومة إلى أن وصل الأمر إلى ما وصل إليه اليوم في سوريا.

كان لافتاً وواضحاً أيضاً الحراك التركي في ليبيا أخيراً من خلال نقل المجموعات المسلحة ودعمها وتسليحها للقتال إلى جانب حكومة الوفاق التي ارتبطت معها باتفاقيات أمنية واقتصادية، تحفّظ عليها كثير من الدول الأفريقية والإقليمية والغربية.

ولا يمكن أن ننسى الدور التركي في اليمن عبر دعم حزب الإصلاح الإخواني الإسلامي، وذلك بهدف امتلاك نقاط ارتكاز وانتشار في أكثر من منطقة على امتداد السواحل اليمينة الاستراتيجية المطلة على البحر الأحمر وعلى خليج عدن.

إذاً، من خلال متابعة مسار التحرك التركي وتدخلات أنقرة في المنطقة، يمكن التأسيس على ذلك وعدم استبعاد تورطها في تمويل أعمال تخريب في لبنان. أما الهدف فهو الوصول من خلال هذه الأعمال وعبر المجموعات التي تنفذها إلى خلق حيثية معينة، لتصبح هذه المجموعات قادرة على التحرك وإثبات الوجود، على خلفية احتجاجات مطلبية في البداية، لتتحول لاحقاً إلى مجموعات ذات طابع إسلامي تدين بالولاء إلى تركيا (وارثة السلطنة العثمانية)؛ وقد شهدنا في بعض المناطق اللبنانية ولاسيما في مدينة طرابلس شمال لبنان، صوراً ومشاهد تصب في هذا الإطار.

يبقى هذا الاستنتاج غير مثبت بانتظار الكشف عن مستندات ملموسة وأدلة حسية، تقع مسؤولية متابعتها والإعلان عنها على عاتق الأجهزة القضائية والأمنية اللبنانية بما يتجاوز الاتهامات التي تتخذ الطابع السياسي أحياناً. ولكن بمعزل عن مسؤولية تركيا من عدمها في تمويل هذه الأعمال، يبقى السؤال عن الهدف من هذه الأعمال التخريبية الطارئة والاستثنائية التي حصلت أخيراً في لبنان.

إذا رصدنا طبيعة التحركات الأخيرة التي اتخذت طابعاً عنيفاً يظهر جلياً أنها تأتي في سياق مخطط يتعلق بخلق فتنة طائفية ومذهبية، إذ نجد أن الشعارات المطلبية والمعيشية تطورت فجأة إلى شعارات تطالب بنزع سلاح حزب الله وتطبيق القرار 1559، كما تضمنت إساءات بغيضة ومشبوهة إلى رموز دينية إسلامية، الهدف منها إثارة النعرات المذهبية في جو يسيطر عليه التشنج والضغط وتعترته حساسية عالية.

من هذا المنطلق لم يكن الهدف النهائي وراء هذا التوجّه غير البريء هو الفتنة بحد ذاتها، بل بما يتجاوزها في العمق إلى إيجاد بيئة متوترة ذات طابع أمني مذهبي واسع تؤسس لاستخدام أسلحة فردية أو متوسطة بين مجموعاصّت منقسمة سياسياً ومذهبياً، لتتطور لاحقاً نحو اشتباكات مسلحة تخرج عن السيطرة وتتمدد في أكثر من منطقة لبنانية وصولاً إلى حالة من العنف الواسع الشبيه بالحرب الأهلية والتي تترافق مع بروز خلايا مسلحة ذات طابع إرهابي (أشار وزير الداخلية اللبناني إلى بعض هذه المعطيات أخيراً) تتسلل من خارج لبنان بهدف المساهمة في تسعير الفتنة والحرب، وعند هذه المرحلة يكون الوضع قد أصبح مؤاتياً لاستدعاء تدخل دولي، يذهب مباشرة نحو تدويل الأزمة ويستدعي تدخل مجلس الأمن تحت الفصل السابع بهدف وحيد ومبرمج ومحدد: نزع سلاح حزب الله.

إزاء هذه المخططات، كان التحرك السريع والمركز للأجهزة الأمنية والقضائية اللبنانية أساسياً وفاعلاً في تطويق هذه الأعمال الخطرة، وفي توقيف عدد كبير من المساهمين أو المتهمين بتلك الأعمال التي كانت تهدف لخلق الفتنة المذهبية الواسعة.

لكن من الضروري جداً بعد اليوم تغيير الاستراتيجية التي تعتمدها الأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية في مواجهتها للاعتصامات والتظاهرات وعمليات قطع الطرق والتعدي على الأملاك العامة والخاصة، والتوجّه نحو استراتيجية متشددة أكثر تعتمد على العنصر الاستباقي لتفادي استغلال المطالب والاحتجاجات بهدف خلق فتنة مذهبية أو طائفية، تكون مفتاحاً لأعمال عنف واسعة أو لمواجهات غير محسوبة، قد تأخذ طابع الحرب الأهلية وتستدعي تدخلاً دولياً في غير مصلحة لبنان والمنطقة.

اقرأ أيضاً : حضرت طهران و موسكو .. فمتى ستأتي بكين ؟


يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل