كيف استغلَّت تركيا أزمة كورونا لتوسيع نفوذها الإقليمي؟

في عالم ما بعد كورونا، كيف ستنتهي محاولات تركيا للتوسّع العثماني من شمال أفريقيا إلى البلقان، ومن حوض المتوسط إلى القوقاز؟ وهل ستنجح في خلق اتحاد من المجلس التركي موازٍ للاتحاد الأوروبي؟

كتب مارك مجدي للميادين نت : على مرّ التاريخ، كانت كلّ أزمة تمر على البشرية تعتبر مأساة وفرصة في الوقت نفسه. وفي كلِّ الأحوال، هناك دائماً أطراف مستفيدة. وعلى الرغم من أنَّ انتشار وباء كورونا يمثل أزمة في الداخل التركي، فإنَّ تفشي الوباء في البلقان وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى سمح لأنقرة بالتوسّع واستغلال نفوذها في هذه المناطق. علينا أن نضع في الحسبان التحركات التركية في الوقت الّذي ينشغل العالم بمحاربة كورونا، ومعرفة ما سوف نجده من تغيرات جيوسياسية بعد انتهاء الأزمة.

بالتزامن مع الأزمات الداخلية بين دول الاتحاد الأوروبي لعبور الأزمة صحياً واقتصادياً، تلقَّت تركيا طلبات للمساعدة من أكثر من 90 بلداً، وتمكَّنت حتى الآن من تلبية ما يقارب نصفها، إذ تؤدي أنقرة دوراً محورياً في دول البلقان، وهناك تحركات تركية كبيرة في الدول السوفياتية السابقة في آسيا الوسطى، فهذه المنطقة تمثل أولوية كبيرة للسياسة الخارجية التركية، لأسباب تاريخية وثقافية ولغوية وعرقية، وبالطبع جيوسياسية.

منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، استغلَّت أنقرة الفراغ السياسي في هذه المنطقة للتوسّع عن طريق القوة الناعمة “Soft Power”، وقامت ببناء شبكات كثيفة من المنظَّمات والجمعيات غير الحكومية والجامعات والمدارس الخاصة والمساجد والمؤسَّسات الدينية والمراكز الثقافية، لتقوية المشاعر القومية الإسلامية بصبغة تركية أو ما يُسمى بشعوب الترك.

وهناك مثلاً رئاسة الشؤون الدينية، ورئاسة الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا)، اللتان تقومان بتمويل المساجد والمدارس الدينية وتنفيذ مشاريع اجتماعية وتعاونية. وقد تأسَّست كيانات أخرى، من مثل مجلس التعاون للدول الناطقة بالتركية. هذه الكيانات ساهمت في نقل القومية التركية من البعد الثقافي إلى البعد السياسي.

وعند انتشار الوباء، عقد المجلس التركي مؤتمراً من خلال “الفيديو كونفرينس” يوم 10 نيسان/أبريل، وأعطت أنقرة الضوء الأخضر لإرسال المساعدات الطبية، وأرسلت أجهزة فحوصات مخبرية “PCR Kits” إلى أذربيجان، وحوَّلت مستشفى “الصداقة” التركي القرغيزي في بيشكيك إلى مستشفى مخصّص للمعركة ضد كورونا.

وعلى صعيد آخر، تدخَّل القطاع الخاص التركي لدعم هذه السياسات، إذ وفّرت شركة “YDA” كمية كبيرة من الإمدادات الطبية والكمامات والنظارات الواقية والقفازات، وتم نقلها بعد ذلك إلى المستشفيات الكازاخستانية.

وفي الإطار نفسه، قامت دولة كازاخستان بتقديم مساعدات إلى قيرغيزستان وطاجيكستان. ولم تكن المساعدات صحّية فحسب، بل كانت غذائية أيضاً، وشملت 5000 طن من الدقيق لكلٍّ منهما. كما تولَّت كازاخستان عملية إجلاء المواطنين القرغيزيين من الصين والهند، الذين تمت إعادتهم إلى بلادهم على متن رحلات نظَّمتها حكومة نور السلطان.

ولم تكتفِ تركيا بتقوية العلاقات بين أعضاء “مجلس التعاون التركي” الذي يضم الدول الناطقة بالتركية، بل ذهبت إلى ما هو أبعد، إذ قام أعضاء المجلس بتقديم المساعدات لهنغاريا التي تعتبر عضواً مراقباً في المجلس، ومن المحتمل أن تتحوَّل إلى عضو أساسيّ في المستقبل، إذ تلقَّت 8 أطنان من مواد النسيج من تركيا لتصنيع الكمامات، في حين عرضت أوزبكستان تقديم 150 ألف كمامة، فالعلاقات التركية الهنغارية شهدت تطوراً كبيراً في الآونة الأخيرة، وهو ما وصفة كثير من المحللين بالعودة إلى القومية الطورانية التي نشأت في القرن التاسع عشر، والتي تمثل جذوراً تاريخية للبلدين.

ومع ازدياد حركة نقل المساعدات، برزت الرغبة التركية في توسيع نطاق السكك الحديدية لنقل البضائع بين تركيا وأذربيجان وجورجيا إلى آسيا الوسطى. وعلى الصعيد العسكري، وقّعت شركة “Aselsan”، وهي أكبر شركة أسلحة تركية، اتفاق تعاون مع دولة كازاخستان في 20 نيسان/أبريل، لتوريد منظومات أسلحة يتم التحكّم بها عن بعد. وسيتمّ تصنيع السّلاح من قبل الشركة الفرعية في الموقع “KAE” (Kazakhstan Aselsan Engineering). ويهدف الاتفاق إلى تلبية أقصى حد من الاحتياجات المدنية والعسكرية للبلاد.

وذكرت صحيفة “Daily Sabah” أنَّ “الاتفاق مع كازاخستان سيوسّع نطاق العمليات في آسيا الوسطى”. وعلى الرغم من أزمة الوباء، فقد زاد حجم الواردات بين أنقرة وكازاخستان في عدة قطاعات، كالخشب والمنتجات الكهربائية والمواد الكيميائية والصلب.

على الصَّعيد العربيّ، اغتنمت تركيا الفرصة لتستكمل انتهاكها للبلدان العربية، إذ صرَّح الناطق باسم القوات الليبية التابعة للجنرال حفتر، اللواء أحمد المسماري، أن أنقرة استغلَّت أزمة كورونا، ونقلت مقاتلين ومعدات إلى طرابلس ومصراتة وزوارة لتنفيذ مهام إرهابية.

وبحسب المرصد السّوري لحقوق الإنسان، استغلَّت تركيا انشغال العالم بمكافحة فيروس كورونا، وأرسلت دفعة جديدة من المقاتلين السوريين، مؤلفة من 300 عنصر من فصائل مختلفة.

ومنذ تشرين الثاني/نوفمبر 2019، تحاول تركيا السيطرة على شرقي المتوسط والتنقيب عن الغاز، من خلال الاتفاقية التي أبرمتها مع حكومة السراج لإعادة ترسيم الحدود البحرية. وبحسب تصريح الرئيس التركي رجب طيب إروغان، الأسبوع الماضي، فإنَّ تركيا ستواصل إفساد “المؤامرات”، بحسب تعبيره، في البحر المتوسط، بقوتها المستمدة من الشرعية الدولية وموقفها الحازم في حماية مصالحها.

في عالم ما بعد كورونا، كيف ستنتهي محاولات تركيا للتوسّع العثماني من شمال أفريقيا إلى البلقان، ومن حوض المتوسط إلى القوقاز؟ وهل ستنجح في خلق اتحاد من المجلس التركي موازٍ للاتحاد الأوروبي؟

اقرأ أيضاً  : السلاح الروسي يمكن أن يخسر السوق السعودية

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل