بمناسبة وفاة عبد الحليم خدام : مات بعض الألم

الأزمة في سوريا سببها أمثال عبد الحليم خدام الذين يعملون لحسابهم من دون مراعاة المصلحة العامة والانسجام مع الأهداف الاستراتيجية الكبرى.

كتب الشيخ ماهر حمود للميادين نت : توفي عبد الحليم خدام وغابت معه أجزاء من آلامنا… قد يبدو هذا الكلام غير مناسب لحرمة الموت، ولكن لا بأس، نتمنى له الرحمة والمغفرة ولكل من غادرنا إلى الدار الآخرة، بغض النظر عن رأينا فيه. قال تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء}، ولكن من شغل جزءاً رئيسياً من الشأن العام، تصبح حياته وتجربته ملكاً للناس، وليست له فقط.

من هنا، لا بدّ من تسجيل بعض من تجربتنا مع هذا الرجل الذي “حكم” لبنان بآلة تحكّم عن بعد فترةً رئيسيةً من تاريخ لبنان المعاصر:

أولاً: يطرح دوره تساؤلاً كبيراً حول الدور السوري في لبنان، وهو الدور الذي اختلف عليه اللبنانيون اختلافاً كبيراً، ولا يزالون، وهل كان عبد الحليم خدام يمارس الدور السوري كما خطّط له وأراده الرئيس الراحل حافظ الأسد أو أنه كان يملك هامشاً كبيراً من الحرية جعله ينحى نحو مصالح شخصية اتضحت كثيراً مع الشهيد رفيق الحريري في أوج نشاطه وبروز قدراته المميّزة؟

ثانياً: من هنا أبدأ، من آخر لقاء وليس من أول لقاء. آخر لقاء كان في أيلول/سبتمبر 1992، حين ذهبنا مع نخبة من علماء مدينة صيدا وجوارها في مسعى يهدف إلى إدخال مرشح “إسلامي” إلى اللائحة الانتخابية الرئيسية في الجنوب.

كان الجنوب وقتها في أول انتخابات نيابية بعد الحرب يشكّل دائرة انتخابية واحدة – سيسامحنا الله على اجتهادنا هذا إن شاء الله – وبعد حوار مطول إلى حد ما، تولى خدام الدفاع المستميت عن دور الرئيس الحريري كرجل أعمال، إذ لم يكن قد أصبح رئيس حكومة بعد، فقارنت حينها بين حماسته الفائقة في الدفاع عن الرئيس الحريري (رحمه الله) والانتقادات الحادة التي وُجهت إلى الرئيس الحريري في السياسة اللبنانية وقتها، وأدت إلى استقالة الرئيس عمر كرامي، من دون أن يكون مسؤولاً حقيقياً عن التردي الاقتصادي آنذاك، ولكن تم اعتماد أسلوب حرق الدواليب وقطع الطرقات وإحداث الفوضى وسيلةً لإسقاط الرئيس عمر كرامي للمجيء بالرئيس الحريري من بعده (طبعاً جاء بعده الرئيس رشيد الصلح، ولم يأتِ الحريري).

وكان هذا الموقف واضحاً جداً في مقال افتتاحي في الصفحة الأولى من جريدة السفير في أواخر تموز/يوليو 1992، مع إغفال اسم الكاتب، واستخدام “كتب المحرر السياسي” بدلاً منه. هكذا بدأ المقال الذي أكد بشكل واضح مسؤولية الرئيس الحريري عن الفوضى التي أسقطت حكومة الرئيس عمر كرامي. كما أشارت الصحيفة بشكل ما إلى أن مصدر معلوماتها هو الدائرة الرئيسية في القرار السوري.

استناداً إلى ما لديّ من معلومات، وبالمقارنة مع ما سمعناه من نائب الرئيس خدام، قلت له بشكل واضح ومن دون تردد: هل هذا رأي الجميع في سوريا؟ في إشارة واضحة إلى أن موقفه الذي سمعناه يختلف تماماً عن رأي الرئيس الأسد، فغضب لهذا الاتهام الواضح من خلال السؤال، وقال غاضباً: هل نحن هنا دكاكين في سوريا؟! كلنا بأمر الرئيس الأسد، وأنا تعرفت إلى الرئيس الحريري في مكتب الرئيس الأسد… إلى آخر بنود لائحة الدفاع عن نفسه التي قدمها بحماسة وغضب، ثم بدأ بعد ذلك يسترضيني ظناً منه – استناداً إلى جرأتي في هذا الاتهام – أنني على علاقة مباشرة بالرئيس الأسد من دون المرور عليه، ثم لاحقاً، وبعد أن تأكد، كما يبدو، من أن كلامي الذي واجهته به نابع من موقف شخصي، وليس بسبب علاقة خاصة مع القيادة السورية، أرسل لي عدة رسائل شفهية مع من يعرفني ممن يلتقيهم، ينتقد أسلوبي بالكلام وسؤالي الجريء جداً.

بكل تواضع أقول: لقد كشفت قبل حوالى 20 عاماً شيئاً من الخلل الذي ارتكزت عليه المؤامرة في سوريا، ونقاط الضعف التي خرقت من خلالها المؤامرة البناء السوري الصلب، كما كان يظهر من الخارج وقتها.

وقد أفصحت عن ذلك بشكل واضح في 18 نيسان/أبريل 2011 في لقاء تضامني مع سوريا في فندق الكومودور في بيروت، وخلال بث مباشر على الهواء، بأنَّ الأزمة في سوريا سببها أمثال خدام الذين يعملون لحسابهم من دون مراعاة المصلحة العامة والانسجام مع الأهداف الاستراتيجية الكبرى. كان هذا الكلام وقتها غاية في الجرأة والوضوح، في وقت كان الكثيرون يعمدون إلى التملّق، ويحصرون المسؤولية بالعامل الخارجي.

هل هناك مصلحة في ذكر هذا الكلام الآن؟ نعم، فلا يزال الدور السوري موضع نقاش يومي، رغم انكشاف المؤامرة بشكل واضح. ومن هنا، ينبغي أن نؤكد أن سوريا أثبتت خلال العقود الماضية أن نظرتها الاستراتيجية هي الأصح والأسلم، ولكن كانت تغطي على هذه الاستراتيجية المتقدمة “التكتيكات” المرحلية من وقت إلى آخر.

كما كان فساد كثير من الضباط يغطي على المبادئ، فضلاً عن الإفراط في استعمال العنف، بغض النظر عن الأهداف. وقد نتساءل هنا عن صمود هذا النظام رغم وجود خلل كثير، ذكرنا أمثلة عنه، ورغم أخطاء وخطايا يمكن أن تغيّر مجرى التاريخ… وكأن القدر الإلهي أراد لهذا النظام أن يصمد رغم كل شيء، لأنه الوحيد من الأنظمة العربية الذي يدعم المقاومة بشكل واضح، ومن دون الدخول في الحسابات (والله أعلم).

ثالثاً: من هنا نعود إلى البداية، إلى العام 1985، وبعد التحرير مباشرة، أي انسحاب القوات الإسرائيلية من صيدا وأكثر قرى الجنوب في 16 شباط/فبراير 1985، إذ قدمنا الإعلام كأبطال محرّرين، بغض النظر عن دورنا الحقيقي في التحرير، والذي قد نتحدث عنه في مكان آخر.

دُعيَت فعاليات صيدا، وعلى رأسهم سماحة مفتي صيدا الراحل سليم جلال الدين (رحمه الله وأكرم مثواه)، للقاء مع الرئيس حافظ الأسد، كنوع من تكريم لدورهم في طرد العدو الإسرائيلي وتحريضهم الناس على المقاومة، وتم استثنائي من هذه الدعوة، رغم أن اسمي كان الأكثر تداولاً في وسائل الإعلام في تلك المرحلة.

ولكن، واعتماداً على تقارير مخابراتية على ما يبدو، شُوّهت صورتي ووُضعت في موضع الاتهام الظالم، وكان على رأس هذه الاتهامات الباطلة أنني أنوي السيطرة عسكرياً على صيدا وإلغاء بقية الأطراف، كما فعلت حركة التوحيد قبل ذلك في طرابلس.

وبعد فترة قصيرة، زعم ناقل الرسالة أن جمعيات إسلامية دُعيت بدورها لزيارة نائب الرئيس السوري، كنوع من النشاط الضروري في ذلك الوقت. دُعيتُ للمشاركة في هذا الوفد، فلبّيت، وتبين أن المقصود من دعوة هذه الجمعيات هو أن يتعرف إليَّ خدام في لقاء أراد أن يوجه من خلاله رسائل هي أشبه “بالتوجيهات، بل والاتهام”، فقد أهمل الجميع، وحصر الحديث معي مفتتحاً كلامه بقوله: ظننت أنك طويل عريض من كثرة ما سمعت عنك، فقلت له مباشرة: لست أطول مني، كأنه أراد بذلك أن يكسر الحاجز الرسمي، ليسترسل في الكلام على راحته.

وكان من جملة ما تحدث به انتقاد شخصية الشيخ سعيد شعبان (رحمه الله) ودوره في طرابلس، وقمت بدوري بانتقاد السياسة السورية وقتها، متهماً إياها أنها تداري التوازنات الدولية على حساب المصلحة اللبنانية السورية المشتركة، فقال لي: التوازنات الدولية تحت حذائك. وقد استعمل كلمة “كندرتك”؛ التعبير السوري العامي للحذاء.

ثم أردف قائلاً: هل قرأت سورة آل عمران؟ قلت: نعم، أحفظها. قال: في سورة آل عمران، قصة العبد الصالح الذي يعلّم موسى عليه السلام ثلاث مسائل لم يكن يعلمها، قلت: هذه سورة الكهف، وليس آل عمران، قال: نعم نعم، وأراد بذلك أن يقول إننا نعلم ما لا تعلمون، فعليكم أن تستجيبوا لمواقفنا، وطال الحديث.

والملخّص المؤسف أنه كان يعتمد على معلومات مغلوطة ويبني عليها، وهذه آفة أخرى في الدور السوري في لبنان، الذي نعود فنؤكد من جديد: إن الاستراتيجية السورية أثبتت فعاليتها، فلم توقّع اتفاقاً مع الإسرائيليين، ولم تخضع للابتزاز الأميركي في الأمور الكبرى، ودعمت المقاومة حتى استوجب هذا الدعم هذه المؤامرة الكبرى التي لا تزال رحاها تدور في الشمال السوري، ونتج منها كل هذا الدمار وهذا العدد الهائل من الضحايا.

إننا نحيي هذه الاستراتيجية، ولكن معظم النار من مستصغر الشرر. ومن هذه الشرارات خدام ومصالحه الشخصية وطموحاته الفاسدة التي جعلته في نهاية المطاف متآمراً على سوريا، بعد أن كان ركناً ركيناً من نظامها. هذا فصل مؤلم ينبغي أن يتم التعبير عنه بكل وضوح، عسى أن نستفيد منه للمراحل القادمة، فهل من معتبر؟

رابعاً: لا يمكن تلخيص دور عبد الحليم خدام بهذه الكلمات أو من خلال هذين اللقاءين فقط، فدوره كبير وواسع ومتعدد، ولكن هذا القليل قد يغني عن الكثير، وقد نكتب كل هذه التجربة المريرة لاحقاً…

ومع تكرار ما ذكرنا عن الاستراتيجية والتكتيك، يُطرح سؤالان مهمان: هل هناك جهة من دون أخطاء ومن دون خطايا؟ هل هناك تجربة كاملة؟ كما يُطرح سؤال آخر في الفترات العصيبة والفتن: قد نتجاوز عن الكثير مقابل الهدف الأسمى… فهل ينطبق ذلك على ما ذكرناه؟

وثمة سؤال آخر لا يقل أهمية: هل يستطيع المنتقدون الأخصام الشرسون للدور السوري أن ينتقدوا “حلفاءهم” كما نفعل؟ بل هل يرون أخطاءهم وخطاياهم أو أن قدرتهم على الانتقاد وتوجيه السهام السامة تنحصر في مكان واحد تختاره مصالحهم ونزواتهم؟ الجواب واضح.

اقرأ أيضاً : الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مهدّدان بالتفكك؟

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل