تركيا وعملية “نبع السلام” في سوريا..وما بعدها!

في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 شنت تركيا عمليتها العسكرية الثالثة داخل الأراضي السورية والتي أطلقت عليها عملية “نبع السلام” من خلال جيشها المحمدي كما أطلقت عليه، والجيش الوطني السوري (المعارضة السورية المسلحة) وجاءت هذه العملية بهدف تأمين الحدود التركية الجنوبية من قوات حماية الشعب الكردي المكون الأساس في قوات “قسد”، وتستهدف هذه العملية إقامة منطقة آمنة على الحدود الشمالية السورية مع تركيا تمتد إلى عمق 32 كلم داخل سوريا وطول 480 كلم بطول الحدود السورية التركية لإبعاد القوات الكردية عن الحدود التركية وتهديد الأمن القومي التركي.

خاص وكالة عربي اليوم الإخباريةمحمود أبو حوش

تأتي هذه العملية بعد عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون اللذين أطلقتهما أنقرة على قوات سوريا الديمقراطية محمود أبو حوش - تركيا - وكالة عربي اليوم الإخباريةعلى طول الحدود السورية مع تركيا لكن بعد أقل من أسبوعين من إطلاق العملية تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية وطلبت من تركيا وقف عمليتها على الشمال السوري بعد اتفاق أمريكي_تركي من جهة وروسي_تركي من جهة أخرى. وتأتي هذه العملية في سياق شواغل تركيا بضرورة منع إقامة أي كيانات عسكرية كردية إنفصالية مع حدودها الجنوبية خاصة إذا كان لها تعاون مع حزب العمال الكردستاني المصنف ارهابياً في تركيا ومع يأس أنقرة في الحصول على توافق دولي في إقامة منطقة آمنة مع الحدود السورية الشمالية. وقد عزم النظام التركي على إستكمال ما بدأه في عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون لتأمين شريطه الحدودي مع سوريا. وقد حققت التحركات التركية اختراقاً كبيراً في هذا الصدد سواء في شكل الحضور على الأرض أو على الصعيد الدبلوماسي بعد إطلاق عملية “نبع السلام”.

الأهداف التركية من العملية

استبقت تركيا أي تفسيرات أخرى لأهداف عمليتها العسكرية بنشر حدود العملية وأهدافها الأمنية والسياسية والإنسانية، حيث ترى تركيا رغـم المعارضة الدولية الشديدة أن لا أحد يستطيع نقدها بخصوص هذه العملية لكونها تستند إلى معاهدات وقوانين دوليـة بداية من اتفاقية أضنة التي عقدت مع سوريا عام 1998 (والتي تسمح لتركيا بالدخول لعمق 5 كلم لملاحقة الإرهابيين وإتخاذ التدابير اللازمة في حالة وجود خطر يهدد أمنها القومي)، إلى تصنيف الأمم المتحدة لفصائل كردية علــى أنها جماعات إرهابية. وعليه؛ تكمن الأهداف التركية من هذه العملية في الآتي:

أولاً: فرض إنشاء منطقة آمنة في شمال سوريا، بعد فشل الاتفاق مع الولايات المتحدة بشأن المنطقة الآمنة، حيث كانت أنقرة وواشنطن قد اتفقتا، في 7 أغسطس/ آب 2019 الماضي، على إنشاء مركز عمليات مشتركة في ولاية شانلي أورفة جنوب تركيا، لإدارة وتنسيق المنطقة الآمنة شمال سوريا، حيث بدأ الجيشان التركي والأمريكي في تسيير دوريات مشتركة في شمال سوريا، إلا أن وزير الخارجية التركي اتهم الولايات المتحدة، في 10 سبتمبر/ أيلول 2019، بتعطيل تنفيذ الاتفاق معلناً أن تركيا مستعدة للتحرك بشكل منفرد إذا اقتضى الأمر. كما تخطط أنقرة في أن تمتد هذه المنطقة الآمنة على طول 480 كلم على الحدود السورية – التركية وعمق 32 كلم داخل الأراضي السورية.

ثانيا: إبعاد تهديدات الأكراد عن الحدود التركية حيث تصنف تركيا “وحدات حماية الشعب الكردي”، التي تشكل العمود الفقري لـ “قسد”، باعتباره الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، والذي يخوض مواجهات عنيفة ضد الدولة التركية منذ الثمانينيات بهدف إقامة حكم ذاتي في المناطق ذات الغالبية الكردية بجنوب تركيا

ثالثاً: منع إقامة منطقة حكم ذاتي للأكراد في شمال سوريا، ما قد يشجع أكراد الداخل التركي على انتهاج الأمر ذاته، وما يمثله ذلك من تهديد مباشر لتماسك تركيا حيث تُسيطر “قوات سوريا الديمقراطية”، على 28.8% من مساحة سوريا، بإجمالي 53 ألفًا و396 كلم من مناطق شمال وشرق سوريا، وتشمل تلك المناطق مدينة منبج وريفها في غرب نهر الفرات، وكامل منطقة شرق الفرات باستثناء عدة مناطق تسيطر عليها قوات الدولة السورية وحلفاؤها قبالة مدينة دير الزور.

رابعاً: إعادة اللاجئين السوريين وتسكينهم داخل الأراضي السورية إذ يبلغ عددهم في تركيا نحو 3.5 مليون لاجئ، حيث جاء على لسان نائب الرئيس التركي أن تركيا تنوي إعادة نحو مليوني لاجئ إلى هذه المنطقة.

موقف وردود فعل الأطراف

جاءت مواقف وردود فعل الأطراف سواء الداخلية أو الخارجية تجاه هذه العملية ما بين المؤيد والمعارض لها ناهيك عمن يسعى للتفاعل مع ما تؤول إليه الأمور بعد إطلاق العملية، وجاءت مواقف الأطراف كالآتي:

مواقف قوات سوريا الديمقراطية

فقد جاء قرار سحب القوات الأمريكية كالصاعقة على قيادات قوات سـوريا الديمقراطية، التي تسيطر على شرق الفرات، حيث كان الموقف الأمريكي منذ البداية داعم للقوات الكردية في حربها ضد تنظيم داعش، وقد وضع هذه الموقف ثقة لدى الأكراد بتأسيس نواة دولة لها، لكن عملية تركيا العسكرية قد دفعت  بإنسحاب القوات الكردية من مناطق سيطرتهم بعد تقدم كبير للقوات التركية والمعارضة السورية المسلحة ليدفع ذلك الأكراد بعقد اتفاق مــع القيادة السورية، برعاية روسيا، لنشر قواته على الحدود مع تركيا

موقف الدولة السورية

كان للدولة السورية موقفان مزدوجان منذ انطلاق تركيا في عمليتها، فعلى المستوى الشعبي  كان هناك رفض الجيش السوري يحارب تركيا - وكالة عربي اليوم الإخباريةللعملية، لكن كان هناك موقفا آخر غير معلن والذي يبدو كأنه متفائل من نتائج العملية توفر له السيطرة المجانية على مناطق قوات سـوريا الديمقراطية التي تشكل مساحتها نحو 28 % من مساحة سوريا، ولذلك رفضت سوريا في بداية العملية الحوار مع قيادات سوريا الديمقراطية، بحجة لا حوار مع الخونة، محاولة لرفــع أوراقه في التفاوض في الاتفاق الذي سترعاه روسـيا لاحقا، فمصلحة الدولة السورية في إضعاف القوات الكردية لإعادة السيطرة على باقي أجزاء الأراضي السورية.

مواقف الدول العربية

فقد تباينت المواقف العربية  ما بين المؤيد للعملية والمعارض لها ؛ فبالنسبة للمؤيدة  وهي مصر والسعودية والإمارات فقد أصدرت هذه الدول بيانات مستقلة نددت بالعملية وعدتها عدواناً على الأراضي السورية، وقد دعت مصر إلى اجتماع طارئ في مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة على مستوى وزراء الخارجية لتباحث بشأن ما سمي بالعدوان التركي على سوريا، وأكد البيان “أن كل جهد سوري للتصدي لهذا العدوان والدفاع عن الأراضي السورية هو تطبيق للحق من ميثاق الأمم المتحدة “، وفـقاً للمادة 51 لمبدأ الدفاع الشرعي عن النفس، وقد تحفظت كلاً من قطر والصومال على هذا البيان؛ أما عن المؤيد للعملية فهي قطر والمغرب، وهذا نتيجة للعلاقات الاستراتيجية التي تربط قطر بـ تركيا

موقف الدول الأوروبية

مع انطلاق العملية العسكرية التركية على سوريا كانت هناك معارضة أوروبية شديدة تجاه ذلك حيث أدانت كلاً من بريطانيا وفرنسا وألمانيا هذه العملية، وحاولت بريطانيا إصدار قرار من مجلس الأمن يدين العمليــة وبحث فرض عقوبات على تركيا وعلى الرغــم مــن الإخفـاق مرتين في مجلس الأمن، فقد دعت فرنسا أيضا التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب إلى عقــد اجتمــاع، ناهيك عن دعوة  ألمانيا إلى إقامة منطقة آمنة بحماية دولية، وهو مطلب قد يلتقي مع مطالب الوحدات الكردية في تقييد تحركات تركيا شمال سوريا، وقد تسبب هذا الموقف الأوروبي إلى توتــر علاقتها مع أنقرة، وربما إن هذا الموقف نابع من محاولات حثيثة في دعم الأكراد وأخذهم كورقة ند لورقة اللاجئين التي تضغط بها تركيا دائما على أوروبا.

الموقف الإيراني

المواقف الإيرانية بدت حائرة بـين رغبتها في إخراج القوات الأمريكية من شمال وشرق سوريا، وبين الخشـية من توسيع تركيا لنفوذها العسكري في سوريا، وقصر المعادلة في سوريا على روسيا وتركيا ، حيث وجدت إيران نفسها بعيدة عن اتفاق تركيا وروسيا حول سوريا، وفي وضع بدت إيران تعاني من عقوبات اقتصادية شديدة، تحرص طهران الآن على المواءمة بين علاقتها مع أنقرة ومصالحها مع الدولة السورية.

مراوغة أنقرة بين موسكو وواشنطن

قبل إعلان الرئيس ترامب سحب القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا والذي كان بمثابة ضوء أخضر أمريكا وتركيا - وكالة عربي اليوم الإخباريةأمريكي في شن عملية تركيا لإقامة المنطقة الآمنة على الحدود السورية التركية، فقد استطاعت أنقرة أن تلعب على وتر الانسحاب الأمريكي (والذي بلا شك قد احسن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استغلال التباينات بين الرئيس والمؤسسات الأمريكية)، والرغبة الروسية في تخفيف الوجود العسكري الأمريكي وعليه؛ قامت بصياغة اتفاقيتين من كلا الطرفين يضمن لها إقامة المنطقة الآمنة فبالنسبة الاتفاق التركي _الأمريكي ، حيث دفع التقدم العسكري التركي في إطار عملية “نبع السلام” إلى تحرك وفد أمريكي يترأسه نائب الرئيس الأمريكي “مايك بنس” مع وزير الخارجية للتفاوض مع الرئيس التركي حول ضرورة وقف العملية العسكرية في الشمال السوري مقابل انسحاب القوات الكردية بعمق 20 كلم في توقيت 120 ساعة، مقابل أن تتراجع واشنطن عن إجراءات فرض عقوبات اقتصادية على أنقرة، كما أكد الجانبين على علاقتهما كحليفين في الناتو، حيث تتفهم الولايات المتحــدة المخاوف التركية، واتفق الجانبان على استمرار أهمية إنشاء منطقة آمنة ووظيفتها “معالجة شواغل الأمن القومي التركي”، ومن ذلك تقوم الولايات المتحدة بإعادة جمع الأسلحة الثقيلة من وحدات حماية الشعب، وتعطيل تحصيناتهم وجميع مواقع القتــال. وقد دخل الاتفاق بالفعل حيز التنفيذ بعد استجابة القوات الكردية لطلب الولايات المتحدة بضرورة الانسحاب. أما عن الاتفاق التركي _ الروسي  فقد تضمن الاتفاق على إبقاء على الوضع القائم في المنطقة التي تشملها عملية “نبع السلام”  بعمق 32 تتضمن تل أبيض ورأس العين بجانب ذلك تبدأ يوم 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 الشرطة العسكرية الروسية وحرس الحدود السوري، لتسهيل إخراج عناصر وحدات حماية الشعب وأسلحتها إلى عمق 30 كلم من الحدود السورية التركية، التي تنتهي في غضون 150 ساعة من وقت الانطلاق، أيضا سيبدأ انطلاق دوريات روسية تركية مشتركة في غرب وشرق عملية “نبع السلام” بعمــق 10 كـلم، باستثناء مدينة القامشلي. كما يجدد الجانبان تأكيد أهمية اتفاق أضنة، حيث تسهل روسيا تطبيق الاتفاق في الظروف الحالية. من ثم تصبح منطقة الشمال السوري في الاتفاق الروسي _التركي على هذه الشاكلة كما يوضح في الخريطة:

خريطة تموضع تركيا - وكالة عربي اليوم الإخبارية

حيث يتضح من اللون الأصفر مناطق تواجد القوات الكردية، أما المنطقة الوسطى باللون الأزرق الفاتح فهي منطقة عملية (نبع السلام) الذي شنتها تركيا ، ويظهر اللون الأزرق الغامق منطقة الدوريات المشتركة، وأما اللون البني مناطق من دون الوحدات الكردية، اخيراً يظهر الأزرق الفاتح أقصى اليسار مناطق غصن الزيتون ودرع الفرات مع المعارضة السورية، واللون الرمادي القوات السورية.

أخيراً، وخلاصة القول إن تركيا قد استطاعت بشكل او بآخر أن تحقق أهدافها أو بالأحرى قدر كبير من الأهداف التي كانت تنوي تحقيقها، لاسيما في إبعاد القوات الكردية عن حدودها الجنوبية والسيطرة على بعض مناطق تمركزهم، وإقامة منطقة آمنة لها تضمن التقليل من شواغل أمنها القومي، ومن ثمة السيناريو المتوقع من ذلك أن تكتفي تركيا بما حققته على الأرض من عمليتها العسكرية وانسحاب القوات الأمريكية والكردية من على حدودها الجنوبية، باعتبار أنها حققت هدفها الاستراتيجي في إفشال مخطط كردي. وينطلق هذا السيناريو من تحقيق الحدود المقبولة لكلاً منها، حيث يعتمد هذا السيناريو على تحقيقه مصالح الأطراف جميعا بعد إخراج الأمريكان وإضعاف الأكراد من مصلحة تركيا روسيا وإيران والدولة السورية، وسيتعزز الدور الروسي في تمكين القوات السورية من دخول منطقة شمال شرق لأول مرة منذ 2012، وقد ترضى تركيا بذلك لإقناع العالم بعدم وجود رغبة تركيا في مطامع داخل سوريا وحتى لا تتحول لدولة محتلة أمام العالم.

الهوامش:

قوات “قسد” تنسحب من رأس العين تنفيذا لاتفاق تركي أمريكي، بتاريخ 20 أكتوبر 2019، تاريخ : الدخول 29 أكتوبر، متاح على الرابط التالي https://www.dw.com/ar/قوات-قسد-تنسحب-من-رأس-العين-تنفيذا-لاتفاق-تركي-أمريكي/a-50908197

عبد اللطيف حجازي، دوافع العملية العسكرية التركية في شمال شرق سوريا، مركز المستقبل بتاريخ 10 أكتوبر 2019

أردوغان يعلن انطلاق عملية “نبع السلام” العسكرية التركية في شمال سوريا، موقع فرانس 24، بتاريخ 9 أكتوبر 2019، تاريخ الدخول 28 أكتوبر 2019، متاح على الرابط التالي: https://www.france24.com/ar/20191009-سوريا-شرق-الفرات-الأكراد-عملية-عسكرية-أردوغان-نبع-السلام-تل-أبيض-رأس-العين

الاتحاد الأوروبي يدعو تركيا ايقاف العملية العسكرية على سوريا، وكالة الأناضول، بتاريخ 10 أكتوبر 2019، تاريخ الدخول 28 أكتوبر 2019، متاح على الرابط التالي:

https://www.aa.com.tr/ar/تركيا/الاتحاد-الأوروبي-يدعو-تركيا-لايقاف-العملية-العسكرية-في-سوريا/160793

عملية نبع السلام بين القوة والدبلوماسية، مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات، بتاريخ 28 أكتوبر 2019، متاح على الرابط التالي:

file:///C:/Users/hp/Desktop/الملف%20 السوري/عملية-نبع-السلام-بين-القوة-والدبلوماسية.pdf

دول عربية وغربية تطالب بوقف العملية العسكرية التركية في سوريا، فرانس 24، بتاريخ 10 أكتوبر 2019، تاريخ الدخول 29 أكتوبر 2019 متاح على الرابط التالي:

https://www.france24.com/ar/20191010-سوريا-ردود-فعل-عربية-دولية-تنديد-العملية-العسكرية-التركية

بعد انطلاقها تعرف على أهداف عملية ” نبع السلام “التركية في شمال سوريا، الجزيرة نت تاريخ 9 أكتوبر 2019، دخول الموقع في تاريخ 30 أكتوبر، متاح على الرابط الحالي: https://www.aljazeera.net/news/politics/2019/10/9/تركيا-سوريا-شرق-الفرات-عملية-عسكرية.

*كاتب ومحلل سياسي مصري.

إقرأ أيضا: أردوغان المراوغ ينكث بوعوده … ” نبع السلام ” مستمرة

إقرأ أيضا: من عملية ” نبع السلام ” الى اتفاق سوتشي: تركيا على أبواب اتفاقية أضنة


يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولاقرأ المزيد

عاجــــــل