كورونا .. وإرهاصات الجائحة على الصعيد العالمي

في تلك اللحظة الراهنة من مساء يوم 8 أبريل/ نيسان 2020، بإحصائية أولية لا تزال في زيادة مستمرة بوتيرة متسارعة لا يستطيع أحد التكهن بنهايتها، بعدد ضحايا جاوز المليون والنصف مصاب و84 ألف وفاة، نتيجة جائحة فيروس كورونا ” كوفيد -19″ التي هبت على العالم نهاية 2019 وبداية عام 2020.

خاص وكالة عربي اليوم – الأستاذ محمود أبو حوش – كاتب مصري.

العالم الآن بصدد حرب غير مرئية؛ حرب مرئي منها طرف واحد فقط (البشر)، والطرف الآخر غير مرئي لا يرى بالعين المجردة، وهذا الطرف الأخير وصلت حصيلة مكاسبه في جملة هذه الأرقام المذكورة آنفاً من مصابين وضحايا، في حين لم يحقق الطرف الآخر تقدماً حتى اللحظة باستثناء هذا الرقم 309 ألف وهو إجمالي المتعافين من كورونا المستجد، لكن زيادة هذا الرقم تعد متواضعة كثيراً مقارنةً بزيادة رقم الإصابة والوفاة وهو التقدم الذي أحرزه “كوفيد –19” على البشرية.

الجدير بالذكر أن الأوبئة على مر التاريخ تعد جزءاً محورياً في مسارات شعوب الأرض؛ فمروراً بوباء الطاعون (الذي كان يفتك بالشخص بمجرد أن يتم إصابته في أقل من 24 ساعة والذي عصف بحياة ثلث سكان الأرض كما تقول إخباريات ذلك الوقت)، حتى الكوليرا والجدري والتيفوس والملاريا والإيبولا وسارس ….وغيرها؛ كلها أوبئة تركت علامات سيئة في ذاكرة الشعوب ليس فقط نتيجة ما تهلكه هذه الأوبئة من البشر، بل أيضا ما تخلفه تداعياتها من تغيرات هيكلية سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية ودينية في بنية حياة هذه الشعوب، فما يتجلى ظهوره بوضوح من تجربة الأوبئة هي وتيرتها المتسارعة في الانتشار نتيجة الاختلاط والاكتظاظ السكاني، مما يفوق ويوسع ذلك من تداعياتها.

إقرأ أيضاً: غضب أمريكي عارم من تعاطي ترامب مع وباء كورونا

فعلى سبيل المثال؛ كانت تداعيات انتشار هذه الاوبئة في القارة الأوربية في صياغة تحول فكري واجتماعي وذلك بتفكك النظام الإقطاعي فضلا عن الشك الذي ظل يخيم ايمان الناس بتعاليم الكنيسة بغيب لم يجد نفعاً مما أدى هذا مع الوقت بتعويض سلطة الرهبان بسلطة قوات حفظ الأمن التي استندت اليها القوميات الصاعدة والتي استطاعت ان تفرض حجر صحي كوسيلة فعالة للحد من انتشار العدوى.

فمع الثورة العلمية التي ظهرت في القرن 19 وبداية ظهور البحث العلمي بدأ العلماء يجدون فرصة سانحة للحد من انتشار الأوبئة بإعتمادهم على البحث العلمي مما قلل من قدرة هذه الأوبئة على الانتشار وإطالة مدتها وانتشارها، لكن مروراً بالقرن العشرين وبداية تجلت نتائج الثورة التكنولوجية التي أعطت الفيروسات فرصة سانحة وقدرة أكبر في الانتشار على نطاق جغرافي واسع يأخذ شكل جديد غير مسبوق في طرق الانتشار نتيجة هذا التطور الهائل.

فنحن اليوم أمام وباء مستجد يشهده العالم يدعى كورونا أو ” كوفيد-19″ الذي يأتي بالتزامن مع هذه الطفرة التكنولوجية غير المسبوقة في العالم التي أعطت هذا الوباء فرصته في الانتشار على نطاق جغرافي واسع، والذي إمتد من منشأة في الصين وبالتحديد مقاطعة ووهان الصينية إلى معظم بلدان العالم، حتى دفع ذلك الانتشار الهائل والسريع منظمة الصحة العالمية ان تعلن في 11 مارس 2020 ان هذا الوباء أخذ طابعاً عالمياً نتيجة تفشيه الهائل في معظم دول العالم. مما تسبب ذلك في إعلان حكومات معظم الدول إلى فرض حالة طوارئ داخلية على نطاق واسع حجر ذاتي على مواطنيها من فرض الحظر داخلياً وخارجياً في إلغاء معظم رحلات الطيران وتعليق الدراسة بالمدارس والجامعات وغيرها من الإجراءات الوقائية الإحترازية التي فرضتها الدول لأجل الحد من استمرار انتشار الفيروس، حيث أضحى الوضع في شبه حالة طوارئ عالمية على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.

وحتى الآن لم يصل أحد لسبب علمي حقيقي لانتشار هذا فيروس كورونا لكن المعلوم للجميع أن هذا الفيروس انتقل من سوق الأسماك في مقاطعة ووهان، وإن كانت هناك أقاويل هنا وهناك تفسير سبب هذا الفيروس من منطلق نظرية المؤامرة في إطار الحروب البيولوجية بين الدول، لكن هذا لا شك خالي تماما من الدقة ويجوز اللجوء إليه في ظل عالم يحكمه البحث العلمي، ولا هناك دليل أدق يضحد هذا التصور في كون أن معظم دول العالم كبرى ومتوسطة وصغرى هي مصابة بشكل متفاوت بهذا الفيروس وبتداعياته.

وحتى لا تستهلك في وقت التفكير في مثل هذا التصور من الضروري علينا في هذا الصدد أن نمعن النظر في تطورات وانعاكسات فيروس كورونا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ليس فقط على المستوى الوطني بل على المستوى العالمي كون صبغة هذا الفيروس العالمية.

وتتجلى انعكاساته في الاضطرابات الاقتصادية التي شهدها العالم مؤخراً على إثر إعلان حالة الطوارئ العالمية بالتزامن مع الهبوط الحاد في أسعار النفط في دول الشرق الأوسط والقوقاز بعد فشل مفاوضات أوبك مع الدول الأخرى والذي زاد فجوة الصدمات المتزامنة مما انعكس ذلك على الطلب المحلي والخارجي في مواصلة الهبوط، وانخفاض التجارة، وحالة الاضطراب التي شهدها الإنتاج وترجع ثقة المستهلكين والمنتجين وتشيد الأوضاع المالية بعد القرارات الوطنية التي اتخذتها الحكومات للحد من تداعيات الأزمة الاقتصادية كل هذا جعل صندوق النقد الدولي يشير ان الاقتصاد العالم سوف يشهد حالة ركود كحالة 2008 .

لكن السؤال الأهم ما هي تداعيات هذه الأزمة على شكل العلاقات بين الدول ونمط توازنات القوى بين هذه الدول؟ هل سيكون هناك دافع بين هذه الدول في تطوير علاقات تعاونية إيجابية! أم ان هذه الأزمة جاءت لتعطي حكومات الدول الفرصة في فرض سياسات حمائية لتجانب تداعيات قد تنجم عن هذه الأزمة فيما بعد مما ينعكس سلبياً على هذا التعاون!

في الحقيقة القطع في تحديد نمط العلاقات بين الدول في التوقيت غير وارد نتيجة حالة عدم اليقين السائدة والجهل بمعرفة نهاية وباء كورونا لكن الوارد في هذا الصدد أن هذه الأزمة التي يشهدها العالم في هذا التوقيت ودون شك تعد مفصلاً تاريخياً في هيكل النظام الدولي التي ستتضح ملامحه السنوات القادمة والتي لا شك أنها ستؤثر على العلاقات بين الدول ونمط التحالفات والتوازنات الدولية والإقليمية.

فمن الملاحظ للجميع أن هذه الأزمة شهدت تراجعاً للدور الذي كان يفترض أن تقوم به الولايات المتحدة بإعتبارها القطب المهيمن على العالم فضلاً عن تضائل الدور الأوروبي كلياً نتيجة اجتياح كورونا لمعظم الدول الفاعلة في القارة كحالة فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا (والتي نرى وفقاً للإحصائيات حجم الخائر البشرية الناجمة عن تفشي هذا الفيروس في آخر دولتين على التوالي)، فالمكانة الأخلاقية التي فرضها النموذج الغربي على العالم كان يفترض أن يقوم بتأديتها في هذا التوقيت لكن لم تتم كما يتصور لحجم هذا الدول!، في حين كان هناك تصاعد للدور الصيني والروسي؛ فقد كان لسرعة وقدرة الصين في علاج مرضى الوباء واحتوائها الأزمة في وقت قياسي أن تجعل من ذلك تجربة يمكن تسويقها لدول العالم التي بدأ الفيروس فيها يأخذ وضع الانتشار ولا يفوتنا في هذا الصدد الإشارة إلى مكالمة الرئيس الامريكي “ترامب” الأخيرة بالرئيس الصيني “شي جين بينغ” والذي أعرب الأخير عن ترحيبه في تعاون الصين مع الولايات المتحدة للحد من انتشار الفيروس في الوقت الذي بدأت فيه حالات الإصابة بالفيروس في الولايات المتحدة تتجاور 100 ألف حالة. ناهيك عن مواصلة الصين حد اختراق الإتحاد الأوروبي بتقديمها دعم لإيطاليا في اللحظة التي عجز فيها الإتحاد في تقديم خطوة كهذه، وعلى شاكلة الموقف الصيني قامت روسيا بإرسال مساعدات طبية لإيطاليا.

فالواضح للجميع أن مكانة الغرب الأخلاقية والاقتصادية والسياسية كان بإمكانها فعل المزيد في هذا التوقيت الحرج الذي يمر به العالم، لكن المعيطات الراهنة تشير أن مكانة الغرب أضحت على المحك مقابل استمرار ظهور دور صيني وروسي حتى رغم استمرار معاناتهم بأزمة انتشار فيروس كورونا المستجد.

فوفقاً للمعطيات الراهنة لا يمكن تصور أن عالم ما بعد الأزمة سيكون مثل عالم ما قبلها من حيث نمط التعاون والصراع بين الدول أو حتى من حيث نمط التوازنات بين الدول الكبرى التي كان ترى من تطوير قدراتها النووية لأقصى حد عامل ردع قوي للآخر والتي أدركت الآن أن هذه الترسانة لم تستطع الوقوف أمام خطر غير مرئي، بالتالي هي الآن وفقاً لترتيب أولوياتها ترى ضرورة البحث في تطوير قدراتها لأجل صياغة استراتيجية للردع الوبائى. ففي اللحظة الراهنة ربما تجلى لنا إعادة ترتيب مفهوم الأمن مما قد عزز مفهوم الأمن الانساني لاسيما المجتمعي، فلم تعد اللحظة الراهنة لحظة حرب بشكلها وأدواتها التقليدية.

إقرأ أيضاً: تجربة نوعية تبشر بعلاج واعد لمرضى كورونا حول العالم


يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل