ما لم يقله حسن نصرالله وفهمته ” إسرائيل “

ما هي الرسالة التي أراد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله توجيهها إلى الإسرائيليين عندما قال إن العدو كان يفترض أن المقاومة لن تجرؤ على إستخدام سلاح نوعي، لكنها إستخدمته؟

كتب علي شهاب لموقع 180 درجة : كان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله يتحدث في خطابه اليوم (الجمعة) عن رسالة “نوعية” في ما يتعلق بمحاولة إسقاط طائرة اسرائيلية في الحادي والثلاثين من شهر تشرين الأول/ اكتوبر الفائت، حين أطلق الجيش الإسرائيلي طائرة من دون طيار طراز “هيرميس 450” بإتجاه جنوب لبنان ، حيث حلقت على إرتفاع أعلى من 5 كلم بقليل فوق منطقة “النبطية”.

هي نفسها الطائرة التي حاول حزب الله إسقاطها أمس (الخميس)، ولكن من أطلقها حرص على إبقائها عند الإرتفاع الأعلى الذي يتيح لها هامش مناورة أكبر في حال التعرض لنيران السلاح نفسه التي استخدمه الحزب بالأمس.

تقدّر الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية وجود منظومة محمولة على الكتف ذات اداء “نوعي” بحوزة حزب الله منذ سنوات، تسبق حتى دخول الحزب في المعترك السوري.

وكما أخطأ الجيش الإسرائيلي التقدير عام 2006 في عدد قبضات صواريخ “ الكورنيت ” (التي كان يعلم بالتأكيد بشأنها ولكنه لم يكن يعلم بعددها ومدى إتقان استخدامها)، فهو يمتلك، على الأرجح، تقديرًا مُبهمًا للسلاح الذي تم استخدامه بالأمس (وعدده ومدى إتقان استخدامه).

على أنّ خطاب نصرالله، على حساسية النقاط التي تناولها، يبدو بكل مفاصله في خدمة إيصال رسالة جديدة إلى إسرائيل؛ وهي رسالة تلامس مسألة شديدة الخطورة من منظور الردع: إمتلاك منظومات دفاع جوي “مرنة” و”فعالة” من شأنها التسبب بمشكلة لطائرات الإستطلاع المفخخة او المزودة بصواريخ والتي تشكلّ رأس الحربة في خطة “الجيش الإسرائيلي” للتعامل مع الصواريخ الدقيقة في لبنان.. وخارجه.

ولا تقتصر المشكلة المطروحة على “الدرونز” فقط، بل هي تعني أيضًا سلاح الحوامات وما يرتبط بها من عمليات إنزال وإسناد وإغاثة، كما أنها بطبيعة الحال تعني الطيران الحربي على علو منخفض.

وكان لافتًا للإنتباه أن الإعلام “الإسرائيلي” سارع إلى تسليط الضوء على الفقرة الأخيرة من خطاب نصرالله الاخير، من دون الخوض كثيرا في بقية تفاصيل الخطاب، فنقلت صحف “هآرتس”، “يديعوت أحرونوت” و”جيروزاليم بوست” بشكل حرفي المقطع الذي تحدث فيه نصرالله عن محاولة إسقاط الطائرة من دون طيار.

وهكذا يمكن القول إن كلمة نصرالله الأخيرة تنحو بإتجاه التصويب على ثلاثة محاور رئيسية:

أولًا؛ رسالة “نوعية” لـ”إسرائيل”: كان مُتوقعًا ان يلجأ الحزب إلى نشاط “تذكيري” ضد الخروقات الإسرائيلية في هذا التوقيت بالذات، للتأكيد على أن الحزب كجسم تنظيمي لم يتأثر بما يجري في الداخل.

لا يرتبط التأكيد على جهوزية الحزب بآنية الأحداث اللبنانية، بل هو أيضًا يستبق سيناريوهات محتملة يتلمسها نصرالله بكل تأكيد، من موقعه، ولكن الحديث بشأنها حاليًا سيزيد حدة السجال مجددًا حول نظرية “المؤامرة” في ما يتعلق بجهات تحاول ركوب موجة الحراك، وهو ما لا يريده نصرالله، وينظر إليه في الوقت نفسه بريبة توازي تلك التي نشأت لديه قبل حرب تموز/يوليو 2006، واستكمل معطياتها خلال الحرب وبعدها.

في الشكل، ترك نصرالله الإشارة إلى هذه المسألة حتى الفقرة الأخيرة من خطابه، ولكن في المضمون، لعلّ الخطاب بكامله كان من أجل توجيه هذه الرسالة. ويبدو واضحا أن نصرالله ترك الباب مفتوحًا أمام إعادة الكرّة مرة أخرى في الأيام والأسابيع المقبلة، بما يتناسب مع التوقيت الذي يراه مناسبًا، علمًا أن النشاط الجوي الإسرائيلي سيتكثف في المرحلة المقبلة، بحسب مؤشرات عديدة.

كانت لافتًة للانتباه إشارة نصرالله إلى أن الانهيار قد يطال المؤسسة العسكرية اللبنانية “ماليًا”، في حال استمرار الأزمة الاقتصادية

ثانيًا، دحض المساعي الأميركية: من الواضح أن نصرالله يحمل همّ تحول الحراك الشعبي إلى ورقة فوضى ضاغطة بيد قوى تمتلك القدرة على اختراق النسيج اللبناني. لا يعني هذا بأي حال أنّ المتظاهرين ليسوا واعين بالدرجة الكافية، لكن “سرقة” الإحتجاجات الشعبية عمل يتم عادة بشكل أسهل في المجتمعات التي تتضارب فيها المصالح الإقليمية والدولية.

وقد اصابت الهتافات والشعارات السياسية الحراك بأزمة ثقة مع جمهور واسع في المقلب الآخر يشاركهم أحقية المطالب، ولكنه ببساطة يعيش حالة إستنفار غير معلنة منذ 40 عامًا، في مواجهة إسرائيل. وفي حين تقصدّ نصرالله عدم الإفصاح عن موقف الحزب وحلفائه من إستقالة سعد الحريري والأداء الذي سبق هذه الإستقالة بأيام قليلة، فإن استحضار “الدور الأميركي في لبنان” يختصر الكثير مما سيكشفه في الأسابيع القليلة، تبعًا لتطور المشهد اللبناني المأزوم.

ثالثًا؛ إحتواء الحراك وعدم معاداته: من الواضح ان خطاب نصر الله يتلمس مرة بعد أخرى الحاجة إلى الإستماع للشارع، بل هو يستند إلى قوة هذا الحراك لإعادة صياغة التحالفات السياسية والرمي بثقله خلف العهد، في فرصة قد تكون أخيرة لإجراء عملية إصلاح حقيقية.

لكن حزب الله لا يمتلك إجابات حاسمة حول مسار الأمور، كونه لا يمتلك، كما غيره من الأطراف، مفاتيح الحلول وحيدًا. ليس أمام نصرالله من خيار سوى مخاطبة المتظاهرين بهدوء وتفهم والإبتعاد عن أي إشارة قد يُفهم منها أنها تخوين او تشكيك في خلفياتهم، فهو يدرك أن الأزمة في جوهرها هي أزمة ثقة.

وبطبيعة الحال، سيلجأ حزب الله إلى نظرية “الصبر” كوسيلة استراتيجية للتعامل مع المشهد الداخلي، بإنتظار التفاعلات التي ستنجم عن الحراك والإجرءات السياسية الساعية لملاقاة آماله وطموحه.

وكانت لافتًة للانتباه إشارة نصرالله إلى أن الانهيار قد يطال المؤسسة العسكرية اللبنانية “ماليًا”، في حال استمرار الأزمة الاقتصادية، من دون أن يتطرق إلى الدور المطلوب من الجيش في المفاصل التي يحاذرها كقطع الطرقات. هذا “التغافل” المقصود، على الأرجح، هو رسالة للداخل في سياق تحديد معالم المشهد في حال إنهيار الهيكل.

اقرأ أيضاً : جنيف .. تحديات بحجم حقل من الألغام تنتظر لجنة مناقشة الدستور

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل