ما وراء التحركات الامريكية في سورية ؟

“التردد الواضح في قرارات الإدارة الأمريكية فيما يتعلّق بالانسحاب العسكري من عدمه من سورية؛ تجعل المتتبعين لسلوك الإدارة الأمريكية في حالة من الذهول .

كتب  طالب زيفا :  فالرئيس الأمريكي ترامب يصرّح في أكثر من مناسبة بأنه سيسحب كل قواته من سورية، وبعد ساعات تتغيّر تلك التصريحات الأمريكية، وتتصرف الإدارة الأمريكية تصرفات متناقضة باتت معروفة من الجميع. فمنذ الاتفاق الأمريكي التركي حول المنطقة الآمنة والتخلي جزئياً عن التنظيمات المسلّحة مثل (قسد والحماية الذاتية) وبعض القوى الأخرى واعتبار بأن الحرب في الجزيرة السورية قذرة وأمريكا لا تريد أن تبقي قواتها بالمنطقة.

وفعلاً تم انسحاب معظم القوات الأمريكية باتجاه العراق، لكن سرعان ما بدأت تعيد بعض قواتها المنسحبة إلى سورية تحت ذريعتين وهما : حماية آبار النفط من داعش ومن الحكومة السورية بشكل يخالف كل الأنظمة والشرائع والمواثيق الدولية ،كمايمثّل اعتداءً على دولة ذات سيادة وعلى مقدراتها وثرواتها النفطية ،حيث إن أمريكا تتاجر بالنفط السوري وتسرق شهرياً ٣٠ مليون دولاراً منذ القضاء على داعش حتى الآن، كما صرّح مصدراً روسياً بذلك.

وربما هناك اتفاقاً ضمنياً مع تركيّا حول تجارة وسرقة النفط السوري منذ سيطرة داعش والقوى الانفصالية بالجزيرة السورية.

وهناك عدة أسئلة تطرح نفسها حول السلوك الأمريكي في الشمال الشرقي السوري ومنها: لماذا تخلّت الإدارة الأمريكية عن الفصائل الكردية وسلّمتهم لقمة سائغة لتركيا رغم وعودها وحمايتها لهم طيلة خمس سنوات /بعد اتصال ترامب بأردوغان؟ لماذا بعد أن قرّرت الانسحاب تعود من جديد ببعض قواتها وجنودها؟

ما الأسباب التي تجعل الإدارة الأمريكية تتخبط في قراراتها ؟وهل لتجدّد المظاهرات في العراق وبدئها في لبنان علاقة في تلك القرارات الأمريكية؟ أم اتفاق سوتشي الثلاثاء٢٢تشرين الأول اكتوبر بين بوتين وأردوغان هو الذي دعا أمريكا للعودة خشية من ازدياد النفوذ الروسي في المنطقة؟

للحقيقة كافة التساؤلات تحتاج لمزيد من التحليل والتدقيق ولا يمكن بسهولة الإجابة عن هذه الأسئلة نتيجة تعقد الاشتباك الدولي في المسألة السورية والمنطقة عموماً ،ونتيجة الضغوط داخل الكونغرس الأمريكي والذين اعتبروا بأن الانسحاب الأمريكي من سورية غير أنه إساءة لسمعة أمريكا بالتخلي عن اصدقائها ولكون الانسحاب يخدم النفوذ الروسي ومحور المقاومة ويضر بأمن( إسرائيل) على المدى المنظور كونه يقدّم خدمة للحكومة السورية ويقوّي موقفها باجتماعات اللجنة المشكّلة لتشريع الدستور ولأن الانجازات العسكرية للجيش السوري خاصة في الأيام الأخيرة بالدخول لمنطقة الشمال الشرقي والسيطرة على معظم آبار النفط واستثمار سد الفرات وتحرير أكثر من٨٥ بالمئة من الأراضي السورية .

كان لا بد من مراجعة سريعة وعاجلة لسياسات (امريكا العميقة)في الشرق الأوسط في ظل التطورات الدراماتيكية مثل المظاهرات في العراق ولبنان ، والتقارب الخليجي الروسي ، لذلك أعادت أمريكا تموضعها في سورية لأنها لا تريد ترك المنطقة لقوى معادية لأمريكا ولأن ربما توقّع حصول خلافات ذات تاثير نتيجة جرجرة اردوغان للاصطدام مع الإيراني أو الروسي لم تحصل، بل العكس كان اتفاق سوتشي الماضي استطاع بوتين لجم أردوغان دون أن يحرج روسيا أمام محور إيران سورية.

وبالتالي وجد الأمريكي نفسه بأنه(خرج من المولد بلا حمّص)لذلك كان الارتباك الأمريكي والعمى الاستراتيجي وتكتيكاته الفاشلة حتى اللحظة وكأن سياسة ترامب في وادٍ وأمريكة العميقة ذات الأبعاد الاستراتيجية في وادٍ آخر ،فكانت الخلافات البادية بين نانسي بيلوسي زعيمة الأغلبية الديموقراطية وترامب ونواب من الحزبين هي مثار نزاع حول السياسات الخارجية للإدارة الحالية، والتهديد بالعزل للرئيس الأمريكي فكان لا بد من الهروب باتجاه الأخطار والاهتمامات الخارجية لعمل إنجاز ما .

يعتقد الكثيرون بأنه قد يضر الرئيس الأمريكي في الانتخابات الرئاسية المقبلة أكثر مما يفيده، وذلك نتيجة الفشل الامريكي في عدة اماكن ومنها الساحة السورية والتي كثُر فيها اللاعبون والأمريكي أحدهم وأخطرهم.

أخيراً يمكن القول بأن السياسات الأمريكية في المنطقة وحتى على مستوى العالم لم تعد قادرة أن تفرض نفسها كما في الماضي؛ لأن عالماً بدأ يتشكل بأقطاب متعدّدة ، والأمريكي رغم قوته بدأ بالتراجع ولن يحقّق الأهداف التي يرسمها فالعالم اليوم بدأ يختلف ويتغيّر بأسرع مما كان متوقعاً.

اقرأ أيضاً : لماذا يحتشد الإسلاميون خلف سياسات أردوغان العدائية في سورية وغيرها؟

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل