بوتين وإردوغان من إدلب إلى طرابلس.. صفقة أم حرب أعصاب؟

بوتين وإردوغان من إدلب إلى طرابلس.. صفقة أم حرب أعصاب؟ – معطيات متصلة بالعلاقات الروسية التركية تاريخياً وسياسياً واقتصادياً وتجارياً وشخصياً بين بوتين وإردوغان، كانت سبباً كافياً بالنسبة إلى الزعيمين ليلعبا لعبة الروليت الروسية، وهو ما يعني المزيد من حرب الأعصاب بينهما.

بعد الفشل في تطبيق اتفاق موسكو الأخير حول إدلب في 5 آذار/مارس الماضي، حيث ما زال الطريق الدولي بين حلب واللاذقية مغلقاً بسبب موقف جبهة النصرة وحليفاتها، ومع استمرار المناوشات المسلّحة هناك، واستمرار الغموض الذي يخيّم على الموقف الروسي، اتّجهت الأنظار هذه المرة صوب طرابلس، حيث المنافسة الروسية- التركية المحتدمة، والمواجهة الساخنة المرتقبة بين القوات التابعة لخليفة حفتر وفائز السراج بعد عيد الفطر المبارك .

وأياً كانت الأقاويل المتعلقة بالتطورات الأخيرة بين دمشق وموسكو، وما رافقها من حديث عن فتور في العلاقة بين العاصمتين، فقد بات واضحاً أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يعد قادراً على حسم قضية إدلب ، في وقت يستمر موقف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الرافض للانسحاب منها ومن جميع مناطق الشمال السوري غرب الفرات وشرقه.

فقد حشدت أنقرة أكثر من 10 آلاف عسكري في إدلب ، مدعومين بكل أنواع الأسلحة والمعدات القتالية، براً وبحراً وجواً، ومعهم 50 ألفاً من مسلّحي ما يسمى “الجيش الوطني السوري”، يضاف إليهم عدد مماثل من مسلّحي جبهة النصرة وأمثالها، سيقفون إلى جانب إردوغان في حال المواجهة الروسية- التركية المباشرة في إدلب أو أي مكان آخر.

في ليبيا على سبيل المثال أرسلت أنقرة قواتها البحرية والجوية والبرية، ومعها الآلاف من مسلّحي المعارضة السورية، إلى مناطق قريبة من طرابلس، لتغيّر موازين القوى لصالح المجموعات التي تدعم حكومة الوفاق برئاسة السراج، والتي حققت مؤخراً انتصارات مهمة في مواجهة القوات المدعومة من حفتر.

وكان موقف أنقرة هذا تحدياً، لا للإمارات والسعودية ومصر والسودان فحسب، بل أيضاً لروسيا التي تقف خلف الجنرال حفتر، خريج الأكاديمية الحربية الروسية، وله في موسكو الكثير من الأصدقاء، كما له أصدقاء آخرون في واشنطن ، ساعدوه للحصول على الجنسية الأميركية قبل 20 عاماً.

وقد تدفع كل هذه المعطيات الرئيس بوتين إلى اتخاذ مواقف أكثر عملية وحزماً لدعم الحسابات الروسية في ليبيا، بموقعها الاستراتيجي كبوابة على الشمال الأفريقي، ومدخل كبير باتجاه وسط أفريقيا، عبر مساحتها الواسعة (1,760,00 كم)، وشاطئها على الأبيض المتوسط بطول 1900 كم.

ولم ينسَ بوتين خطأه الاستراتيجي عندما وافقت روسيا على القرارين رقم 1770 و1773 الصادرين عن مجلس الأمن الدولي، ما سمح للدول الغربية بالتدخل العسكري في ليبيا وإسقاط العقيد معمر القذافي صديق موسكو.

هذا الخطأ دفع بوتين إلى الدفاع المستميت عن الرئيس السوري بشار الأسد ليعوّض خسارته في ليبيا، فأرسل في 30 أيلول/أيلول 2015 قواته الجوية والبحرية والبرية إلى سوريا، لمواجهة كل القوى الإقليمية والدولية وأكثر من 200 ألف من الإرهابيين.

ولم يخطر على باله آنذاك أنه سيجد نفسه وجهاً لوجه مع إردوغان، الذي أسقط الطائرة الروسية في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، فتناقضت حساباته وحسابات بوتين في أكثر من زمان ومكان، ليس في سوريا فحسب، بل في أماكن أخرى، ومنها أوكرانيا، والآن ليبيا.

دفع ذلك بوتين إلى وضع حسابات جديدة ومعقّدة لمواجهة إردوغان، الذي استغل نقاط الضعف في الحسابات الروسية وسيطرة تركيا على مضيقي البوسفور والدردنيل، وأراد أن يقول لموسكو ولكل القوى الإقليمية والدولية، إن لتركيا أيضاً حساباتها التاريخية والاستراتيجية الخاصة في سوريا والعراق وإيران، وحدودها معها تزيد على 1600 كم، كما لها امتدادات قومية وتاريخية وعقائدية، ليس في هذه الدول فحسب، بل في باقي دول المنطقة أيضاً، وفي تلك الموجودة في الجمهوريات ذات الأصل التركي في الحديقة الخلفية لروسيا، أي آسيا الوسطى والقوقاز، يضاف إليهم 25 مليون مسلم داخل حدود روسيا، يرى فيهم إردوغان عمقاً استراتيجياً لحساباته القومية التي تنافس، وستنافس، حسابات بوتين، كما تنافس حسابات دول خارج المنطقة وداخلها، وفي مقدمتها مصر والسعودية، بعد أن أعلن إردوغان نفسه زعيماً سياسياً وروحانياً لكل التيارات والقوى الإسلامية التي كانت خلال السنوات الخمسة والسبعين الماضية تحت راية السعودية، وهي الآن ترى في إسطنبول “قبلتها” الجديدة.

اقرأ أيضاً : تركيا تنتقل إلى الهجوم على الإرهابيين في إدلب

ويرى كثيرون في هذا “الولاء” سبباً كافياً بالنسبة إلى الرئيس إردوغان حتى يبقى عند “حسن ظن” هؤلاء الإسلاميين، مهما كلّفه ذلك داخلياً وإقليمياً ودولياً.

كل هذه المعطيات، وأخرى لها علاقة مباشرة بالعلاقات الروسية التركية، تاريخياً وسياسياً واقتصادياً وتجارياً وشخصياً بين بوتين وإردوغان، كانت سبباً كافياً بالنسبة إلى الزعيمين ليلعبا لعبة الروليت الروسية، وهو ما يعني المزيد من حرب الأعصاب بينهما على حساب البوابة الأولى سوريا، التي دخل منها سليم المنطقة العربية في العام 1516، كما دخل إردوغان منها بعد أن أصبح رئيسا للوزراء في العام 2003، ثم عاد وأرسل جيشه إليها في 24 آب/أغسطس 2016، في الذكرى الـ500 لمعركة مرج دابق، ولكن هذه المرة بضوء أخضر روسي.

وكانت ليبيا البوابة الثانية التي دخل منها السلطان سليمان القانوني في العام 1551 إلى الشمال الأفريقي، ويسعى إردوغان للعودة إليها عبر إسلاميي ليبيا وتونس والجزائر وموريتانيا ومصر، على الرغم من تأييده للعدوان الغربي على هذا البلد العربي في بداية العام 2011، ناسياً أفضال القذافي على تركيا، وهي لا تحصى، فيما يراهن الجميع غرباً وشرقاً على مضمون العلاقة الشخصية بين بوتين وإردوغان، وبالتالي روسيا وتركيا، وانعكاسات ذلك على مجمل القضايا الإقليمية، وهي كثيرة، وأهمها سوريا، التي كانت البوابة التي دخل منها بوتين إلى الأبيض المتوسط، ثم استغل ظروفها ليدخل في رهانات وصفقات مع إردوغان وترامب والباقين في الغرب.

ومنح ذلك موسكو فرص المناورة في التكتيك والاستراتيجية إقليمياً ودولياً، وفي كل المفاهيم السياسية والاقتصادية والعسكرية، وأهمها استهداف الحلف الأطلسي عبر تركيا. كل ذلك بفضل دوره وتواجده في سوريا، وهو ما كان نتيجة موقفه الدبلوماسي الداعم لدمشق دولياً في الأمم المتحدة، وعسكرياً بتواجده الفعال بحراً وأرضاً وجواً، وبالتنسيق مع إيران و حزب الله .

ويبقى دائماً سؤال واحد يحسم بجوابه كل المداولات الخاصة بمضمون ومستقبل العلاقة بين بوتين وإردوغان في سوريا، والآن في ليبيا، وهو: هل هناك صفقة متبادلة بين الرئيسين أم صفعة محتملة قد يفاجئ بها الرئيس بوتين، خريج المدرسة الاستخباراتية الروسية، الجميع، بعد أن بات واضحاً أن إردوغان في وضع لا يحسد عليه أبداً على الصعيد الداخلي، بسبب الأزمة الاقتصادية والمالية الخطيرة؟

وتقول المعارضة التركية إن سببه هذا الوضع هو تكاليف الحرب التركية في سوريا، والآن في ليبيا، يضاف إليها تكاليف الدعم المالي لكل إسلاميي العالم. وأدى كل ذلك، ولا يزال، إلى تراجع شعبية إردوغان باستمرار، وخصوصاً بعد خسارته في الانتخابات البلدية الأخيرة، التي يرى فيها الجميع بداية النهاية لحكم حزب العدالة والتنمية الحاكم.

وليس واضحاً هل هناك من يريد مثل هذه النهاية في بلد مهم كتركيا؟ ومن هو؟ ما دام الكثيرون يستفيدون من هذا الحكم “الفردي” بشكل أو بآخر، وعلى المدى المتوسط والبعيد، فيما يعتقد إردوغان أنه المستفيد الأكبر من كل تناقضات الدول الأخرى ومشاكلها وحساباتها، ومنها روسيا وأميركا وإيران، وبغياب العرب جملة وتفصيلاً.

ويفسر كل ذلك استمرار العدوان الإسرائيلي على سوريا من دون أي رادع أو استنكار أو اعتراض لفظي من هؤلاء العرب، بل من الحليف الأكبر بوتين، ويبدو أنه يضع الكثير من الحسابات المباشرة وغير المباشرة بعين الاعتبار. وأهمّ هذه الاعتبارات والحسابات، تأثير اللوبي اليهودي القوي في موسكو، وأهمية اليهود الروس في “إسرائيل”، وعددهم حوالى ربع السكان، مقابل عدد مماثل من اليهود العرب، ولكن لا تأثير لهم ولا ثقل!

اقرأ أيضاً : فواتير الأرحجة التركية ..و العودة إلى حضن واشنطن

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل