تركيا إلى أين بعهد السياسة الخارجية لأردوغان؟

خاص وكالة عربي اليوم الإخبارية

من العراق إلى سوريا إلى ليبيا إلى العالم العربي أجمع ومن ثم إدلب؟! هل من منادي يسمع صراخ ابن آوى الثعلب المراوغ ملك الإخوان المسلمين في العالم وسيدهم في الشرق والغرب، لنقرأ ما حدث بتأني ونتابع تخبط تركيا في الشمال السوري المستمر والمتعمق.

تهدد تركيا الجيش السوري بعملية عسكرية واسعة تعيده إلى مواقعه قبل شهر ثم تدفع بالإرهابيين لمهاجمة إخوان مسلمين تركيا - وكالة عربي اليوم الإخباريةالنيرب وتفشل وترى جثثهم بالمئات إلى جانب جنودها الذين سقطوا بنيران الطيران الروسي المساند للجيش السوري، وتصمت، ثم تهدد بالباتريوت الأطلسي – الأمريكي وهي تقول “قد” يأتي وهي تعرف أنه لن يأتي وإن أتى فلن يفيدها في شيء، ثم تعوج لتتمسك بإتفاق سوتشي وتطالب بتطبيقه وهي التي مزقته وتنكرت له سابقاً، وتعي يقيناً أن الميدان تخطاه حاضراً.

من هنا، لنلاحظ التشرذم التام في تركيا، يجب أن ننظر إليها من منظور تاريخي من حيث التمدد التركي الحالي بعدّة اتجاهات:

نلاحظ باتجاه الخليج (قاعدة عسكرية في قطر) والتدخل المباشر في المغرب العربي (ليبيا خاصة في عام 2019 مع الاتفاق التركي الليبي على التعاون العسكري وعلى رسم الحدود البحرية بين الطرفين) وذلك بهدف محاولة تشكيل جبهة ضغط على مصر بالتقارب مع الجزائر (لقاء تركي – جزائري مؤخراً) وتونس (زيارة الغنوشي الأخيرة لـ تركيا وما أثارته من تفاعلات داخلية في تونس)، ثم التزاحم مع دول متوسطية حول الغاز وتمريره واكتشافه، ناهيك عن العلاقة التركية مع قوى فلسطينية لا سيما حركة حماس، إلى جانب اعتبار تركيا نفسها أحد قواعد الارتكاز لحركة الإخوان المسلمين كأحد أدوات القوة الناعمة.

في هذا الإطار من الضروري التوقف عند العلاقات التركية – الإسرائيلية لفهم الإستراتيجية التركية، إذ تشكل مرسي ورئيس تركيا - وكالة عربي اليوم الإخباريةالعلاقات التركية مع إسرائيل صورة سريالية يصعب تصنيفها، فـ تركيا اعتادت على أن تنتقد إسرائيل وتتوتر علاقاتهما معا بين الحين والآخر كما حدث بعد حادثة سفينة المساعدات التركية لقطاع غزة أو في الحروب على القطاع (بخاصة فترة 2008- 2010 واعتذرت إسرائيل عن موقفها عام 2013) لكن تركيا لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل منذ 1949( كأول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل)، بل إن علاقاتهما التجارية والسياحية تتصاعد سنوياً لتكون أنقرة هي الشريك التجاري الأول حالياً لإسرائيل في الشرق الأوسط، هذا التذبذب في الموقف التركي مع إسرائيل يكاد أن يكون ظاهرة ثابتة، فإضافة لما تمت الإشارة إليه، نشرت الواشنطن بوست تقريراً عن قيام تركيا بتسليم أسماء عشرة عملاء إيرانيين التقوا في عام 2012 بعملاء موساد من الذين يعملون في تركيا، وهو ما نفاه داوود أوغلو في حينها، لكن الواشنطن بوست ذكرت في نفس المقال أن رئيس الإستخبارات التركي حقي فيدان كان المسؤول الأول على نسهيل تمرير السلاح للمعارضة السورية، في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تعالج جرحى المعارضة السورية، وفي عام 2004، إعترضت أنقرة على قيام تل أبيب بإغتيال الشيخ أحمد ياسين وأدانتها، لكن أردوغان ذهب إلى إسرائيل بعد شهور في عام 2005 وعرض في لقاءاته مع رئيس الوزراء حينها (شارون) والرئيس الإسرائيلي (موشيه كتساف) القيام بدور الوسيط بين إسرائيل وسوريا، ووضع إكليلا من الورد على نصب “الهولوكوست” ، وبعدها بسنتين زار الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز تركيا وتلقى خلالها وعداً من الرئيس عبدالله غول بالمساعدة في الإفراج عن 3 جنود إسرائيليين مختطفين (كان من بينهم الجندي شاليط)، ثم عادت فكرة الوساطة بين سوريا وإسرائيل عام 2008 والتي لم يكن لها فرصة للتحقق بعد مشكلة السفينة التركية إلى غزة، وعاد التوتر من جديد بين البلدين بعد اتهام أردوغان لإسرائيل بأنها ساندت الانقلاب العسكري في مصر والذي أطاح بالرئيس المنتخب محمد مرسي مستنداً على فيديو للمفكر الفرنسي هنري ليفي (شاركه فيه وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني) يقول فيه ليفني (إن اسرائيل لن تسمح للإخوان وبكل الطرق أن يحكموا مصر).

والحقيقة هي أن التذبذب التركي في العلاقة مع إسرائيل يشكل ظاهرة بين الطرفين منذ 1949 وطيلة الفترة اللاحقة وقبل وصول حزب العدالة والتنمية للحكم، فقد توترت العلاقة عام 1956 (على إثر العدوان الثلاثي على مصر) لكن وبعد عامين فقط (1958) التقى بن غوريون ورئيس الوزراء التركي حينها عدنان مندريس لبحث فكرة تشكيل حلف الضواحي أو حلف الأطراف، ثم عادت العلاقة للتوتر من جديد عام 1967 بعد الحرب العربية – الإسرائيلية، لكن تركيا رفضت قرارات منظمة المؤتمر الإسلامي التي نصت على قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل بعد حريق المسجد الأقصى عام 1969، وتوترت العلاقات بين الطرفين ثانية عام 1980 بعد قرار إسرائيل ضم القدس، وبالإضافة لانغماسها في الجوار الإقليمي (الشرق الأوسط والقفقاس والبلقان) والجوار البعيد (ليبيا والخليج وغزة) فإن تركيا منغمسة في شأن دولي من خلال عضويتها في حلف شمال الأطلسي – الناتو وتحاول استثمار علاقاتها مع روسيا ومع أمريكا ومع بعض أطراف الاتحاد الأوروبي، الدولة التركية عضو في الناتو منذ 1952، لكنها مثلاً رفضت تمرير القوات الغربية لمهاجمة العراق من الشمال عام 2003 لكنها شاركت مع الناتو في غزو ليبيا إلى جانب بقائها مترابطة مع المنظومات الدفاعية للناتو وهو ما أثار روسيا التي تتأرجح علاقاتها بصمت أحياناً وببعض الضجيج أحياناً أخرى مع تركيا (لنتذكر فقط وقائع إسقاط الطائرة تلاه تقارب ثم تضارب في الموقف من ليبيا ثم تمرير خط غاز إلى أوروبا لصالح روسيا التي تريد تقليص الاعتماد على تمرير غازها من أوكرانيا إلى جانب شراء منظومات دفاعية روسية رغم اعتراض الناتو)، وفي علاقات تركيا مع الصين ثمة الإرث التاريخي والاحتجاجات التركية على ما تعتبره سياسات تمييزية ضد المسلمين الصينيين (الإيغور) في الأقاليم الغربية للصين (شينجيانغ)، وهو ما أثاره أردوغان أكثر من مرة رغم أن الصين تقف على رأس قائمة الدول المصدرة لأنقرة.

نستنتج أن المصلحة العليا لـ تركيا هي المحرك الرئيسي لسياستها الخارجية وأن البعد البراغماتي في هذه السياسة أوضح من أي محاولة لتغليفه بمنظور معياري ذات بعد أخلاقي، الموضوع الكردي هو الأكثر
إن الموضوع الكردي هو الأكثر إقلاقاً لأنقرة، ويبدو أن النجاح في تسوية هذه المعضلة ما زال متواضعاً للغاية، ما يعني أن هذه المشكلة سترافق تركيا لفترة أطول مما تعتقد قيادتها، كما أن التمدد التركي الذي أشرنا له في أقاليم ومستويات التفاعل الدولي المختلفة يدل على طموح استراتيجي مشروع (بالمنظور البراغماتي)، لكن عضلات تحقيق هذا المشروع (أي توظيف المركزية الإقليمية والارتباط العضوي مع القوى الغربية في بعض الجوانب والتشبث بالعلاقة مع أطراف الخصومات في المنطقة (مع إسرائيل والإخوان، مع روسيا وأمريكا، مع إيران ضد الأكراد وضدها في سوريا، مع الناتو وشراء صواريخ روسية، مع المؤتمر الإسلامي ولهفة على عضوية الإتحاد الأوروبي..إلخ) لا يتوازى مع مساحة الطموح التركي، وهو ما يعني أن تركيا مضطرة لاحقاً لإعادة النظر في حدود الطموح وبإتجاه تقليصه لتتوازى المغانم مع المغارم، وهو ما ينطوي على إحتمالات تحولات تركية داخلية ترافق ذلك في المدى الزمني القصير إلى المتوسط.

إن العلاقة التركية – الإسرائيلية منذ 1949 أخذت طابعاً غير صفري وعرفت تذبذباً مستمراً، وإن وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة لم يغير من براغماتية هذه العلاقة وتذبذباتها، وهو ما يرجح بقاء هذه الظاهرة في المدى المنظور، كما أن موقف الإخوان المسلمين تجاه تركيا يجب أن يتم بناؤه على أساس “براغماتية الاستراتيجية التركية” مهما توضأ صاحبها.

إقرأ أيضاً: الخبيث أردوغان و اللعبة الإخوانية القذرة في سوريا

إقرأ أيضاً: مخطط للإخوان المسلمين يهدد أمن واستقرار مصر

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل