ليبيا تكشف دور الإستخبارات التركية في تجنيد المرتزقة السوريين

يواصل النظام التركي إرسال مقاتلين سوريين إلى ليبيا، تحت بنود متعددة، لعلّ أبرزها دعم حكومة الوفاق الليبية التي تتمتع بشرعية دولية بقيادة فائز السراج، في محاولة لتغيير الخريطة الميدانية في ليبيا لصالحهم ولتقويض مساعي الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.

إعداد وكالة عربي اليوم الإخبارية

نشرت يوم أمس الخارجية التركية تهديداً وجهته لقوات شرق ليبيا “الجيش الوطني الليبي” بأن أي إستهدافات تطال بعثاتها ستعتبر هذه القوات أهدافاً مشروعة لقواتها، في إشارة اوحت بها تركيا أن وجودها على الأراضي الليبية يأتي على شكل بعثات وهو أهم منافٍ للحقيقة، خاصة لجهة تجنيدها لمرتزقة سوريين وإرسالهم على شكل دفعات للقتال، والذي بعضهم هرب عبر السواحل الليبية إلى إيطاليا ومنها إلى أوروبا، ناهيكم هن المأسورين منهم الذي فضحوا ممارسات النظام التركي مفصلاً خلال المعارك الأخيرة.

لم يقتصر الأمر عند هذا الحد، وبحسب معلومات من مصادر معارضة، أن الإستخبارات التركية هددت الفصائل الإرهابية في سوريا، بفضائح وفتح ملفات فساد تطالهم في حال رفضهم التجنيد والذهاب إلى ليبيا وهذا ما رأيناه مع ناصر فيلق الرحمن الذي تمنع بعض عناصره، فجاء تخفيض الرواتب على الفور، وحرمانهم من الدعم العسكري والتسليحي، فيما تواصل القوات التركية تجنيد الجيش التركماني التابع للجيش الحر والذي يتواجد في شمال وشمال شرق سوريا، وهم على الرغم من انهم سوريين إلا أن أصولهم التركمانية تجعل ولائهم مطلق للنظام التركي، الذي يسعى بشكل واضح إلى إرسال المرتزقة السوريين إلى ليبيا لمواجهة قوات الجيش الوطني الليبي هناك.

إقرأ أيضاً: المرتزقة السوريون يكشفون حقيقة نقلهم إلى ليبيا

وفي سياقٍ متصل، وفي غمرة المعارك الحاصلة في ليبيا وخصوصاً على محور عين زارة، قتل الجيش الوطني الليبي، قيادي بارز موالٍ للنظام التركي يدعى محمد هنداوي قائد الفيلق الثاني، بعد عملية نوعية نفّذتها الوحدات العسكرية بالقوات المُسلحة في ساعات الفجر الأولى من يوم أمس الأحد، بمحور عين زارة في العاصمة الليبية – طرابلس، حيث عقب هذه العملية نشرت حينها الخارجية التركية بيانها التهديدي ضد قوات حفتر، في أسلوب لطالما إنتهجته في المعركة العسكرية التي أطلقتها على محافظة ادلب وريفها، شمال غرب سوريا، والتي حملت إسم درع السلام، فمع كل قتلاها الذين سقطوا منجيشها على الأراضي السورية، كانت الدفاع والخارجية التركية تصدران بيانات تهديد ووعيد، حتى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خرج في تصاريح إعلامية بشكل كثيف وكأنه يقارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المعروف بكثرة ظهوره الإعلامي.

لم يقتصر الأمر عند هذا الحد، فسبق وأن أعلن الناطق باسم القوات المسلحة الليبية، أحمد المسماري، وبحسب إحصائية سابقة، أن أعداد المرتزقة السوريين المجندين من قبل الإستخبارات التركية بلغ حينها 17 ألف إرهابي، والعدد قوبل بعد ذلك بزيادة ملحوظة، وهذا ما وثقه المصدر السوري المعارض والذي مقره العاصمة البريطانية – لندن، أن النظام التركي أرسل مؤخراً دفعة جديدة من الإرهابيين السوريين إلى الأراضي الليبية، قيل إنهم من منطقة الأتارب في ريف حلب الغربي وبعض المناطق الأخرى، التي لا تحتاج إلى تنقيب أي من ادلب وريفها، وبعض الجيوب في ريف حماة والشرق السوري، اللافت أنه تم تجنيدهم تحت إشراف كتيبة السلطان مراد “التركمانية” الموالية للنظام التركي وكتيبة “السلطان محمد فاتح، أيضاً “التركمانية” وبحسب المرصد أن عددهم بلغ ما قارب 8250 إرهابي، إضافة إلى وجود 3330 إرهابي يصار العمل على تدريبهم في مراكز تدريب خاصة على الأراضي التركي، لتحضيرهم ونقلهم لاحقاً إلى ليبيا للمشاركة في المعارك الدائرة هناك.

وبموازاة ذلك، إن من يتمنع عن القتال في ليبيا من السوريين يتعرض للأسر وفي أحياناً أخرى للقتل، وبحسب شهادات بعض المعترضين على التجنيد التركي لهم، قال أحدهم، إن النظام التركي خدعهم، فقد تم تجنيدهم على أساس حماية المؤسسات التركية ومنشآتها على الأراضي الليبية، ولم يكن الكلام يتمحور حول القتال في معارك طرابلس، خاصة وأن الجبهات السورية لا تزال ملتهبة فهم يريدون القتال في سوريا حسب زعمهم، وأكدوا أن المقاتلين السوريين يصلون إلى الأراضي الليبية بشكل يومي الأعداد تتزايد وأكثر بكثير عما هو معلن في وسائل الإعلام، فإما الذهاب او السجن، وهذا ما حدث فعلاً لقد سجنت الإستخبارات التركية أكثر من 190 إرهابي سوري بعد رفضهم القتال والذهاب إلى ليبيا وترك المعارك في سوريا.

والجدير بالذكر، أن موقع المونتيور نشر تقرير يتألف من 40 صفحة حول نشاط الإستخبارات التركية وتجنيدها لقاصرين، أي تحت السن القانوني ما يعتبر أنهم أطفال للقتال في ليبيا حيث إستند التقرير إلى بيانات من مصادر محلية وشهادات أهلية موجودة في سوريا، بأن الإستخبارات التركية تدرب هؤلاء القاصرين وعند وصولهم للدرجة المطلوبة لذهابهم للقتال، تصدر لهم وثائق مزورة من خلا تكبير سنهم وتاريخ تولدهم، إلا أن الحقيقة ان أعمار هؤلاء القاصرين بين 15 – 16 عاماً على الأقل، فبعد غسل أدمغتهم وإغراءهم بالأموال، وبحسب الشهادات الأهلية، بأنهم سيذهبون إلى ليبيا مع عائلاتهم وسيحصل كل مقاتل منهم على مبلغ 3000 دولار أمريكي، وهذا الرقم بالنسبة إلى مراهق هو رقم كبير جداً يغريه لتنفيذ أوامر الأتراك الذي يدفعهم إلى الموت المحتم دون أدنى مراعاة لحقوق الإنسان والأطفال على وجه التحديد.

وفي تفاصيل هذا الموضوع وبحسب شهادة أحد هؤلاء المراهقين الذي قال إنه ورفاقه يخضعون للتدريب في معسكر يطلق عليه إسم تدريب تحضيري، هذا المعسكر أنشأته مجموعة المعتصم، ويضم 25 مراهق، وكان الإغراء هو أنهم يستطيعون التواصل مع عائلاتهم والمأكل والملبس والمنامة مجانية، إضافة على الراتب الشهري، وأنهم سيعودون إلى عائلاتهم وحياتهم بعد ثلاثة أشهر، لكن السؤال، هنا كيف سيعودن؟، هل سيعودون أموات أم احياء؟ وهذا السؤال حتماً برسم راعي الإرهاب الأول في سوريا وفي ليبيا رجب طيب أردوغان، الذي يريد تحقيق مشروعه التوسعي الإستعماري بأي شكل وطريقة ممكنة ولو على حساب أرواح الشعوب التي ذاقت الأمرين من تدخلاته في شؤونها خاصة الشعبين السوري والليبي على حدٍّ سواء.

إن الحديث عن التجنيد التركي للمرتزقة السوريين موضوع كبير جداً، فكتيبة السلطان مراد “التركمانية” موجودة الآن على الأراضي الليبية، وفي كل مجموعة هناك خمسة أطفال على الأقل يقاتلون إلى جانب التنظيمات الإرهابية المسلحة الموجودة هناك، فلقد قال محمد بالشي المؤسس والمشارك في مجموعة “قاتل من أجل الإنسانية” إن النظام التركي ينتهك بشكل صارخ وفاضح بروتوكول إتفاقية حقوق ال حقوق الطفل فالإستخبارات التركية تقوم بتسهيل إرسال القاصرين تحت سن 18 سنة إلى الحرب الليبية، مشيراً إلى أن تركيا نفسها كثيراً ما تلوم حزب العمال الكردستاني على استخدام القصّر في الأعمال العدائية التي تقوم ضدها على حد زعمها.

وكما هناك من هم ضد النظام التركي في تدخله السافر في المعارك الدائرة في ليبيا والقتال ضد قوات المشير حفتر، هناك في المقابل من يدافع عن هذا النظام رغم ثبوت تورطه ورغم وجود مئات الأدلة على ذلك، فلقد قال بسام أحمد، المدير التنفيذي لسوريين من أجل الحقيقة والعدالة، إنه ليس لديه أي دليل على أن تركيا أو سوريا (في إشارة إلى المعارضة المسلحة الموالية للنظام التركي) متورطتان بشكل مباشر في إشراك قاصرين في القتال. وأضاف أنه قريباً ستنشر المنظمة تقريراً حول تجنيد المرتزقة الأجانب من قبل الجنرال خليفة حفتر، فهذا الكلام يعتبر تصريح مضاد للتصريحات الكثيرة التي تثبت تجنيد المرتزقة السوريين في المعارك الدائرة في ليبيا ولا يعدو أكثر من كونه “ذر الرماد في العيون”، فجيش ليبيا لا يزال متماسكاً والشعب الليبي شعب يريد حفتر قائداً له وقد خرج مئات آلاف المواطنين إلى الشوارع يطالبون بالقائد حفتر زعيماً لهم، فهم ليسوا عاثرين عن تشكيل جيش كبير قوامه من الشعب الليبي، وليسوا بحاجة مرتزقة كحكومة الوفاق التي جلبت كل المرتزقة من جبهة النصرة وتنظيم القاعدة والإخوان المسلمين وغيرهم الكثير.

إقرأ أيضاً: انتقل المرتزقة السوريون في طرابلس إلى مستوى جديد من العنف

وفي متابعة لما ورد على تقرير المونيتور، نفى يوسف حمود، من الموالين للنظام التركي، إرسال مقاتلين إلى الأراضي الليبية، في حين قال عماد الدين بادي، عضو سابق ففي المجلس الأطلسي، إن كلا جانبي الصراع الليبي يستخدمون قاصرين في القتال في ليبيا وهي شهادة غير حقيقية تصب في صالح النظام التركي الذي لا يهمه طالما يمتع بغطاء المظلة الدولية برعية الولايات المتحدة الأمريكية الداعم الأول له، فلو كان العكس لرأينا موقفاً مغايراً للجانب التركي على الجبهتين الليبية والسورية، لكن تحالف أنقرة مع واشنطن يبدو أن كل منهما يكمل الآخر، فالهدف التركي واضح في ليبيا وبالمقام الأول طمعها اللا محدود بالمقدرات الليبية من ثروات باطنية ونفط وغاز وثروات معدنية، فإسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي ليس عبثياً بل جاء عن سابق إصرار من جانب المعكسر الغربي الذي بنى الدولة الليبية وأسس دولة قوية وكان من مؤسسي الإتحاد الأفريقي، ومن أعضاء دول تجمع الساحل والصحراء، والذي للأسف بعضهم وقف إلى جانب حملة حلف شمال الأطلسي – الناتو في العام 2011، وإسقاط ليبيا بالقوة، كل ذلك للسيطرة على تلك المقدرات ولعل أبرز مثال على ذلك، أن من مول الحملة الإنتخابية للرئيس الفرنسي السابق ساركوزي، كان القذافي، والذي طعنه مباشرةً في العام 2011 وتخلى عنه، فهل سيكون النظام التركي أفضل من غيره، وهو الذي فتح الحدود مع أوروبا أمام آلاف اللاجئين، ولم نرَ موقفاً يجرّم أنقرة جراء هذا الفعل، ما يؤكد انهم حلف واحد ولا يمكن أن يدينوا بعضهم البعض.

وعلى المقلب الآخر، أكد نشطاء في المنظمة السورية لحقوق الإنسان أو ما يعرف بالمرصد السوري المعارض في لندن، مقتل مرتزقة سوريين جدد في العمليات العسكرية الليبية الحالية حيث تم تسليم ما لا يقل عن 12 جثة من القتلى في ليبيا إلى مناطق ريف حلب الشمالي في سوريا، التي تخضع لسيطرة القوات التركية ووكلائها من الفصائل الإرهابية. وهذا يعني أن العدد الإجمالي للمرتزقة السوريين الذين قتلوا في المعارك الليبية بدعم من النظام التركي ارتفع إلى 261 شخصاً على الأقل، هؤلاء ينتمون إلى مجموعات “كتيبة المعتصم” وكتيبة “السلطان مراد” و”لواء الشمال” و “الحمزات” و”سليمان شاه”. وبحسب مصادر طبية في طرابلس الليبية أن هؤلاء قُتلوا في اشتباكات على جبهات صلاح الدين والرملة ومشروي الحدبة بالقرب من مصراتة وأجزاء أخرى من ليبيا مؤخراً.

كل ما سبق، يجعلنا نعود إلى نقطة البداية مع إعلان المشير خليفة حفتر إنسحابه من إتفاق الصخيرات، وتنصيب نفسه قائداً لإدارة شؤون البلاد بطلب من الشعب الليبي، الأمر الذي وقف بوجهه أغلب زعماء العالم وفي مقدمتهم النظام التركي وأوروبا وحتى الولايات المتحدة وروسيا، حيث إعتبروا أن تصرف حفتر هو تصرف أحادي، وغير مدروس، فعلى الرغم من إعلان حفتر مراراً أنه يواف على إبرام هدنة إنسانية خاصة في شهر رمضان المبارك والتي جاءت بطلب من الأصدقاء، إلى أن رئيس حكومة الوفاق الليبية فائز السراج رفضها رفضاً قاطعاً خاصة بعد إستعادته لمناطق على الساحل الليبي من سيطرة القوات المسلحة الليبية “شرق ليبيا”، فمن المعروف أن حفتر تربطه علاقات جيدة مع دول كثيرة منها مصر ودولة الإمارات العربية، ومؤخراً إفتتح سفارة لبلاده في العاصمة السورية – دمشق، فالنظام التركي لا يريد لحفتر ان تتوطد علاقته مع الرئيس السوري بشار الأسد، فصبر وثبات الرئيس السوري ما يقارب الـ 10 سنوات في المعارك الدائرة في سوريا حسمت الوضع لصالحه على الرغم من وجود قوتين محتلتين لا يستهان بهما وهما الأمريكيون والأتراك.

إلا أن النظام التركي يريد تغيير الواقع الليبي بالقوة، ليبدأ العمل والإستثمارات دون إزعاجات من المعارضين لوجوده في ليبيا، فهو حالياً يتبع سياسة التهجير للقرى والبلدات السورية، ويطبق خطته التوسعية إنطلاقاً من التغيير الديموغرافي، لوجود طوائف كثيرة في سوريا وقوميات أيضاً، لكن في الحالة الليبية، ينتمي الشعب الليبي إلى هوية عربية واحدة ولون واحد، فكيف سيتصرف أردوغان مع ذلك، هذه المعطيات وغيرها الكثير، تدلل على أن المسرح الليبي سيشهد المزيد من الفوضى لكن للأسف فوضى دموية، والتي تؤثر بالمقام الأول على الشعب الليبي، فالتخوف التركي هنا، من دعم الدول الأخرى للمشير حفتر على غرار ما حدث مع الرئيس السوري بشار الأسد، حيث أن صمود حلفائه معه هو ما أفشل كثير من المخططات، فلو لم يكن ذلك لكانت سوريا مقسمة ومسرح عالمي للإرهاب حتى يومنا هذا، لكن في ليبيا تحاول روسيا اليوم تدارك الخطأ السابق الذي وافقت عليه في العام 2011 وموافقتها على قصف الناتو للدولة الليبية وإسقاط نظامها بالقوة، فقد نشهد موقفاً داعماً لحفتر ولو أنه يوحي بانه سياسي لكن قد يكون عسكري لاحقاً.

فلقد نشرت الأمم المتحدة تقريراً وصفته بأنه سري عن الدعم الروسي لقوات حفتر، من خلال إرسال مقاتلين من شركة فاغنر الروسية للقتال إلى جانب القوات الليبية، وإدعت الأمم المتحدة أن هناك الآلاف منهم في ليبيا لتأتي بعد ذلك الولايات المتحدة الأمريكية وتؤكد هذا السيناريو، حيث أن خروج مثل هذه المعلومات في هذا التوقيت هو لصرف النظر عن عمليات التجنيد التركية للمرتزقة السوريين، والقول عن المشير خليفة حفتر يستعين أيضاً بمقاتلين أجانب على أراضيه، فلو كان هذا الأمر صحيحاً، إن من المعروف أن القوات الروسية سواء العاملة في الدولة أو العاملة في الشركات الخاصة كشركة فاغنر، لكانت إستطاعت أن تقوم بتهريب البعثة الروسية التي إعتقلها الإرهابيين الموالين لتركيا في ليبيا والتي من بينها عالم الاجتماع الروسي مكسيم شوغالي وفريقه، المعتقل في سجن معيتقة والخاضع تحت سيطرة قوات السراج.

إن ما ترمي إليه الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية أمر منافٍ للحقيقة، فلو كان هذا الكلام صحيحاً، لتمنعت روسيا من التعليق على مسألة إنسحاب المشير حفتر من إتفاق الصخيرات، ولكانت نسقت مع الجانب التركي لضغط على حكومة الوفاق الموالية لنظام رجب طيب أردوغان وإطلاق سراح مواطنيها من المعتقل، فكل هذا اللغط غير صحيح ويدل على قصر نظر تعاطي المجتمع الدولي مع الملف الليبي، حيث ينظر من زاوية الإستعمار والمصالح الدنيوية الضيقة، فهناك معلومات تتحدث عن إحتمالية إنسحاب القوات الأمريكية من قواعدها في سوريا والتوجه إلى مصدر الثروات في القارة الأفريقية، وما هي إلا مسألة وقت حتى نرى الحضور الأمريكي القوي في ليبيا ومن المحتمل عند إنتهاء الدور التركي هنا، إخراجه من المعادلة الليبية لصالحه، فتذبذب تصريحات الأمريكيين في الملف الليبي حالياً هو مؤقت ريثما يتك دراسة الفوائد الكثيرة، فمن المعروف أن الإستثمارات الروسية والصينية في القارة السمراء كبيرة جداً، وتجدر الإشارة إلى ان هناك إستثمارت كبيرة جداً بين ليبيا وهاتين القوتين الصاعدتين إبان عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، ومن المحتمل أن تستكمل، فيما إذا إعتبرتا المشير خليفة حفتر، في وقتٍ لاحق زعيماً شرعياً للبلاد، وهنا سنشهد دخول الولايات المتحدة عبر الأراضي الليبية ومن ثم الدخول إلى أفريقيا من خلال ليبيا التي تعتبر مفتاح القارة السمراء.

إن منبع القوة التركية في الملف الليبي يأتي في سياق كما أشرنا أعلاه، بضوء أخضر أمريكي – غربي واضح المعالم، وإن صدقت الأخبار التي تتوقع الانسحاب الأمريكي من سوريا وتوجه القوات الأمريكية إلى أفريقيا ستكون الساحة الليبية هي مقصد الأمريكيين، وبالتالي إن حاجة إرسال قوات داعمة لإنجاح هذا الغرض لا تتم إلا عبر تجنيد المرتزقة السوريين للتمهيد لإستقرار تلك القوات التي لا يمكن لها أن تضحي بقواتها، فالمرتزقة السوريين الذين باعوا بلدهم لن يهتموا بـ ليبيا ولا بشعبها في مقابل الإستحواذ على الرواتب الشهرية المغمسة بدماء الشعبين السوري والليبي، فكل هذه الأمور هي آنية، فعندما تسيطر القوى المستعمرة على ليبيا سيتم العمل على التخلص منهم وهذه هي عادة الولايات المتحدة والنظام التركي مع الجميع، فتلك الكتائب السورية المؤتمرة من النظام التركي ليس لها مشروع أو هدف، إنما أينما وجد المال سيصار إلى تجنيدها وإستثمارها كما في ليبيا ومن الممكن لاحقاً الإستئثار بهم في مشاريع أخرى إلى الداخل الأفريقي على سبيل المثال لا الحصر.

فالتهديد التركي للمشير حفتر بإستهدافه أن إقترب من بعثته في ليبيا لهو الأمر المضحك المبكي، فطالما أن قوات الجيش الوطني الليبي تستحوذ على 98% من الأراضي الليبية، كيف لحكومة تعتقد ان الشرعية الدولية الممنوحة لها وإن جلبت مرتزقة الأرض جميعاً للقتال معها أنها تستطيع أن تغير الواقع الميداني، فإن قصدت دولة الإمارات العربية مد قوات حفتر بالسلاح تستطيع ذلك عبر طرق كثيرة، وتستطيع تدريب المقاتلين الليبيين في معسكرات خاصة سواء على أراضيها أو في مصر على سبيل المثال، فما لا يدركه النظام التركي أنه يقارع خطماً لا يستهان به، وهذا ما رآه جيداً في الحالة السورية، فدخل بموقف عنتري إلى إدلب وأعدا الجيش السوري قواته قتلى وجرحى في وضع ظن أردوغان أنه بكثرة عديده وعتاده سيحقق النجاح الباهر، وهذا السيناريو يعتمده أيضاً في ليبيا لكن هذه المرة ليس بجيشه فلربما إتعظ من الحالة السورية، وإنما بإستخدام المرتزقة السوريين الذي فقدوا بلدهم وسيتم قتلهم في أراضٍ بعيدة، فماذا سيقدم لهم النظام التركي حينها.

فحملات التجنيد التي أطلقتها الإستخبارات التركية تم فضحها من المجندين أنفسهم، وإن إستطاعت التملص مؤقتاً من هذاالملف، فستكون في المستقبل عرضة للمسائلة في ملفات كثيرة، لعل أبرزها تجنيد القاصرين، وإستغلال الأزمة السورية لتحقيق مطامعها على الأراضي الليبية، فهذا لا يحقق إلا أن تركيا تعمل على إحياء السلطنة العثمانية لكن مع فرق التوقيت والوعي الشعبي لدى الدول، فرغم كل محاولاتها الحالية إلا أن إقتصادها في الحضيض، وليرتها التركية في أدنى مستوياتها، وهناك تكتم على سعر الصرف بأمر من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فإلى متى يستطيع خداع شعبه والضحك عليه، والمغامرة بسمعة هذا النظام الذي هو ميراث مؤسس وباني تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك، وهل ستبقى المعارضة التركية صامتة على ممارسة وصبيانية رئيسها المتهور الذي أودى ببلاده إلى التهلكة، خاصة مع إجتياح وباء “كورونا” بقوة إلى بلاده، فهل ذلك قصاص السماء من ظلم أردوغان للشعبين السوري والليبي الذي لا يزال يستثمر في هذيت الشعبين طمعاً بتحقيق مصالح أنانية ضيقة، وهو سليل الإخوان المسلمين وحفيد سلاطين العثمانيين الذين دمروا الأمة العربية 400 عام من خلال الظلم والعدوان الذي قاموا به آنذاك.

إن ما تقوم به الإستخبارات التركية من نقل مرتزقة سوريين إلى ليبيا لن يمر مرور الكرام، لن يسمح الجيش الوطني الليبي ولا قائده خليفة حفتر بأن يحققوا مشروع أردوغان الإخواني، ولن يتمتع رئيس حكومة الوفاق “الشرعية” فائز السراج بشرعيته الدولية مطولاً، فكما نزل الشعب الليبي مؤخراً إلى الساحات وطالب بالجنرال حفتر رئيساً له، سنراه يعم الساحات ويطالب بخروج القوات المحتلة من الاتراك ومرتزقتهم، فما خرج اليوم هو شهادات محلية من مصادر خاصة أو ششبه خاصة، إلا ان المستقبل سيؤكد ثبات المعادلة من خلال إصرار هذا الشعب الذي تفاجأ كيف يتم جلب المستعمر على أراضيه من قبل من هو من المفروض أن يكون حامي ليبيا الأول، فالمرتزقة هم خدم ودورهم آني، والعبرة لمن يستطيع الثبات والصمود على الساحتين السياسية والميدانية.

فلقد أثبتت التجربة ان الإصرار الليبي لإستعادة أراضيها وطرد التركي ومرتزقته هو إصرار قائم ومستمر ولن يتوقف فمن صبر وصمد عشر سنوات سيكافح حتى الرمق الاخير، فمن يقاتل لأجل القضية الأسمى والتي هي تحرير الأرض من المغتصب، سيستطيع دحر العملاء سواء الاتراك أو السوريين أو أياً كانوا، لأن الفرق واضح، هؤلاء يقاتلون لأجل المال ومع إنقطاعه عنهم ستتغير المعادلة، وهنا لابد من إعتبار جائحة “كورونا” نعمة لأن الدول الممولة لهكذا مشاريع تنهار تدريجياً بسبب شلل الحياة عموماً والحياة الاقتصادية على وجه الخصوص، فمن أين ستعتمد تركيا على التمويل اللازم لدفع الأموال لكل هؤلاء المرتزقة، وأين سيبيع السراج النفط الليبي وقد جعله محمد بن سلمان ولي العهد السعودي في الحضيض، فكل هذه المشاريع حالياً هي بحكم المنهارة، وكل ما يتم الترويج له من تصاريح تركية خرجت مؤخراً ستلقى صدىً واسعاً بعد فترة زمنية قليلة، فلن يسحب أردوغان من مصادر الخزينة التركية التي أفلسها نتيجة ممارساته الأنانية الضيقة، ولن تدعمه أوروبا وهي تتعرض لجائحة، ولن تدفع الولايات المتحدة الأمريكية فلساً واحداً وهي التي إعتاد الاخذ لا العطاء.

من هنا، إن تجنيد الإستخبارات التركية للمرتزقة السوريين ونقلهم إلى ليبيا للقتال إلى جانب قوات السراج ما هو إلا فشل جديد سيحظى به النظام التركي الإخواني الذي خلق من الأعداء الكثير، فكما كان معروف عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأنه لص حلب ولص سوريا، ها هو الآن يضيف إلى سيرته غير العطرة صفة جديدة وهي لص طرابلس ولص الأراضي الليبية، فلن تنفعه كتيبة السلطان مراد ولا محمد الفاتح ولا الإيغور الصينيين ولا الحزب الإسلامي التركستاني والتي إن حللنا مسميات هذه الفرق والكتائب نرى أن جميعها من وحي الاحتلال العثماني السابق يريد إحيائهم عبر هذه المسميات وإطلاقهم ونشر هذه الثقافة الإرهابية على الأراضي الليبية، لكن مع مقتل واسر الكثير منهم ستتعالى الأصوات لأن مقابل كل أشرار العالم لا يزال هناك أخيار، سيعملون على نشر الحقيقة وفضح ممارسات النظام التركي المستبد والإخواني، ستبقى ليبيا مقاومة لهذا المشروع وستحطم كل مخططات الغرب الليبية على أسوارها، والأيام ستشهد بذلك، والفوز والفلاح لمن يصمد حتى النهاية.

إقرأ أيضاً: لماذا يسافر السوريون إلى ليبيا؟

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل