ملحم: روسيا تستضيف القمة الأفريقية – الروسية ومشاريع واعدة

تعود علاقات الصداقة الروسية – الأفريقية إلى العهد السوفياتي، حيث كان الاتحاد السوفياتي نصيراً لمعظم حركات التحرر الوطني من الاستعمار الأوروبي. تراجعت هذه العلاقات بشكل كبير في حقبة التسعينات بعد انهيار الاتحاد، حيث كانت روسيا منشغلة بمشاكلها الداخلية. بدأت روسيا بترميم علاقاتها الخارجية مع الكثير من دول العالم في شرق آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، لذلك فإن القمة الروسية الأفريقية تأتي تتويجاً لجهود متواصلة عمرها أكثر من عقدين، وليست وليدة أحداث ظرفية معينة.

خاص وكالة عربي اليوم الإخبارية – حوار سمر رضوان

حول القمة الروسية – الأفريقية المقامة في مدينة سوتشي الروسية، وأهميتها لموسكو من الناحيتين السياسية والإقتصادية، يقول الدكتور آصف ملحم، خبير في مركز الأوضاع الاستراتيجية في موسكو، لـ “عربي اليوم“:

في الواقع، تبحث جميع الدول عن مصالحها، فهي تبني علاقات وشراكات جديدة وتتخلى عن أخرى، وروسيا آصف ملحم - روسيا - وكالة عربي اليوم الإخباريةليست استثناءً؛ فهناك الكثير مما يمكن أن تقدمه روسيا لأفريقيا، كما أن أفريقيا تستطيع أن تقدم الكثير لها. والحقيقة أن هذه القمة هي حدث تاريخي كبير وفاصل في العلاقات الدولية، فمن المتوقع أن يحضرها أكثر من 60 وفداً أفريقياً، بينهم أكثر من 40 زعيماً، وهذا يعكس اهتماماً خاصاً من القادة الأفارقة بتطوير العلاقات الروسية الأفريقية.

منافسات دولية

تتمتع القارة الأفريقية بموارد طبيعية وثروات باطنية هائلة، كما أنه لها ثقل سياسي وازن في المنظمات الدولية، لذلك فمن الطبيعي أن تتنافس الدول على كسب ود البلدان الأفريقية، ومحاولة إقامة الشراكات الاقتصادية والسياسية معها. فالتنافس ينجم عن الاختلاف في الدوافع والتصورات والأهداف والتطلعات والموارد والإمكانات، والنظام الدولي برمته يُبنى ويتطور اعتماداً على هذه الآلية. هذا التنافس يجري بين لاعبين رئيسيين: الصين، روسيا ودول الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة الأمريكية؛ ولاعبين ثانويين: البرازيل، تركيا، السعودية، إيران، الهند، كوريا الجنوبية، اليابان … الخ؛ لذلك فإن تسمية هذا التنافس بـ “التنافس الدولي” هي تسمية دقيقة وموفقة؛ وما نتمناه ألا يتطور هذا التنافس إلى صراع ومواجهة، تكون الدول الأفريقية ضحيته.

نعلم جميعاً أن الدول الغربية منيت بالفشل تلو الفشل في شرق العالم وغربه، وكان آخرها الفشل في سوريا والعراق، وهذا ما أفقدها الثقة أمام معظم دول العالم. وفي القارة الأفريقية نفسها، حيث لا يزال الاتحاد الأوروبي هو اللاعب الأول، ولم تزل فرنسا اللاعب الأوروبي الرئيسي، نلاحظ تراجعاً كبيراً في النفوذ الأوروبي، والسبب أن الدول الأوروبية ما زالت تتعامل مع أفريقيا بمنطق المستعمر المتعالي؛ فهي تضع شروطاً مجحفة للاستثمار والشراكة معها. فلقد كنت قمم الشراكة الأوروبية الأفريقية، التي بدأت بقمة القاهرة عام 2000، وتلاها لشبونة 2007 وطرابلس 2010 ومن ثم بروكسل 2014، وكان آخرها في أبيدجان 2017، مجرد لقاءات دبلوماسية بروتوكولية وروتينية رهينة بالأحداث والظروف التي يمر بها الطرفان، وعادة ما تم التركيز فيها على مسائل ثانوية، كالهجرة غير الشرعية؛ وهذا دليل على أنه لا يوجد نية حقيقية عن الأوروبيين بتطوير شراكة استراتيجية، بل يريدون الاستمرار في استغلال مقدرات القارة السمراء.

إستنساخ التجارب

أمام هذا الواقع، نرى أنه من حق الدول الأفريقية البحث عن بدائل أخرى بهدف تحقيق التنمية الاقتصادية روسيا تستضيق قمة أفريقية - وكالة عربي اليوم الإخباريةوالاستقرار السياسي لشعوبها، الأمر الذي أتاح الفرصة للعديد من القوى الصاعدة لتطوير علاقاتها مع البلدان الأفريقية؛ من هنا نفهم الإقبال والاهتمام الأفريقي الكبير بقمة سوتشي في روسيا .
أختم إجابتي على هذا السؤال بما كتبه الرئيس السنغالي، عبد الله واد، في الفاينانشال تايمز، في مقالة تم نشرها بتاريخ 23 كانون ثاني 2008: (ليس على أفريقيا وحدها أن تتعلم من الصين، بل على الغرب نفسه أن يتعلم منها أيضا). وأعتقد أن جميع الدول الأفريقية ستقول في المستقبل للغرب: إن الاقتصاد ليس مجرد كومة من الأرقام والبيانات والحسابات، بل هناك شيء أعمق بكثير من ذلك، وهو العلاقة بين أفراد الجماعة البشرية، وعليكم أن تتعلموه من روسيا والصين والشرق عموماً.

منصة للحوار

سيكون المنتدى الاقتصادي منصّة للحوار بين ممثلي الشركات الروسية والأفريقية، وهذا يعني بناء علاقات عمل جديدة وتطوير العلاقات القائمة، الأمر قد يتمخّض عن إبرام الصفقات والعقود والاتفاقيات في مختلف مجالات الصناعة، كصناعة النفط والغاز والتعدين وغيرها.
في الواقع، قد يكون من الصعب إعطاء أرقام دقيقة الآن عن هذه المشاريع والاستثمارات، فالصورة ستكون أوضح بعد المنتدى، إلا أنه اعتماداً على إحصاءات العقدين الماضيين، حيث كان حجم التبادل التجاري بين أفريقيا و روسيا في تزايد مستمر، فإننا نعتقد أن هذه الفعاليات ستؤدي إلى قفزة كبيرة في الاستثمارات بين الطرفين.

ثمة نقطة هامة، لا بد من إبرازها في هذا السياق، وهي أن آفاق التعاون بين روسيا وأفريقيا لا تشمل المجالات الصناعية فقط، بل تتعداها إلى مجالات أخرى عديدة كـ: الصحة والتعليم والبحث العلمي والتطوير التكنولوجي والزراعة والسياحة وغيرها؛ فروسيا تنطلق من رؤية استراتيجية للعلاقة مع أفريقيا، وهذا ما يُميّزها عن التدخل الغربي في القارة، الذي يهدف إلى استغلال البلدان الأفريقية لا أكثر.
فالمهم للقارة الأفريقية في هذه المرحلة هو نقل التكنولوجيا إليها والتدريب والتطوير، أو ما يعرف بـ know-how أو أسرار الصناعة؛ فلدى روسيا الكثير مما يمكن أن تقدمه في هذا المجال. وعلى سبيل المثال، لا الحصر، قدم العلماء الروس في أحد المؤتمرات العلمية التي انعقدت في جمهورية الكونغو الديمقراطية، في تموز الماضي، لقاحاً لمرض الإيبولا يتميز بالكثير من المواصفات المتقدمة مقارنة مع اللقاحات الغربية المشابهة.

مساهمة مهمة

في البداية، لا بد من الإشارة إلى التأكيد الروسي الدائم، على لسان مختلف المسؤولين، على المبدأ المعمول فيه في الاتحاد الأفريقي، وهو: المشاكل الأفريقية – حلول أفريقية، وهذا يعكس احتراماً روسياً لسيادة الدول الأفريقية، وحرصاً روسيا على حل المشاكل السياسية والأمنية التي أنهكت القارة الأفريقية، وليس استثمار هذه المشاكل لتحقيق أوضاع جيوسياسية مؤاتية، كما يفعل الغرب في كل مكان من العالم.
علاوة على ذلك، فإن روسيا عضو دائم في مجلس الأمن، وبالتالي هي قادرة بالتعاون مع البلدان الأفريقية على حل المشاكل السياسية التي تعصف بالقارة.

تعاني القارة الأفريقية من الكثير من الصراعات والأزمات السياسية وانتشار الجماعات الإرهابية، والواقع أن حل هذه الصراعات والأزمات جميعها دفعة واحدة غير ممكن، إلا أنه هناك الكثير من القرائن والحجج التي تؤكد أن المساهمة الروسية سيكون لها دوراً إيجابياً في حل هذه المشاكل، خاصة بعد النجاح الكبير الذي حققته الاستراتيجية الروسية في حل الأزمة السورية. فروسيا تنطلق في مقارباتها للأزمات الدولية من القانون الدولي والشرعية الدولية، لذلك فهي تجد الرضا والقبول من جميع الأطراف.

بناءً على ما تقدم، فإن أزمة سد النهضة قد تجد طريقاً للحل، خاصة أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بصفته رئيس الاتحاد الأفريقي، سيفتتح مع الرئيس بوتين القمة، كما أنهما سيحضران الجلسة العامة للمنتدى. والأمر ينسحب على الأزمة في مالي والسودان، فوفدا البلدين سيكونان حاضرين ويمكن طرح هذه المشكلات على بساط البحث؛ ففي السياسة لا يجد حلول سحرية بل يوجد مقترحات يمكن تطويرها والبناء عليها.

إهتمام أفريقي

على مستوى المشاريع العملاقة، أبدت عدة دول أفريقية، منها مصر، رغبتها في بناء محطات نووية لتوليد الطاقة الكهربائية والمفاوضات جارية مع روسيا في هذا الموضوع. كما أن هناك بعض الدول الأفريقية، مثل أنغولا وغانا والمغرب والجزائر، مهتمة بالتكنولوجيا الفضائية الروسية؛ ومن المتوقع أن تحقق الدول الأفريقية تقدماً كبيراً في هذا الميدان.

في الحقيقة، هذا النمط من المشاريع ذا تكاليف باهظة ويحتاج عادةً إلى الكثير من المباحثات حتى يتبلور، لذلك فهو يرتبط بأولويات الدول وخططها المستقبلية، لذلك يمكن مناقشة جميع الاقتراحات والمبادرات ورسم الخطط التنفيذية الملائمة.

إقرأ أيضا: روسيا تتجه إلى أفريقيا

إقرأ أيضا: البنتاغون يسحب مئات الجنود من أفريقيا لمواجهة الصين وروسيا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل