قمة أنقرة : خطوة إلى الإمام.. خطوتان إلى الوراء

232

كما كان متوقَّعاً انتهت قمَّة أنقرة من دون أن يتَّفق الزعماء الثلاثة حول القضايا الأساسية في جدول أعمالهم، مُذكِّرين الجميع بالمقولة العربية الشهيرة: “اتفقنا على ألا نتّفق”.

كتب حسني محلي : بقي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على موقفه حول مُجمَل القضايا التي قيل إن الزعماء قد بحثوها وفي مقدّمها الوضع في إدلب، والمنطقة الآمِنة شرق الفرات، واللجنة الدستورية، وموضوع اللاجئين السوريين في تركيا، وأضاف إليها أردوغان مسألة اللاجئين في لبنان والأردن.

وتجلّى ما بين السطور في أحاديث بوتين وروحاني عدم رضا الطرفين عن الموقف التركي بكل تفاصيله، والذي بات واضحاً أن أردوغان لم ولا ولن يتخلّى عنه مع استمرار حساباته العقائدية والاستراتيجية في سوريا والمنطقة بما فيها ليبيا.

كان ذلك واضحاً في أحاديث أردوغان لا سيما خلال ردِّه على أسئلة الصحافيين الذين طُلِبَ إليهم ألا يسألوا الزعماء أسئلة استفزازية صعبة تُحرجهم وتُجبرهم على الحديث عن مواقفهم الحقيقية في سوريا.

على سبيل المِثال كيف كان ردّ فعل بوتين وروحاني على اتفاق أردوغان مع ترامب في ما يتعلّق بالمنطقة الآمِنة شرق الفرات ومهما كان عُمقها. فكلاهما يعرف أن الاتفاق يحمل في طيّاته اعترافاً تركياً بالاحتلال الأميركي للمنطقة وقبول أنقرة بالكيان الكردي في جنوبها، على الرغم من التزام أنقرة الدائم والمُعلَن بوحدة التراب السوري.

ومن دون أن يُبالي بالموقفين الروسي والإيراني المُحتملين، راح أردوغان يتحدّث مطوّلاً عن مشروعه لبناء فِلَل وحدائق للسوريين على طول 450 كم وقبلها قال 911 كم، أي غرب الفرات أيضاً.

ومهما كان الحديث خلف الكواليس فقد وشت ملامح بوتين وروحاني بوضوحٍ بفشلهما في إقناع أردوغان لإغلاق ملف إدلب، (الأمر الذي تؤكّده معلوماتنا) وهو ما يتهرَّب وسيتهرَّب منه. ذلك أنه يعتقد أن تحقيق هذا الأمر سيدعم موقف الرئيس بشّار الأسد، وسيشجّعه بالتالي على التفكير بإخراج القوات التركية من غرب الفرات.

لن يسمح أردوغان بمثل هذا الاحتمال، على الأقل في المرحلة الراهِنة أي قبل الحل النهائي للأزمة السورية، وسيسعى إلى تأخيره عبر النقاشات المُطوَّلة حول تشكيل اللجنة الدستورية وتفعيلها وإجراء الانتخابات وإعادة إعمار البلاد، وهو ما يحتاج إلى سنواتٍ طويلةٍ ستكون كافية لترسيخ التواجُد التركي بكل مؤسّساته غرب الفرات.

يجري ذلك من دون أن يهمل أردوغان حساباته في العلاقة مع واشنطن ، وهو يستعد للقاءٍ مهمٍ وربما حاسِم مع الرئيس دونالد ترامب الأسبوع القادم في نيويورك. هذا اللقاء الذي أتوقّع أن يتمخَّض عن حوافز أميركية لأنقرة بغية تشجيعها على موقفها في إدلب، مفتاح كل المعادلات في سوريا، بانعكاسات ذلك على مُجمَل المواقف التركية في سوريا وأهمّها مضمون ومستقبل العلاقات التركية مع بوتين وروحاني، وعلى الأقل حتى القمَّة الثلاثية القادمة في طهران.

حتى ذلك الموعد لن يتقدَّم الحوار الثلاثي قَيْدَ أنملة على طريق الحل في إدلب، وسيقرّر الرئيس الأسد مصيرها بعد أن أعلن بوتين علناً دعمه للجيش السوري في حربه ضد الإرهابيين هناك.

وفي هذه الحال قد تكون المعالجة في إدلب سبباً كافياً لإنهاء الحوار الثلاثي بتحريضٍ من ترامب ، أو أنها ستفتح أبواب المصالحة السورية – التركية بعد الاستفزاز الأميركي واحتمالات أن يُغرِّد ترامب ويقول “إنه مُغرَم بوحدات حماية الشعب الكردية أكثر من حلفائه السابقين الأتراك”.

وربما لهذا السبب أراد الرئيس بوتين وهو يتحدَّث عن الوضع في اليمن أن يستشهد فجأة بقوله تعالى “واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمة الله إخواناً”.

وكان واضحاً أن بوتين قد حفظ هذه الآية ليقولها للرئيس أردوغان الذي يرفض المُصالحة مع الرئيس الأسد، فقط لأنه أفشل مشروعه العقائدي والتاريخي في المنطقة بعد ما يُسمَّى بالربيع العربي، حيث تبنّى جميع حركات الإسلام السياسي التي أثبتت فشلها منذ ظهورها على الساحة بضوءٍ أخضر أميركي.

وقبل أن نقول إن بوتين وروحاني قد عادا من أنقرة بخُفى حنين علينا أن ننتظر، ليس طويلاً، حتى نسمع ما سيقوله ترامب الأسبوع القادم لأردوغان وما سيقدّمه له دفعة واحدة أو بالتقسيط.

فقد راهن ويُراهن الجميع باستثناء الشعب السوري على عامل الزمن، ومضى منه ثماني سنوات، والباقي بعلم الحاج “محمّد علي بوتين” الذي قد يُفاجئنا هذه المرة بأداء العُمرة خلال زيارته القادمة للسعودية، وهي أسهل بكثير من قضية إدلب، و”الحبل عالجرّار” بين غرب الفرات وشرقه، وإلا لما قال أردوغان لبوتين خلال استقباله له Nice to meet you وهو يلتقي به منذ 2004 ولتنتهي القمّة بتقدّمٍ مثير (!) كما هي الحال في الجيش الإنكشاري، خطوة إلى الأمام وخطوتان

إلى الوراء.

اقرأ أيضاً : قمة أستانا :لا حماية للإرهاب .. سوريا ستعود كاملةً


يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولاقرأ المزيد

عاجــــــل