الرئيس بشار الأسد ومخاطر التصريحات الصاخبة!

قبل بضعة أيام أدلى الرئيس السوري بشار الأسد بتصريح، أثار رد فعل عاصفا ليس في بلدان الشرق الأوسط فحسب، بل وفي العالم كله، حيث وصف الرئيس التركي بـ(اللص). هذا التصريح، في رأيي، يعتبر شاذا، ولا سابقة له في العرف الدبلوماسي، بل اعتبره خطأ جسيماً من وجهة نظر العلاقات السياسية بين الدول.

كتب رامي الشاعر لروسيا اليوم : ولا يمكن بأي حال من الأحوال تقبل مثل هذا التصريح، ذلك أنه من الصعب فهم أن يشن الأسد هذا الهجوم على رئيس دولة، يعتبر عضوا مشاركا في (عملية أستانا)، وشريكاً لروسيا وإيران في حل المشاكل الجذرية التي تواجهها سوريا اليوم. وما من شك، أنه يفضي إلى تدهور العلاقات بين سوريا وهذا البلد. ومما يثير الدهشة أن بعض الدول تعلق آمالا واسعة على إمكانية حرف سوريا بأي شكل من الأشكال عن طريقها الذي تسير فيه الآن.

وبالطبع يمكن لمثل هذه التصريحات أن تساعد على تحقيق هذه المآرب. ومن المفارقات التي تثير الاهتمام، أن يدلى بشار الأسد أيضاً قبل بضعة أيام بتصريح ساخر، اعتبر فيه دونالد ترامب “أفضل رئيس في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية”، لأنه “الأكثر شفافية” بالمقارنة مع الرؤساء الأمريكيين الآخرين، ويعلن صراحة عن أهدافه السياسية، بما في ذلك أهدافه في الشرق الأوسط، والتي تأتي في أولوياتها، كشيء مسلم به، الرغبة في السيطرة على حقول النفط في شمال سوريا.

وهنا اتفق تماماً مع بشار الأسد، وأجد سخريته في محلها بلا شك، فالرئيس الأمريكي سبق له أكثر من مرة أن أظهر للعالم كله بأن سياسته الخارجية تعتمد بالدرجة الأولى على الاستعراضات الصاخبة، التي تهدف، بالأساس، إلى إبراز وتزيين الدور الأمريكي في الشؤون الدولية، عموماً، وفي الشرق الأوسط على الأخص.

لكن ما أن تحقق التقدم في المفاوضات الدائرة بين الأطراف المتنازعة في سوريا، وعقد المؤتمر الوطني السوري في (سوتشي)، حتى شرع التحالف الغربي بزعامة الولايات المتحدة في توجيه الضربات الصاروخية ضد سوريا.

وما أن توصل المشاركون في (عملية أستانا) إلى اتفاق على وقف العملية التركية في كردستان السوريا، وعلى إقامة مناطق للحراسة الدورية المشتركة في المناطق التي تم إجلاء الفصائل الكردية منها، حتى بدأت الولايات المتحدة فوراً في تنفيذ عملية تصفية (البغدادي) زعيم (داعش)، والإعلان عن نجاحها بصخب وضجة في كل أنحاء العالم. والهدف من ذلك، حسب قناعتي، هو حرف أنظار الرأي العام العالمي عن الإنجازات الحقيقية لصالح السلم.

ولا أجدني مخطئا إذا قلت بأنه من المستحيل اعتبار الرئيس شخصاً (صريحاً) و(مباشراً)، إذا كان مثل سابقيه، أغدق الوعود للأكراد، وتركهم بعد ذلك ليواجهوا مشاكلهم بأنفسهم. كيف يمكن بعد ذلك الثقة في الساسة الأمريكينن عموماً، خاصة أولئك الذين يتوقف مصيرهم على نتائج الصراع السياسي الداخلي، ويتناحرون مع برلمانهم؟!

وعلى أية حال، أود هنا أستميح القارئ عذراً في أن ننتقل إلى الوضع داخل سوريا، لأعرب عن رأيي في كيفية تطوره من وجهة نظري، وبحكم معرفتي بهذا البلد.

فمنذ زمن طويل، بل ومنذ نعومة أظافري كنت على معرفة بأبناء الرئيس السوري الراحل (حافظ الأسد)، وبالنظر لتفوقي فيما بعد في رياضة الفروسية، فقد قمت في فترة ما بتدريب أنجال الرئيس الأكبر على هذه الرياضة. وكان (بشار الأسد) الرئيس الحالي لسوريا صغيراً في السن آنذاك، لكنني التقيته عن قرب وهو رئيس أثناء وداع جثمان ياسر عرفات في القاهرة.

ومؤخراً بلغ بشار الأسد من العمر 54 سنة. وقد نشأ في أسرة لواء بالجيش، أصبح مع مرور الوقت رئيساً لسوريا، ودام حكمه لها 30 سنة. وفي هذا البلد المتعدد القوميات والطوائف لدرجة كبيرة، يندر أن تجد مثيلاً له، (سوريا تضم العرب السنة، والعرب المسيحيين، والعرب الشيعة، والأرمن، والدروز، والأكراد، والعلويين، والشراكسة، والفلسطينيين، وغيرهم)، وكان الإخوان المسلمون، هم والراديكاليين، يرتكبون فيه على الدوام حماقات لإشعال التوتر في البلاد، لدرجة التصادم بين السلطات والسنة، كثيراً ما تحول إلى معارك مسلحة. وبطبيعة الحال أدرك بشار الأسد منذ طفولته بأن استقرار السلم في البلاد يتوقف على الحنكة في وضع ورسم السياسة الداخلية بشكل صائب، وتطبيقها وممارستها بشكل صارم.

ورأيي أن بشار الأسد- شخصية قوية، متعلم ومتعدد المواهب، درس في( مدرسة اللاييك الفرنسية)، وتخرج بامتياز في كلية الطب بجامعة دمشق، وعمل في المستشفى العسكري طبيباً للعيون، وفي مطلع التسعينيات سافر إلى بريطانيا لاكمال دراساته العليا. وشارك (بشار) في عدة منتديات علمية دولية، وكان بعيداً عن التفكير في الاشتغال بالسياسة أو الشؤون العسكرية، التي لم تكن تشغل باله بالمرة.

كان منغمساً في الاهتمام بالعلم والطب، وطب العيون بالذات. ولم يكن يهتم بقراءة الكتب السياسية، أو تلك التي تتناول تاريخ الأحداث السياسية والصراع المسلح، خاصة ما جرى منها في القرنين العشرين والحادي والعشرين. ولم يكن يولي اهتماما لخصوصيات الخارطة السياسية للمنطقة، ولم يكن يعر أي اهتمام لسياسة الدول العظمى تجاه الشرق الأوسط. وكان يتلقى أخبار السياسة العالمية من أفواه الأقارب وأصدقاء وزملاء والده.

لكن الحياة أعدت له مفاجأة لم تكن على البال بالمرة. ففي عام 1994 لقى شقيقه الأكبر (باسل) مصرعه في حادث سيارة، وكان إنسانا موهوباً من كل النواحي، وخريجاً من كلية الهندسة، ومتخصصاً في علم الحاسوب، ويجيد بطلاقة اللغة الفرنسية، فضلاً عن فوزه بعدة جوائز وميداليات في مجال رياضة الفروسية.

كان شقيق (بشار) خبيراً عسكرياً، وترقى في مجاله بسرعة البرق، ليس أبداً لكونه نجل الرئيس، بل لأنه كان بالفعل قائدا عسكرياً موهوباً، يحظى باحترام الجميع. وكان (باسل) يتمتع بشعبية واسعة لدى الأوساط الشعبية التي اعتبرته خليفاً طبيعياً لوالده.

وعقب مصرعه أغلقت المتاجر والمدارس والمؤسسات الحكومية أبوابها لمدة ثلاثة أيام، حزناً عليه. وأطلق اسمه على الكثير من الساحات والشوارع والمسابح والمستشفيات والأندية الرياضية، وحتى على الأكاديمية العسكرية، تخليداً لذكراه.

اضطر (بشار الأسد) للعودة إلى الوطن، حيث رأت العائلة والمحيطون بالرئيس (حافظ الأسد) أنه من الضروري، ومن الأهمية بمكان أن يباشر ابنه إدارة شؤون البلاد، واستكمال السير على سياسته، واضطر (بشار) ليس لتغيير مهنته فقط، بل والبدء في ممارسة ما كان على دراية قليلة به من قبل. وسرعان ما التحق بالأكاديمية العسكرية عام 1995، وأصبح قائدا لكتيبة دبابات برتبة نقيب، وعقب ذلك ترأس الحرس الجمهوري، وحصل في عام 1999 على رتبة عقيد.

ولما توفي والده على أثر أزمة قلبية، منح بشار الأسد رتبة فريق، وعين قائدا أعلى للقوات المسلحة. واختير في مؤتمر حزب (البعث) الحاكم أميناً عاماً للحزب، وفي استفتاء عام 2000 رُشح لمنصب الرئيس وحصل على نسبة 97% من أصوات الشعب.

وتراءى لي بأن كل هذه الوقائع تدل على أن الرئيس الشاب حظي بالقبول والشعبية والاحترام داخل البلاد، ودان الحكم له بسلاسة لا تبشر بوقوع أية هزات على امتداده. لكن سرعان ما تغيرت الحال، واندلعت في البلاد حرب أهلية، ها هي تمتد عقداً من السنين تقريباً، وبلغت ذروتها خلال فترة الأعوام الممتدة من عام 2013 حتى عام 2015، تعرضت البلاد خلالها إلى آلاف المآسي، وخاضت تجارب دامية، أسفرت عن مقتل مئات الآلاف من أرواح سكانها. ويؤسفني القول، بأن هذه الحرب ما زالت لم تضع أوزارها بعد.

واليوم يطلق المؤرخون عشرات الأسباب التي تبرر حدوث ذلك. حيث يقولون، مثلاً، بأن شرارة الغضب الأولى ضد الحكم انطلقت، عندما تعرضت البلاد لأزمة الجفاف الطاحنة في فترة الأعوام 2006-2005، والتي تسببت في انتشار الجوع في عدة مناطق، بينما تجاهلتها الحكومة ولم تتخذ التدابير الواجبة لإنقاذ الفلاحين المعدومين الفقراء.

ويذكرون أيضاً بأن حوالي مليوني عراقي لجأوا إلى سوريا، هرباً من بلدهم، مما زاد الوضع تعقيداً أكثر مما هو عليه في الجمهورية. حيث حصد الموت أرواح كل الماشية تقريباً، وأدى إلى هجرة شاملة بين سكان تلك المناطق التي عانت من الجوع والفقر المدقع.

أما سكان المدن فقد تضاعفت أعدادهم مرتين جراء هذه الهجرة، وشهدت ضواحي المدن تزايدا ملحوظاً في انتشار الجريمة، وسيطرت العصابات المسلحة على عدد من المناطق، مما أدى في المحصلة إلى انتشار الغضب والاستياء في أوساط الجماهير الشعبية.

ولم يغفل المؤرخون المحليون عن ذكر أسباب أخرى، مثل زيادة تأثير العامل العشائري على تطورات الوضع في البلاد بدرجة كبيرة. حيث لوحظ فور انقسام المجتمع في سوريا إلى مؤيدين للنظام ومعارضين له، ظهور خلافات حادة بين القبائل، كانت تتطور في بعض الأحيان إلى صدامات متصاعدة، حيث اشتدت المنافسة بين المناطق مع الصراع على مصادر المياه، وحدث الانقسام داخل القبائل نفسها.

ولعله من الطريف أن نذكر هنا بأن قسماً من القبائل ساند السلطة في دمشق، بينما توجه القسم الآخر منها إلى تشكيل جماعات وتنظيمات، تأمل من ورائها بعد انتهاء المواجهة والنزاعات الأهلية في البلاد في أن تعزز مواقعها لدى السلطة الجديدة، لتحصل منها على مغانم لها.

كل هذه العوامل، بلا ريب، لعبت دوراً ليس بالقليل في دفع الأحداث والتطورات إلى ما سارت عليه اليوم، وعقدت الوضع الذي تدهور بشدة يوماً بعد يوم من جراء قسوة المجابهة والانقسام الداخلي، اللذين تحولا إلى تكملة مرعبة وإضافة مخيفة لجرائم تنظيم “داعش”.

ولا بد من التنويه في هذا المقام الى أن “داعش” منذ بداية ظهوره، لم يبدُ مجرد تنظيم إرهابي، وإنما كتجمع حفنة من المجرمين وقطاع الطرق، لا هدف لهم سوى إبادة وذبح المدنيين، والقضاء على الجيش السوري وأجهزة السلطة المحلية، ومعهما الكفرة من معتنقي الديانات الأخرى.

فالكل يذكر جيداً تلك المشاهد المخيفة لهؤلاء السفاحين القتلة من “داعش” أمام كاميرات التلفزيون وهم ينزعون القلوب من بدن الضباط السوريين وهم أحياء، ليلتهموها كأكلة لحوم البشر. ولكن ما يبقى عصياً على الفهم تماماً هو قيام مقاتلي “داعش” باغتصاب الأطفال صغار السن، وقتلهم بعد ذلك، وهذه الوقائع تمكن المحققون السوريون من الوقوف عليها وجمع أدلتها، هي ووقائع تعذيب زوجات ضباط البوليس السوريين، وقتلهن بأبشع الطرق الهمجية، مثل ربط ساق المرأة بإحدى الشاحنات وتقييد الساق الثانية بشاحنة أخرى، ليتحركا في اتجاهين مختلفين، قاطعين بدن المرأة إربا. كل هذه الجرائم أشعلت الحرب أكثر، وجعلتها أشد ضراوة بين كلا الجانبين، مما أسفر عن ارتكاب المزيد من الجرائم الوحشية.

وثمة سؤال ملح يتبادر إلى ذهني، وذهن الآخرين المهتمين بالشأن السوري: كيف سارت الأمور وتطورت لتصل إلى هذا الحد من الحرب الأهلية الدامية؟ هل اندلعت وتطورت هكذا من تلقاء نفسها؟

بالقطع لا، ورأيي أن كل ما جرى في سوريا هو محصلة لرغبة الولايات المتحدة ودول (الناتو) الأخرى في تحويل سوريا إلى مضمار تجارب لشتى أنواع أسلحة (الحرب المهجنة)، مع الاستعانة بجيوش مرتزقة الغرب لغزو سوريا، واغتصاب ثرواتها الطبيعية، واستغلال موقعها الجغرافي البالغ الأهمية في التأثير على الدول الأخرى بالمنطقة.

وهذا ليس محض خيال من عندي، بل كل ما أقوله هنا قد أكدته مصادر أمريكية، تقول بأن ادارة الرئيس السابق باراك أوباما عملت جاهدة ولفترة طويلة في تمهيد الأرضية في أوساط الدوائر الحاكمة السورية لتجنيد عملاء لها، قادرين على القيام بانقلاب حكومي للإطاحة ببشار الأسد. لكنها فشلت، وعندما تبين لها بوضوح في عام 2012 بأنها لن تجد مثل هؤلاء العملاء، قرر أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون اللجوء إلى الاستعانة بالراديكاليين الإسلاميين والمرتزقة والمعارضين للحكم من كل نوع في العمل على تغيير نظام الحكم في سوريا.

وللعلم، أكد دونالد ترامب هذه المعلومة بنفسه في عام 2016. أما إدوارد سنودن الموظف السابق في الاستخبارات الأمريكية فقد أضاف وقتئذ بأن ما لديه من معلومات تفيد بأن الأمريكيين حصلوا على مساعدة ودعم من الساسة البريطانيين ومن أجهزتهم الاستخبارية في العمل على تحقيق هذا الهدف. وإذا كان من شيء بدا واضحاً آنذاك فهو رغبة دول (الناتو) وحلمها الدائم بالاستيلاء على الجرف القاري السوري الغني بالنفط والغاز.

وثمة أمر آخر مثير للدهشة، بل والغرابة يتمثل في ضلوع (قطر) في هذه اللعبة الدموية، حيث يشير بعض الخبراء السياسيين إلى ما راودها من حلم آنذاك في الحصول على فرصة لمد أنبوب غاز عبر الأراضي السورية لتزويد السوق الأوروبية بالغاز القطري، الأمر الذي يرجح كفة (قطر) في المنافسة الدائرة بين مصدري الغاز الطبيعي إلى أوروبا، ويمكنها أيضاً من ضم (تركيا)، وربما (ألبانيا) و(البوسنة) كذلك، إلى هذا المشروع. وعندئذ ستتمكن (قطر) من تحقيق تفوق كبير على روسيا وإيران في المنافسة على أسواق الغاز، بل ومع مرور الوقت قد تشرع أيضاً في استغلال حقول الغاز في سوريا نفسها.

وعلى أية حال، هناك حقيقة لا جدال فيها، تقول بأن الشعب السوري خاض معركته، بالدرجة الأولى، ضد الإرهاب الدولي الذي كان مدعوماً وممولاً بسخاء من الدول الغربية، وأيضاً من أعداء سوريا في العالم العربي، وأحياناً حتى عبر المعارضة السورية المتشددة.

بل وتورط عرب في خوض المعارك ضد الجيش السوري، بعد أن خدعتهم الدعاية الغربية وأجرت لهم عمليات (غسيل مخ) مستمدة عبر محطات الإذاعية والتلفزيونية، التي كانت تجند لخدمتها أيضاً بعض الأصوات العربية المأجورة.

وكان الغرب يغرق عليها المال وشتى أشكال الدعم والمساندة لتحقيق هدف واحد منشود، وهو دفع دول آسيا، والشرق الوسط بالأخص نحو خوض الحرب فيما بينها، وتأليب بعضها على البعض، وهو أسلوب معروف لدى (الناتو) يدعو إلى خوض الحروب بأيدي الغير، وقد آن الأوان للساسة في الشرق الأوسط أن يدركوا هذه الخدعة، وأن يحولوا دون تحويل شعوبهم إلى ضحية مستهدفة ومعرضة للدمار والهوان.

وهل يُخفى على أحد غدر (الناتو) وتخليه عن شركائه وأتباعه في أحلك الظروف؟! وللحق، يواصل الغرب دعم وتمويل بعض أعداء سوريا، ولو مؤقتا حتى الآن، لكن عليهم ألا ينسوا بأن هذا الوضع مستمر طالما هو في حاجة إليهم، وفور انتفائها سيلقى بهم بلا رحمة أو رأفة إلى (مزبلة التاريخ). والأمثلة بالآلاف، لا تعد ولا تحصى.

ولذا أمامنا استنتاج وحيد، لا يمكن الاستغناء عنه، وهو الاعتماد دائماً على أسلوب التفاوض، والتطلع لتحقيق الحلول الوسط المقبولة لكل الأطراف لصالح الشعب وخدمته، والتخلي عن المجابهة المسلحة. يستحيل التضحية بأزهار الأمة- شباب البلد- من أجل الظهور على شاشات القنوات التلفزيونية الغربية للتشدق بالعبارات الرنانة، ومن أجل تناول أفخم الأطعمة في أغلى المطاعم، والنوم في فنادق النجوم الخمسة، بينما يلقي هؤلاء الشباب حتفهم في خنادق القتال.

لقد آن الأوان لإدراك الحقيقة الثابتة التي لا يمكن الجدال فيها، والتي تقول بأن الحرب الدامية في سوريا بدأت تضع أوزارها، ونهاية هذه الحرب قريبة. وللأسف، الحرب على الأرض السورية طال أمدها أكثر من أمد الحرب العالمية الثانية، وحصدت مئات الآلاف من الأرواح، وخلفت دمار رهيباً، ولا يسعني أنا وكل أشقائي العرب، المحبين لسوريا ولشعبها البطل، إلا أن نتوجه بالشكر والحمد لله عز وجل، لدنو الساعة التي ستستعيد فيها سوريا سيادتها بالكامل، ويستتب فيها الأمن والأمان من جديد، ويعود شعبها لمزاولة عمله ونشاطه الخلاق.

ومن الواجب علينا ألا نغفل الحقيقة القائلة بأن هذا لن يتحقق بعصا سحرية، كما في الأفلام، بل يتطلب بذل الكثير من العمل والجهد، وفي المقام الأول، استحالة السماح بعودة الاقتتال بين الأشقاء السوريين مرة أخرى، والسير قدماً في الطرق السليمة التي تؤدي إلى المصالحة الوطنية.

هذا الهدف لن يتحقق إلا من خلال سياسة معقولة، حكيمة وموزونة من قبل القيادة السورية، ومن خلال بعض الإصلاحات السياسية والاقتصادية، ينص عليها الدستور الجديد الذي سيتولى الشعب وضعه وصياغته، بما يستجيب لآمال وأماني غالبية الشعب.

هناك حقيقة رئيسة، لا يمكن أن تغيب عن الأبصار، تقول بأن الوضع اليوم في سوريا يختلف عن السابق، حيث تعيش البلاد أزمة حقيقية في كافة المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كما أن المجتمع السوري منقسم ومتعدد الاتجاهات.

ويمكن التأكيد بكل ثقة بأنه لن تجري أية انتخابات رئاسية جديدة في المستقبل، مثلما كان الحال في السابق لتحقق نسب نجاح عالية لأي مرشح كان، حتى ولو كان الرئيس (بشار الأسد) هناك، يحظى النظام الحالي بتأييد ما يعادل نسبة 20% من الشعب السوري، أما الغالبية والتي تشكل نسبة 50% منه، فهي تريد تغييراً جذرياً في المنظومة الحالية. وبالنسبة للبقية التي تشكل 30% من الشعب، فهي من غير المبالين وغير المعنيين بالأمر نهائياً، ولا تريد سوى لقمة العيش، مع انعدام أي طموح لديها.

هذه هي الصورة الواقعية كما أراها، ويراها كل ذي بصيرة، وهناك مطلب أساسي من النظام بأن يقوم مع بدء عمل اللجنة المصغرة باتخاذ خطوات تعبر عن مسؤوليته، وتعكس اهتمامه الكبير بإحلال أجواء المصالحة الوطنية، وذلك عن طريق إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، والعفو عن المقاتلين الذين سلموا سلاحهم، تلبية لاتفاق المصالحة، تحت إشراف (مجموعة أستانا)، ووقف عمليات التصفية التي ما زالت تمارسها بعض الأجهزة الأمنية للمسلحين الذين تجاوبوا لنداء المصالحة، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تتكرر بعد اليوم حالات وفاة الموقوفين في السجون، مثلما حدث للشاب (إسماعيل محمد المقبل) الذي فقد حياته وهو في ريعان شبابه.

إذ يجب الاعتراف بأن كل الذين غادروا الحياة خلال الأزمة السورية على مدى السنوات العشر الأخيرة، سواء من الجيش السوري، أو من المعارضة أو في السجون، وحتى المفقودين، هم كلهم مناضلون قدموا حياتهم في سبيل التغيير والانتقال إلى نظام جديد، يتجاوب مع طموحات وآمال الغالبية العظمى من الشعب السوري، بل وينضم إليهم أيضاً كل من ساهم في محاربة الإرهاب الدولي، وكل من سقط شهيداً من أجل تحرير سوريا وحماية ترابها المقدس ووحدة أراضيها.

اقرأ أيضاً : من أين يأتي أردوغان برواتب “الجيش الحر”؟


يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولاقرأ المزيد

عاجــــــل