شرق الفرات بين الكرد والولايات المتحدة وتركيا، أي استجابة ممكنة؟

في نصٍّ مسرحيٍّ لـ غوته، أعاد كتابته كلٌّ من كريستوفر مارلو وأوسكار وايلد وآخرين، يقوم فاوست ببيع روحه للشيطان سوفوكليس مقابل حصوله على المعرفة اللازمة لتحقيق ما يصبو إليه. وعلى الرغم من أنَّ فاوست كان يدرك مخاطر قراره، إلا أنه فعل ما فعل، من دون كبير اهتمام بما سوف يؤول إليه الحال، وعندما وقعت الواقعة، لم يجد سبيلاً ممكناً للعودة!

كتب د. عقيل سعيد محفوض لمركز دمشق للأبحاث والدراسات : تنطلق القراءة من أنَّ ما حَكَمَ سلوكَ الكرد في “شرق الفرات” حيال التهديدات التركية، وحيال الدولة المركزية، بل حيال الإقليم والعالم، كان نوعاً من الرهان المركب على رعاية أمريكية، ودعم غربي، وإلى حدٍّ ما دعم إسرائيليّ وعربيّ خليجي لكيانية في شرق الفرات، بقيادة كردية، باعتبار الرهانات المتعارضة لمختلف الفواعل في الحدث السوري.

لماذا حدث ما حدث في شرق سورية، من اعتداء وتوغل عسكري تركي هناك، وهل كان القرار الأمريكيّ بالتمكين لتركيا من القيام بالتدخل العسكري في شرق الفرات مفاجئاً بالفعل، أم أن ذلك متفق عليه، وأي ضمانات قدمتها الولايات المتحدة للفواعل الكردية، وهل كانت الأخيرة جزءاً من تلك التفاهمات؟

ما اتجاهات ورهانات الكُرد مع بداية العدوان التركي على المنطقة، هل فكروا بالاتجاه نحو دمشق، أم أنَّ ذلك أمر مستبعد باعتبار الظروف الراهنة، وهل يمكن أن تقبل دمشق بمجيئهم، بعد أن أعلنت “رفضها الحوار” مع “فصائل مسلحة قامت بخيانة وطنها وارتكاب جرائم ضدها”، وما الذي يمكن أن تقبل به دمشق حيال “كردها”؟

الأسئلة كثيرة ومعقدة، لكنَّ هذه القراءة سوف تركز على طبيعة الرهانات الكردية، وتحولات الموقف الأمريكي وثوابته، و”خيبة” الكرد من الموقف الأمريكي، والعلاقة بين دمشق وكردها، وميزان التهديد-الفرصة في الموقف شمال شرق سورية بعد التدخل/الاعتداء العسكريّ التركيّ، وأي استجابة ممكنة من قبل سورية؟

لا بدَّ من التعامل مع القرار الأمريكي المعلن بالانسحاب من شرق سورية، بوصفه حصيلة تجاذبات تقديرات متناقضة ولكنها متداخلة، فهو من جهة تعبير عن تقدير “عميق جداً” لخيارات وإكراهات الولايات المتحدة في سورية والمنطقة، وهو تقدير “راهن جداً” لها أيضاً، من جهة أخرى، مع الأخذ بالاعتبار أن قرارات من هذا النوع عادة ما تكون “تحت مراجعة دائمة”، وهي حتى الآن لم تشمل شرق الفرات أو سورية ككل.

وهكذا، فإن من المحتمل أن تقوم الولايات المتحدة بـالإعلان عن الإبقاء على قواعد عسكرية أمريكية في مواقع محددة، لفترة غير محددة، والعمل على تهيئة بدائل ميدانية أو تفاهمات الفواعل الكردية وشركائها من العرب وغير العرب، و”تدبير الخلافات” مع تركيا وتنسيق السياسات والإجراءات، وبخاصّة في مناطق الحدود، ومحاولة إقامة نوع من “التوافق الموضوعي”، وربما المباشر، مع روسيا بشأن خرائط وأوزان ونسب وطبيعة السيطرة، باعتبار ما يجري في شمال غرب سورية، في منطقة إدلب على نحو خاص، وباعتبار تطورات المسار السياسي والإعلان عن تشكيل اللجنة الدستورية.

وأما بالنسبة لروسيا وإيران، وهما حليفتا سورية، فقد حاولتا أن يقوم تواصل وتفاهم بين سورية وتركيا بالعودة إلى بروتوكول أضنة 1998 الأمني، وحث الكرد على التواصل مع دمشق. إلا أن الكرد في لحظة الصدمة طرقوا كل الأبواب إلا أبواب دمشق!

وأما الرئيس بشار الأسد فقد سبق له أن أنبأ الكرد وحلفاءَهم من العرب وغير العرب، بأن الولايات المتحدة “لن تحمي الجماعات التي تراهن عليها”، مضيفاً «إذا لم تحضروا أنفسكم للدفاع عن بلدكم، وللمقاومة فلن تكونوا سوى عبيد عند العثماني (تركيا)، لن يحميكم سوى دولتكم، لن يدافع عنكم سوى الجيش العربي السوري».

لكن تركيا تتدخل في منطقة فيها فواعل وقوى مناهضة لها بالتمام، أولها الدولةُ السورية، والقواتُ الكردية وحلفاؤها، والعشائر العربية والكردية، لكنها حتى الآن لا تعمل بانسجام وتوافق على أجندة ضد التدخل التركي. وإذا قررت القوات الكردية وحلفاؤها الاقتراب من دمشق، فهذا قد يجعل من التدخل العسكري التركي كارثة على تركيا.

تمثل العملية التركية أو الاعتداء التركي على شرق الفرات تهديداً، بمعنى أنه يعطي تركيا إمكانية “التموضع العسكري” في شرق الفرات، ما يجعلها أقرب إلى الولايات المتحدة، وفي وضع “المفاوض المتطلب” و”القوي” تجاه روسيا وإيران، وهذا قد ينسحب على الموقف في إدلب.

وسوف تحاول تركيا أن تقيم أوضاعاً وتخلق بنى واستعدادات “كيانية”، ترتبط بأطماع جغرافية في سورية.

إنَّ القراءة التقديرية والاحتمالية ربما تلحظ في الأمر فرصة أيضاً، بمعنى أنَّ التدخل العسكري التركي قد “يُباعِدُ” إلى حد ما بين الكرد والولايات المتحدة، و”يُخفِّفُ” من رهانهم عليها، وربما “يقطع” بينهما، على ما في الأمر من صعوبة، وذلك بافتراض قراءة عقلانية للموقف من قبل الكرد.

وأنه ربما يعزز التقارب بين الدولة السورية والكرد، ويجعله خياراً لا بد منه، ويدفعهما للتوصل إلى اتفاق لا يزال متعذراً، لأسباب عديدة. وقد يدفع روسيا وإيران لمراجعة تقديراتهما تجاه تركيا وتفاهماتهما معها، الأمر الذي يُفترض أن يدفعهما أيضاً لمراجعة الموقف حيال مطلب الدولة السورية بممارسة المزيد من الضغوط على تركيا.

يتطلب الموقفُ العملَ على دراسة الاستجابات الممكنة من قبل الحكومة السورية وحلفائها، تتمثل بـ: تحذير تركيا من أن تجاوز الحدود المعلنة والمرسومة للتدخل العسكري/الاعتداء على شرق الفرات، يمكن أن تكون لها تبعات خطيرة على أمنها ومصالحها، وبخاصّةٍ إذا اتجهت الأمور إلى مواجهة مباشرة.

والعمل لدى روسيا وإيران من أجل الضغط العاجل والنافذ –ما أمكن– على الموقف الأمريكي والتركي من أجل “ردعهما” عن القيام بما من شأنه أن يخلق واقعاً ميدانياً يهدد وحدة واستقلال الأراضي السورية.

وسوف يمثل الاتفاق بين الدولة السورية وكردها –لو حدث– “سداً للذرائع” أمام التدخلات الاعتداءات العسكرية التركية في شرق الفرات، بما يساعد في جعل التدخل عابراً أو مؤقتاً، أو بما يحتوي أي ممارسات تركية على الصعيد الديمغرافي والإثني. ولا بد أن يكون “درسُ عفرين” ماثلاً أمام الكرد.

وأن يكون الدرس ماثلاً، هذا يعني: التركيز على ما يمثل أصلاً في مصادر التهديد، وهو تركيا. والتعاطي العاجل والجاد مع التهديد التركي، والتعاون بين الدولة السورية والكرد لتدبر السبل المناسبة لاحتوائه. واتخاذ السلطات السورية إجراءات لـ “احتواء” الكرد أو بالأحرى “استقطابهم” إلى جانب الدولة وذلك من خلال:

التدخل لدى عرب شرق الفرات لمحاولة التأثير في القرار الكردي، بالإقناع أو ممارسة ضغوط مباشرة. والطلب من روسيا وإيران التدخل لدى القيادات الكردية، نظراً لعلاقاتهما المباشرة معها، وتأثيرهما فيها. وأن تُقْدِم السلطات السورية على إقامة تفاهمات (وتقديم التزامات) مع الكرد.

اقرأ أيضاً : فريق دبلوماسي أمريكي غادر شمال شرق سوريا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل