تركيا وإردوغان.. ماذا تبقّى من العدالة والتنمية؟

هذه الديون والضرائب ومداخيل الخصخصة والرأسمال الأجنبي الذي يسيطر الآن على 60 في المئة تقريباً من القطاع المصرفي وتعاملات بورصة إسطنبول، كافية لتحقيق “التنمية” التي افتخر بها الرئيس إردوغان، وأقنع بها “المعجبين به”، وهم لا يعرفون التكاليف الحقيقية لهذه “التنمية” التي وصلت إلى طريق مسدود.

كتب حسني محلي للميادين نت : قبل 17 عاماً، وتحديداً في 12 آذار/مارس 2003، أصبح رجب طيب إردوغان رئيساً للوزراء، خلفاً لعبد الله جول الذي ترأس الحكومة الأولى لحزب العدالة والتنمية. الحزب الذي فاز في انتخابات 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2002 .

وكما حالف الحظ إردوغان ليصبح رئيس بلدية إسطنبول في انتخابات آذار/مارس 1994، بعد أن حصل على 25% فقط من الأصوات، فقد حالفه الحظّ في العام 2002، ليحكم هذه المرة تركيا ، بعد أن حصل حزبه على 36% من الأصوات، ليسيطر على 66% من مقاعد البرلمان بفضل قانون الانتخابات .

ولم يمنع ذلك واشنطن والعواصم الغربية، وخصوصاً بعد الإعلان عن مشروع الشرق الأوسط الكبير في حزيران/يونيو 2004، من تسويق نموذج العدالة والتنمية “الإسلامي” في دولة علمانية ديموقراطية إلى الدول العربية، ولا سيما بعد انفتاح تركيا عليها من البوابة السورية. وقد دخل إردوغان عبرها إلى العالم العربي.

وجاء الدّعم الأميركيّ والأوروبيّ لأنقرة، السياسي منه والمالي والاقتصادي الكبير، ليساعد الرئيس إردوغان في تسويق هذا النموذج. وكان لا بدَّ من “تلميعه” عبر النجاحات التي حقَّقها في مجال “التنمية” التي سَمّى الحزب بها.

فتح إردوغان البلاد على مصراعيها أمام الشركات والرساميل الأجنبية التي ساهمت بشكل فعال في هذه “التنمية” التي تحققت بسرعة فائقة، فقد زاد عدد الشركات الأجنبية في تركيا على 20 ألفاً (إحصائيات العام 2012)، ومعظمها من أميركا ودول الاتحاد الأوروبي، ووصل حجم استثماراتها إلى 469 مليار دولار للفترة الممتدة بين الأعوام 2003-2014، وهي كافية لتحقيق التنمية في أيّ بلد كان.

ولم يكتفِ إردوغان بذلك، فقام بخصخصة ما قيمته 70 مليار دولار من مرافق الدولة ومؤسساتها، ومنها المصانع والسدود والموانئ التي بنتها الجمهورية التركية طيلة السنوات الماضية، من دون أن يبني بدوره أي مصنع طيلة 17 عاماً من حكم العدالة والتنمية.

وقد حقق إردوغان ما حققه من “التنمية” بفضل هذه الأموال، يضاف إليها حوالى تريليوني دولار من الضرائب التي جمعتها الدولة من المواطنين خلال السنوات الماضية.

ويبدو أن كل ذلك لم يكن كافياً للحزب الحاكم ليحقق أحد شعاراته، أي “التنمية”، فوصلت ديونه الخارجية إلى 460 مليار دولار، يضاف إليها مبلغ مماثل من الاقتراض الداخلي، لتكون هذه القروض الخارجية والداخلية السبب الرئيسي في الأزمة المالية الحالية، بعد أن اضطرت الحكومة إلى تسديد ما قيمته 100 مليار دولار من الفوائد السنوية على هذه الديون، لتكون هذه الديون والضرائب ومداخيل الخصخصة والرأسمال الأجنبي الذي يسيطر الآن على 60 في المئة تقريباً من القطاع المصرفي وتعاملات بورصة إسطنبول، كافية لتحقيق “التنمية” التي افتخر بها الرئيس إردوغان، وأقنع بها “المعجبين به”، وهم لا يعرفون التكاليف الحقيقية لهذه “التنمية” التي وصلت إلى طريق مسدود.

والسبب في ذلك هو انعدام ثقة الرساميل والاستثمارات الأجنبية بالنظام المالي والاقتصادي والقضائي الذي يسيطر عليه الرئيس إردوغان شخصياً، فقد عيّن صهره برات البايراك وزيراً للخزانة والمالية، وأحد المقربين منه محافظاً للبنك المركزي، وأصبح هو رئيساً لمجلس إدارة الصندوق السيادي، وصهره مساعداً له.

ولم تتجاهل الأوساط المالية في الخارج ادعاءات المعارضة التي تحدثت عن قضايا فساد خطيرة تورط الرئيس إردوغان وأفراد عائلته ووزراؤه في البعض منها في نهاية العام 2013، وقدرت المعارضة حجمها بعشرات المليارات من الدولارات.

ونشر الإعلام المعارض آنذاك، وبعد ذلك، الكثير من أخبار الفساد في جميع المجالات والقطاعات التي “أبهرت” العالم، كإثبات واضح “للتنمية”، من مثل الشوارع والطرقات السريعة والجسور المعلقة والأنفاق. وقد تم بناؤها بعقود سرية كشفت المعارضة عن خفاياها. فعلى سبيل المثال، تعهدت الحكومة للشركات التي نفذت مشروع النفق البحري الذي يربط الشطر الآسيوي بالأوروبي من مدينة إسطنبول بمرور 25,6 مليون سيارة سنوياً من النفق. وإذا كان العدد أقل من ذلك، فستقوم الحكومة بتعويض الشركات بالدولار، وهو ما تفعله مع الشركات التي نفذت الجسور المعلقة والطرقات السريعة.

ويكلف كل ذلك الموازنة مبالغ ضخمة جداً على حساب “التنمية” التي تثبت، كما يقول أتباع الحزب وأنصاره، “عظمة تركيا التي تحسدها الدول الأوروبية”.

أما “العدالة” التي سبقت التنمية في تسمية الحزب، فقد تبخرت قبل انهيار “التنمية” بكثير. وكان ما يسمى بالربيع العربي بداية النهاية السريعة لمفهومي “التنمية والعدالة” معاً، بعد أن تحولت تركيا ، وما زالت، إلى لاعب أساسي في هذا الربيع الذي كلّفها، وما زال، مليارات الدولارات، كما كلفها النظام العلماني الديمقراطي بأكمله، بعد أن اعتقد إردوغان أن هذا الربيع سيساعده على إحياء ذكريات السلطنة والخلافة العثمانية، وهو ما يتطلب منه التخلص من إرث أتاتورك في جميع المجالات، وأهمها فكر وعقلية الإنسان التركي المعاصر الذي هزمه في الانتخابات البلدية الأخيرة.

وقد استغل الرئيس إردوغان محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز/يوليو 2016، فأعلن حالة الطوارئ، وتخلص من جميع معارضيه ومنافسيه في جميع مؤسسات الدولة ومرافقها وأجهزتها، ثم نجح في نيسان/أبريل 2017 في تمرير التعديلات الدستورية التي جعلت النظام السياسي رئاسياً، ومنحته “صلاحيات مطلقة لا يملكها أي سلطان أو ملك أو رئيس”، بحسب أقوال زعيم المعارضة كمال كليجدار أوغلو ، الذي اتهمه بتزوير نتائج الاستفتاء، كما اتهمه في أكثر من خطاب بالعمل للقضاء على النظام الديموقراطي برمته، بعد أن سيطر على الجيش والأمن والمخابرات والقضاء والإعلام الحكومي و95% من الإعلام الخاص.

وساعد ذلك إردوغان للتخلّص من جميع معارضيه، من السياسيين والصحافيين والأكاديميين والمثقفين، ووُضعوا في السجون، ومنهم صلاح الدين دميرطاش وفيكان يوكساداغ، الرئيسان المشتركان لحزب الشعوب الديموقراطي، الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني المحظور. وقد فشل إردوغان في حواره معهم أيضاً.

واعتبرت المعارضة نهج إردوغان هذا “سبباً لكل مشاكل تركيا على الصعيدين الداخلي والخارجي”، بعد أن عبر الكثير من دول العالم إقليمياً ودولياً عن قلقه من سياسات إردوغان. وقالت عنها المعارضة “إنها باتت تشكل خطراً استراتيجياً على المصالح الوطنية والقومية لتركيا، كما هو الحال في التدخل التركي في سوريا”، واعتبره الأميرال المتقاعد توركار أرتورك “من أهم أسباب انهيار شعاري “العدالة والتنمية” من اسم الحزب”.

ولم يبقَ من مؤسّسيه إلا عدد قليل جداً إلى جانب إردوغان، الذي تمرد عليه رفاق الأمس، وفي مقدمتهم الرئيس السابق عبد الله جول، ونائب رئيس الوزراء السابق عبد اللطيف شنار، ورئيس الوزراء السابق أحمد داوود، وعدد من الوزراء، وأعضاء البرلمان، وقيادات الحزب السابقون، ومعظمهم الآن في حزب “المستقبل”، الذي أسسه داوود أوغلو، وحزب “الديموقراطية والتقدم” الذي يتزعّمه وزير الاقتصاد السابق علي باباجان .وقد قال أكثر من مرة: “إن العدالة والتنمية الآن لم يعد الحزب الذي تأسَّس في العام 2001″، فقد قضى الرئيس إردوغان، والقول لعلي باباجان، “على الديموقراطية، ولم يعد يبالي بالتنمية التي انهارت بسبب سياسات الاستبداد الفردي”.

لقد بات واضحاً أن باباجان وداوود أوغلو يتصيّدان الفرص للانقضاض على زعيمهما السابق إردوغان . ويعرف الجميع أنه، والقول هنا لنائبه السابق عبد اللطيف شنار، “لم يعد يبالي بالديموقراطية والتنمية إلا في الحدود التي تخدم بقاءه في السلطة إلى الأبد كرئيس أو سلطان وخليفة”.

ويبقى الرهان على حنكة إردوغان ومهارته في مواجهة مفاجآت المرحلة القادمة بعد أو قبل التخلص من فيروس كورونا، وهو أقل خطراً بالنسبة إليه من المعارضة التي باتت تحاصره من كل الجهات، بسبب الأخطاء التي ارتكبها باستمرار، ولا زال، في كثير من الأمور خارجياً وداخلياً.

وكما هو الحال في مواجهة وباء كورونا، فقد ابتعد الرئيس إردوغان، والقول لوزير العمل السابق يشار آوكيان، “عن الجماهير، وسكن في قصر السلطان عبد الحميد في إسطنبول، وبنى قصره في أنقرة، وهو بألف ومئة غرفة، قد تكون رمزاً “للتنمية”، ولكن ليس فيها أي مكان للديموقراطية، ومن دونها لا يمكن للتنمية الحقيقية أن تتحقق”.

اقرأ أيضاً : سيناريو أزمة استمرارية السلطة في أميركا وكابوس كورونا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل