كيف أسقطت ليلة 13/10/2019 سيناريو الدم والخراب؟

كيف أسقطت ليلة 13/10/2019 سيناريو الدم والخراب؟ : كتب الاستاذ سمير الفزاع : راهن الأمريكيون على تكرار مشهد عفرين في شمال-شرق الفرات، عندما نصحوا قيادات كردية ابان الغزو التركي للمدينة بأن لا يستنزفوا قواهم في الدفاع عنها، ففي ذلك مصلحة لتركيا، وللنظام في سورية والتحالف الذي يجمعه مع روسيا وإيران وحزب الله.

يجب ادخار هذه القدرات والقوى لبناء إدارتهم الذاتية شرق الفرات والتي ستحظى بدعم و”رعاية” مظلة الأمن القومي الأمريكية وأدواتها في المنطقة، السعودية،الامارت،الكيان الصهيوني… فهم سيكونون بحاجة اليها: لإخضاع العشائر التي قد يتمرد بعضها بوجه هيمنة الأقلية الكردية، ولإخماد حركات المقاومة التي قد تنشأ لمقارعة الاحتلال الأمريكي سواء من أبناء سورية أو تلك “العابرة للحدود”. ما هي ترتيبات ما قبل ليلة 13/10/2019، وكيف أُريد لها أن تُطبق وفي أي ظروف، وكيف تصرفت سورية وحلفائها؟.

  • *لا فراغ شرق الفرات، تسليم واستلام:

تثبت مجريات الأحداث بأن هناك قيادات كردية عميلة لواشنطن، وهي مستعدة للتآمر حتى على الكرد أنفسهم.

مثلاً، كان من الممكن الكشف عن مدى وجديّة الرهان على موقف واشنطن من “الأحلام” الإنفصالية باستشراف موقف واشنطن من طبيعة التفويض الذي منحته لاردوغان، والذي يدور التفاوض حوله منذ عام. ما هو العمق الذي سمحت باحتلاله وتدنيسه من الأرض السورية، وما هو المستوى المسموح به من التطهير العرقي والتهجير واستباحة الدماء…!! وذلك بالتلويح بدعوة الجيش العربي السوري لمساندتهم بصد العدوان التركي.

كم ستكلفهم هذه المناورة؟ ولكن من باع نفسه سيتمسك بخيوط الوهم حتى السقوط.

شعر الكرد بمرارة الخديعة لمنح ترامب شريطاً حدوديّاً في سورية لأردوغان كما منح القدس والجولان لنتنياهو، وهذه بعض من خلفيات المشهد الصادم شمال-شرق الفرات الى ما قبل ليلة 13/10/2019 المجيدة:

1- يأتي الإنسحاب الأمريكي تأكيداً لمقولة ترامب امريكا اولاً، وعودة امريكا لأمريكا… ولهذا لشعار وقعه لدى الناخب الأمريكي.

2- أعلن ترامب أنه ترك شمال-شرق سورية لحليف قديم لواشنطن، فالكرد لم يشاركوا واشنطن في انزال النورماندي!. هكذا حاول التغطية على هزيمة امريكا هناك وانسحابها مجبرة، وتبرير ترك الكرد لمصير مظلم دام.

3- واحدة من سلسلة اجراءات لتأديب أردوغان والاحتواء الأمريكي لأنقرة المتنوعة بين الترغيب والترهيب، مثل العمل على رفع التبادل التجاري بين البلدين الى 100 مليار، ثمّ التهديد باسقاط الاقتصاد التركي عبر فرض عقوبات امريكية- والغاية واحدة: منع انزلاق تركيا الى حضن روسيا أكثر فأكثر، واعادة الاعتبار للمؤسسة العسكرية التركية حسب الموصفات الأمريكية… لذلك حَمّلت واشنطن اردوغان شخصياً كلّ أوزار وتبعات هذا الغزو الفاشل.

4- توجيه ضربة للمحور الذي تحمله واشنطن مسؤولية قصف ارامكو. أرامكو التي كان ينتظر ترامب من بيع 10% من اصولها في البورصات والبنوك الامريكية 300-400 مليار دولار جديدة غير تلك التي نهبها قبل عام.

5- خلط أوراق الحلّ السياسي في سورية، خصوصاً تلك المسارات التي تجري دون حضور أمريكي مهيمن، مثل استانا.

6- بعد أن ثبت بشكل ميداني وسياسي وديموغرافي عجز الانفصاليون الاكراد على لعب دور أبعد من حدود اقليم الجزيرة، قدم اردوغان نفسه ومرتزقته كأداة “اسلامية-عربية” يمكن تطويعها للعب دور اكبر وخاصة في المجال الحيوي للحدود السورية-العراقية، ألم يسمي الجيش التركي ومرتزقته بـ”الجيش المحمدي” وكأن خلافة بني عثمان تُستحضر من جديد!. وهنا يمكن ملاحظة تلاقي مصالح أمريكا وتركيا والقيادات الكردية العميلة، كما يلي:

*بالفوضى وافراغ السجون والمعتقلات التي يتكدس بها مقاتلو داعش لينشط تهديدهم مجددا، وبعد تسليمهم المنطقة الآمنة على طبق من ذهب لاردوغان، سيتم تعويم الحركات الانفصالية الكردية ثانية بحجة محاربة داعش والاحتلال التركي.

*”طمأنة” اردوغان والاتراك بخصوص اطفاء النزعة الانفصالية الكردية في سورية، ومنحه نصر هو بأمس الحاجة اليه.

*دغدغة النزعة القومية لدى اليد العاملة ورأس المال التركيين اللذان باتا يشكوان من راس المال والعمالة السورية، وكانا من اهم اسباب خسارة اردوغان لأكبر المدن التركية في الانتخابات البلدية الأخيرة.

*اكتساب أردوغان المزيد من الوقت للتهرب من “التزاماته” بالقضاء على التنظيمات الارهابية في ادلب بحجة الحرب مع الاكراد.

6- خلق المزيد من مبررات التموضع الأمريكي في العرق بحجة مكافحة الخطر الداعشي المستجد.

7- استباق رسم خرائط الاقليم والتفاهمات الدولية بفرض أمر واقع جيوسياسي يصب في مصلحة واشنطن وحلفائها… وإذا كان ولا بد من حصول انهيار لأحد ركائز السياسية الأمريكية في “الشرق الأوسط”: تركيا،السعودية، مصر،الكيان الصهيوني، فلتكن تركيا، وهذا سيدخل سورية وحلفائها وتحديداً روسيا، في دوامة سياسية-أمنية-عسكرية-اقتصادية يصعب الخروج منها، خصوصاً اذا اندلعت اضطرابات أو حرب اهلية حتى في تركيا.

كلنا يدرك بشكل أو بآخر، بأن هناك “عجن” لخرائط المنطقة تمهيداً لإخراج خرائط جديدة، بعضها على مستوى النفوذ والسيطرة، والبعض الآخر بتغيير الحدود السياسية فعلاً وعلى الأرض. فلا يمكن النظر إلى أحداث المنطقة بصورة إفرادية، بل يجب النظر اليها من بوابة الإقليم، وأنا أقصد غرب آسيا تحديداً، وصولاً إلى الصراع المحتدم دوليّاً.

لذلك من المنطقي أن نجد بعض تفسير ما يجري شرق الفرات عند ربطه بما جرى شرق “السعودية”، فهناك تلقت واشنطن والرياض ضربة قاسية استراتيجية بكل الاوصاف الى الحد الذي اصبح فيه بقاء الجيش الامريكي هنا في سورية محض لهو وعبث. هناك حيث النفط يتدفق بأكثر من عشرة ملايين برميل يوميا تتحول مباشرة الى استثمارات وصفقات وسندات خزينة تصب في شرايين واشنطن المرهقة، فأي فائدة تجنيها واشنطن من بقاء قواتها في سورية وعصب بقائها هناك تحت السكين؟!.

وما جرى في هرمز حيث فشلت واشنطن في تدويل المضيق وعسكرته، وخسرت أحد أهم أوراقها التقنية-العسكرية بإسقاط أحدث طائرتها المسيرة. وما جرى قبل ذلك من هزيمة لمشروع غزو سورية عبر الأدوات الإرهابية في حرب مستمرة منذ تسعة اعوام… وصولاً الى حالة الردع المرعب والتهديد الوجودي الذي يعصف بالكيان الصهيوني.

انتهى الحلف الأمريكي الى خلاصة تقول: ليس هناك من خيار أمامنا سوى خلط الاوراق وبعثرتها مجدد باسلوب مغاير، لعلنا تجد مخرجا أو باباً موارباً يضمن لنا بعض مصالحنا دون الانجرار الى حرب سنهزم فيها على الاغلب، وسينجم عنها ضرر شديد في مصالحنا يصعب تقديره.

بعد أن أجبرت واشنطن على “إعلان” عجزها عن شنّ المزيد من الحروب في المنطقة، بدأت بتفعيل أداتين أساسيتين للتعامل مع النقاط الساخنة في المنطقة: الحرب الإقتصادية، والحرب السرية بقيادة CIA، فتقدمت وزارة الخزانة على حساب وزارة الخارجية والـ CIAعلى حساب وزارة الدفاع. أحد أهم عمليات CIA بالتعاون مع عدد من نظيراتها في الإقليم، والتي كان من المفترض بأن تهيء الميدان في سورية والعراق وايران لعملية هجوم مضاد ضخم بتداعيات كبرى، ظهرت فصولها الأبرز في ايران والعراق.

وأما الخطوط العريضة لهذا العملية: اغتيال قاسم سليماني عند حضوره للحسينية التي بنيت باسم والده، عبر نفق تمّ حفره بين الشقة التي يقيم فيها ثلاثة من عملاء أجهزة مخابرات اقليمية وصولاً الى أسفل صحن الحسينية، باستخدام شحنة ناسفة ضخمة تقدر بـ500 كغم من المتفجرات، ليكون التفجير اشارة البدء بعمليات أخرى في مناطق حساسة وأخرى “سنيّة” الطابع في ايران، ليظهر المشهد وكأن هناك تمرد “اجتماعي-طائفي” مسلح هو المسؤول عن اغتيال قائد قوة القدس…

بالتزامن، تتسلل أدوات إرهابية بالشكل أمنية بالعمق، الى عدد من المراقد ومقار اقامة وعمل مراجع “شيعية” في العراق، لتنفيذ عدد من التفجيرات والإغتيالات الدموية، فتنتقل الفتنة بين ايران والعراق وكل واحدة تغذي الأخرى، تمهيداً لوقوع حرب طائفية مدمرة تنتشر وتتوسع لتشمل المزيد من الدول ومنها سورية ولبنان.

هذا الجحيم، سيشل محور المقاومة، ويكسر الظهر الذي تستند اليه روسيا في المنطقة، ويجبر الجيش الرعبي السوري على الإنكفاء، ما يسمح باحتلال تركيا لشريط واسع على طول الحدود السورية وبناء مدن كبرى في هذا الشريط، وسيعطل أي خطط لتحرير إدلب، وسيطلق يد داعش من جديد في العراق وسورية… وسيبدأ تطبيق آخر فصول صفقة القرن بحملة تطهير واسعة ضد الشعب الفلسطيني، وسيدخل الكيان الصهيوني ومحميات جزيرة العرب في تحالف مفتوح تحت عنوان “اتفاقية عدم الاعتداء” التي تحدث عنها وزير الخارجية الصهيوني كاتس.

عندما أعلن “الجبير” بأن ردّ السعودية على هجمات ارامكو قد يأخذ طابعاً أمنياً، اتخذت اجراءات احترازية واسعة واستُنفرت قوى محور المقاومة، الأمر الذي ساعدهم على كشف هذا المخطط. “تعلق الأمريكي في الهواء”، واصبح العدوان التركي المرتقب على سورية في عين الحدث وليس الفتنة الطاحنة كما خطط، وبات موقف القيادات الكردية الصهيو-امريكية حرجاً جداً… ولكن التراجع ما عاد ممكناً. بدأ أردوغان بعدوانه على سورية، ولكن على طريقة “هدوني”، حيث يتقدم إلى النقاط التي يخليها جيش الإحتلال الأمريكي والقوى المرتبطة به.

وأعلن ترامب بأنه لن يكون طرفاً في صراع تركي-كردي عمره 200 عام، وأنه قرر الانسحاب من سورية.

وبدى بأن اكراد سورية في طريقهم الى المذبح الدولي مجدداً. تأهب الجيش العربي السوري قبل ايام من العدوان وارسلت التعزيزات لأقرب النقاط الممكنة من مسرح العمليات، وبدأت عملية اتصال اللحظة الأخيرة لإنقاذ سورية وأكرادها من المؤامرة في ثلاثة مواقع دفعة واحد لاختصار الزمن، القامشلي ودمشق وحميميم.

استلمت الدفة الكردية قيادات “عاقلة” واُبعدت تلك المرتبطة الى حدّ بعيد، فكان التفاهم الصادم لواشنطن وانقره وتل ابيب وبقية زمرة الإجرام الدولي والإقليمي. محلياً وكرديّاًّ، انتشر الجيش العربي السوري على نحو سلس في كل النقاط المخطط انتشاره فيها حتى اللحظة دون حوادث جديّة وإن كان هناك بعض العبث والمكابرة من بعض المسلحين الكرد.

سوريّاً، تمّ تقريباً تفكيك واحد من أعقد وأخطر ملفات الحرب على سورية بأقل ثمن ممكن. تركياً، أعلن الكرملين بأنه لا يريد أن يفكر مجرد تفكير بحصول صِدام مع الجيش التركي، والصحيح بأنه فكر قبل أن يعلن بأنه لا يريد أن يفكر، خصوصاً وأن صواريخ “كاليبر” الجوالة كانت تجوب سماء شرق المتوسط بالتزامن مع تقدم الجيش العربي السوري.

أمريكياً، لم تُغر موسكو زيارة الثعلب العجوز كيسنجر لافروف في مقر إقامته، فليس هناك أسوأ من ثعلب عجوز، خصوصاً وأنهم يعرفون بأن عقيدة الرجل السياسية هي التفاوض تحت النار.

تركيّاً، رئاسة النظام التركي “تدين” الاتفاق بين الدولة السورية وميليشيا قسد وتصفه بالـ”قذر”، فقد كان هناك رهان جدي على حدوث قتال دام بين الجيش العربي السوري والمليشيات الكردية اذا ما حاول الجيش التقدم لصد الاحتلال التركي، واشنطن انسحبت لتملأ انقره الفراغ وليس احد آخر، ثم الدخول في تفاهم يجمع الطرفين برعاية امريكية-اوروبية… وإذا فشل المخطط فأردوغان وحده من سيتحمل الهزيمة.

عُكست الصورة وانقلب المشهد، وباتت واشنطن وحلفائها تحت النار، فهل يبدأ التفاوض على مدى انسحابهم أم سيذهبون إلى حرب لا بد منها للحفاظ على مواقعهم وقواعدهم ومصالحهم أم سنرى فصلاً جديداً من الحروب السرية؟!.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولاقرأ المزيد

عاجــــــل