كتب الدكتور أحمد: طريق القدس يمر بمكة

ليس مفاجئاً أن نرى الجنون الخليجي المنتفض للدفاع عن الكيان الصهيوني المحتل واعتباره جزءاً لا يتجزأ وأصلاً ثابتاً في منطقة الشرق الأوسط، ويتغنون بضرورة وجود علاقات بين العرب وإسرائيل، بل ويتمسّحون على عتباتها لدرجة أنهم يساوون بين المواطن العربي والمستوطن الإسرائيلي خاصة في القدس وجميع المدن الفلسطينية، في حين يقاطعون سورية وينشرون الإرهاب في ربوعها، ويدمرون ليبيا بطائراتهم، ويقتلون أطفال اليمن بصواريخهم الشيطانية.

عربي اليوم – د. أحمد أديب أحمد

هذا عهدنا بأعراب الخليج منذ باع الملك عبد العزيز آل سعود فلسطين إلى بريطانيا بالصك المعروف، فليس غريباً إذن ما يجري طالما أنه توجد بين الكيان الصهيوني المحتل والمملكة السعودية الصهيونية مصالح مشتركة وعلاقة عضوية وأخوّة حقيقية، باعتبار آل سعود ممتدون إلى يهود خيبر، مما يوجب القول: إن طريق القدس يمر بمكة، ولن نستطيع تحرير فلسطين المحتلة من قبل الكيان الصهيوني قبل أن نحرر أرض الحجاز المحتلة من حكم آل سعود، ولن نحرر القبلة في القدس قبل أن نحرر القبلة في بلاد الحجاز.

المؤسف في هذا الوقت أن الظروف السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد العربية قد غيرت البوصلة وقلبت المفاهيم وبدلت القيم الوطنية، فهل حقق الكيان الصهيوني المحتل أهدافه في تسطيح الفكر العربي وتطبيعه تمهيداً للسيطرة على الأرض الممتدة من الفرات إلى النيل وهو ما حذر منه القائد المعلم العظيم حافظ الأسد عندما قال: “نحن أمام عدو يريد أرضنا كاملة، يريد وطننا كاملاً، وليس هذا ادعاءً ولا استنتاجاً، إنما هو من واقع وثائق أعدائنا”!؟

إقرأ أيضاً: بومبيو أعطى الضوء الأخضر لضم جزء من فلسطين

إن ما يحز بالنفس هو موقف الشباب العربي المعاصر من قضية القدس إذ تخلى عنها فلم تعد قضيته الأسمى، مع أننا نشأنا وتربينا في مدرسة القائد الأسد على قداسة هذه القضية، ولكن الملامة لا تقع على شبابنا، بل يجب أن نبحث عن الأسباب التي أدت إلى هذا الانكفاء العربي عن القضية الأولى، والتي يمكن إجمالها في عدة أسباب رئيسة:

السبب الأول: فساد الحكومات العربية الذي عزز إفقار الشعوب العربية وتجهيلها، ما جعل هم هذه الشعوب تأمين قوت يومها، والعيش على حدود خط الفقر في كثير من الدول العربية، مما نقل معركتنا الحقيقية من الصراع مع إسرائيل إلى الصراع مع الفقر في الداخل العربي. فأصبح اليوم مَن يتغنى بالقضية الفلسطينية مجموعة من المفكرين الميسورين الذين لا يعانون هم تأمين الطعام والدواء والكساء لعيالهم، بينما أصبحت القضية الفلسطينية بالنسبة لعامة الشعب من أنواع الترف الفكري الذي لا يصدر إلا من المُترَفين.

السبب الثاني: الخيانات التي اقترفتها بعض المجموعات والحركات الفلسطينية التابعة للإخوان المسلمين، وتورطها بالدم السوري واللبناني، وبالأخص حركة حماس التي عضت يد العون السورية التي قدمت لها في عهد القائد الخالد حافظ الأسد، وفي عهد الرئيس الصامد بشار الأسد، والتي غطت إعلامياً على بقية المناضلين والشرفاء الفلسطينيين بسبب الدعم الخليجي لهذه الحركة الخائنة وتلميعها وإبرازها على حساب الآخرين، فظن معظم شبابنا أن كل الفلسطينيين هم “حماس”، وأنهم جميعاً ينتمون للإخوان المسلمين، وأنهم جميعاً باعوا أرضهم لليهود، وهذا التلميع للخونة أمر مدروس ومخطط له وفق نظرية تقول: “إن البضاعة الرديئة تطرد البضاعة الجيدة”.

إلا أن الخطأ الذي وقع فيه مَن تأثر بهذا السبب أنهم ربطوا قضية فلسطين وقضية القدس بأشخاص، وبمرحلة تاريخية معينة، ونسوا أن القضايا المصيرية أكبر من الأشخاص وأعظم من المراحل المؤقتة، وقد نبه لذلك القائد الاستثنائي حافظ الأسد المعلم الأول للحرب والسياسة حين قال: “إن قضايا الشعوب لا يُنظر إليها بمنظار قصير الأمد، إن قضايا الشعوب تحتاج إلى سنين طويلة وطويلة جداً، ومصالح الشعوب وقضاياها لا يُنظر إليها كما يُنظر إلى مسائل الأفراد”، فوجود حفنة من الخونة الفلسطينيين في مكان ما وزمان ما لا يعني أن قضية القدس قضية زائفة، لأن القضية أرقى وأجل من الأشخاص.

السبب الثالث: الإعلام المغرض الذي يقلب الحقيقة، فيصوّر بأن الكيان الصهيوني المحتل هو الضحية المظلومة التي تحمّلت ما تحمّلت من الأنظمة العربية الاستبدادية التي تكذب على شعبها بشعار القضية الفلسطينية- وفق تعبيرهم- فيصبح النظام الإسرائيلي ذا حق بالوجود والاحترام وحتى الدفاع عنه، بينما تصبح الدول المعادية لإسرائيل عبارة عن أنظمة استبدادية تقتل شعوبها ويجب أن تسقط وتُستبدل بأنظمة جاهزة للتطبيع مع العدو الصهيوني. ويقدمون في هذه الوسائل الإعلامية الفتنوية تقارير مكذوبة عما يسمونه “اتفاقيات خفية لبيع القضية الفلسطينية” لتشويه صورة قادة الحق، وكل هذا لتمرير مشروع تثبيت الكيان المحتل في قلب الشرق الأوسط، وتصفية القضية الفلسطينية و القدس كقضية حق.

ونلاحظ في مقابل ذلك ضعف الإعلام المقاوم وجموده في تقديم نفسه لأبناء العصر الحديث الذين لم تعد تقنعهم الطرق التقليدية، ولم تعد أدوات هذا الإعلام قادرة على إشعال نفوس الشباب وشحنها بالقيم الوطنية والقومية، وبالتالي لم يكن إعلام المقاومة قادراً على مواجهة تأثيرات إعلام التطبيع الذي يدخل إلى قلوب الشباب العربي بشتى الوسائل الترفيهية والدرامية وحتى الإباحية.

نحن لا نستطيع أن نغير مسلك إعلام التطبيع، ولا أهداف الكيان الصهيوني، ولكننا بالتأكيد نستطيع أن نطور خطابنا في الإعلام المقاوم ليكون مقاوماً بالفعل لا بالاسم، من القدس وكل مكان وذلك للوصول إلى نفوس شبابنا وشحذ الهمم واستنهاض القيم وإحياء المبادئ، ومن أهم الأساليب التي يمكن اتباعها لتحقيق هذا: الشفافية والوضوح، والقرب من الناس وطرح مشكلاتهم ومعاناتهم، وانتقاد الفساد وطرح الحلول البديلة، ليشعر المواطن أن الإعلام المقاوم يمثله ويحمل همومه وآلامه، فينسجم ويتفاعل معه ويتقبل ما يتلقاه منه ليُطبَع في فكره ويُبلوِرَ الشخصية الوطنية لديه، وهذا من أهم أهداف الإعلام المقاوم كما يجب أن يكون، اقتداء بقول القائد المعلم حافظ الأسد: “المهم أن نعد الإنسان، فالإنسان هو الأهم، لأن السلاح نفقده يوماً ونجده يوماً آخر، وقد نجده بسرعة.. فالوطن مسؤوليتنا جميعاً، والدفاع عنه مسؤوليتنا جميعاً، والدفاع عن قيمنا الوطنية والروحية مسؤوليتنا جميعاً”.

ولابد من القول أخيراً: إنه حتى نستطيع تحرير الأراضي المحتلة من الكيان الصهيوني يجب أن توجه كل الجيوش العربية بوصلتها نحو إسرائيل، وأن يقتدوا بالجيش العربي السوري الذي قاتل وما زال يقاتل إرهاب إسرائيل في الداخل والخارج، كما يجب أن يقتدي الرؤساء العرب بالرئيس الصامد بشار حافظ الأسد الذي أكد على أن القدس قضية حق لا تموت عندما قال: “القضية الفلسطينية ستبقى حية حتى إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس “.

المصدر: الاتحاد العالمي لوسائل الإعلام الالكتروني.

إقرأ أيضاً: الجامعة العربية تدعو لنشر قوات دولية في الأراضي الفلسطينية

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل