ما بين إدلب و درعا .. الرهان على الجيش السوري فقط

3٬281

ما بين إدلب و درعا.. الرهان على الجيش السوري فقط : وجد النظام التركي فرصة ذهبية ببداية الحرب السورية، وإمساك هذا الملف وتحقيق أكثر من هدف، آخره وليس اخيره عدوان مرتقب على شرق الفرات، في ضوء خلافات ظاهرية، ومباركة خفية مع واشنطن لهذا العدوان، لتتفرغ الأخيرة لخلط الأوراق مجددا في الجنوب السوري.

وكالة عربي اليوم الإخبارية _ د مهند سلامي

في النصف الأول من الأزمة السورية، كان التحالف التركي – الأمريكي في قمة الحراك السياسي والدبلوماسي والتحضير للأمور العسكرية، فأنشأت تركيا المخيمات قبل بدء الأزمة السورية، وفتحت ذراعيها مستقبلة العرب لكن ليس على هيئة سواح، بل لتدريبهم واستخدامهم بما يتناسب والمرحلة الجديدة،

فكانت المنصة والبوابة والداعم والمستقبِل والموجوع على السوريين، لتنقلب العلاقات مع سوريا من الأرض إلى السماء، فالجميع يستذكر معزوفاتها بشأن المنطقة العازلة تارةً والمنطقة الآمنة تارةً أخرى، فقد تورط التركي عسكريا واقتصاديا وبشريا في كل مفاصل الأزمة السورية، عن طريق تقديم الدعم المالي والتقني والعسكري والاستخباراتي لكل الجماعات الإرهابية المسلحة على مختلف جنسياتها، وكانت الكلفة باهظة ومؤلمة في ذات الوقت للشعب والأرض السورية.

إستثمار روسي

رغم كل ما سبق والدور التركي السلبي في سوريا، إلا ان التخبط في البيت الداخلي التركي كان واضحا، فكل الذي حدث، عمليا وواقعا لم يحقق للنظام التركي فائدة مرجوة رغم كل ما قامت به، فتارةً تهدد الإتحاد الأوروبي بقضية اللاجئين إن لم تقطف أجور تواجدهم على أرضها، وتارةً تراها في مشادات كلامية مع مصر حول الملف الليبي، وتارةً أخرى تضع قاعدة لها في قطر إبان الحصار الخليجي الأخير على الأخيرة، متحدية السعودية والإمارات العربية، إلى جانب فشلها في السودان بعد الإطاحة بعمر البشير

ولم ينسَ بعد أحد خلافها الأخير مع الولايات المتحدة الأمريكية حول صفقة الإس-400 الروسية، كل ذلك نبّه موسكو، فقد استشعر الروس حالة القلق العميق والتخبط التركي والتمسوا حاجة النظام التركي لمكسب ما في سوريا

فما كان من روسيا إلا أن دأبت على تحسين العلاقة معها لما لها فائدة من الممكن ان تقدمها تركيا لروسيا، في ظل وجود مصالح إستراتيجية بين الجانبين، كان لا بد لموسكو من أن تستثمرها في ظل عقوبات إقتصادية دولية مرهقة لها، فكانت صفقة الإس-400 الأخيرة ترجمة حقيقية للإستثمار الروسي على أرض الواقع.

أستانا وحلم “الحل”

اعتاد السوريون على عدم الإكتراث بكل جولات أستانا الماضية والحالية واللاحقة، لجهة عدم فائدتها على أرض الواقع، سوى هُدن خجولة هنا، ووقف إطلاق النار هناك، فكانت الجولة والتي تحمل رقم 13، لا جديد فيها سوى إشراك لبنان والعراق

فتركيبة البلدين المذكورين تؤكد أن هناك أفرقاء منها قسم مع سوريا الدولة، والقسم الآخر مع إطالة أمد الأزمة، لكن هنا ما يعنينا أن عودة اللاجئين وتأمين الحدود باتت قضايا لوجستية مرتبطة بالتعاون الكامل مع الدولة السورية على عكس المرحلة السابقة إذ كان المجتمع الدولي المعني بهذه الملفات

لكن وبالعودة إلى الدولة الضامنة تركيا وانخراطها في أستانا ليجعلنا نعتقد أنها هي من تمسك بمفاتيح الحل، فكيفما نتجه نرى لها صلة، فهي تريد كل شيء من لا شيء وبمقابل لا شيء، فبعد أن فشلت في استثمار ملف النازحين، رغم المعلومات التي تتحدث عن منح جنسيتها لأكثر من 100 ألف سوري، بقي بين يديها ملف إدلب ، والمناورة فيه من خلال إقناع هيئة تحرير الشام القبول بوقف إطلاق النار ورفض الجيش الحر
ذلك

ليؤكد أن رفض الأخير مناورة جديدة تعتمدها تركيا في عدوانها القادم على شرق الفرات بحسب الإعلام التركي وتصريحات مسؤوليه، هذا الرفض ما هو إلا مقدمة للجيش التركي أثناء العدوان، كما حدث تماما في سيناريو احتلال مدينة عفرين، وعندما يتحقق مرادها تعود لدمجهم مجددا مع هيئات أخرى أو حتى إعلان قبولهم بوقف إطلاق النار وكل ذلك بحسب المصلحة التركية.

فمسار أستانا ما هو إلا مسار نظري يريد الحف الآخر منه إشراك أطرافهم في سوريا من مقدمة اللجنة الدستورية إلى الإنخراط في مفاصل الحكم، وهذا لا يمكن أن يحدث إن لم يكن أصحاب هذا الحلم يملكون مشروعهم المفيد أصلا للشعب السوري، وهنا نعتقد أن ذلك حاليا على الأقل ضرب من خيال.

الموقف الأمريكي

إن الولايات المتحدة لا يعنيها إدلب وما يحدث فيها، وكأنها سلمت هذا الملف بقبول ورضا إلى التركي الذي ذكرنا أعلاه عن أهدافه المعروفة، وحتى واشنطن، كل سوريا كحاجة إستراتيجية لها غير مفيدة، لكنها ترى فيها موقعا هاما لتضييق الخناق على الروسي والإيراني وتكون قريبة من ربيبتها إسرائيل وتعاونها فيما تقوم به من خلال تواجدها على الأرض السورية بتواطؤ من جماعات قسد وغيرهم، إلى جانب نشاطها الملحوظ في الجنوب السوري وإعادة تفعيل غرفة الموك وتنشيط جبهة درعا في فضل جديد لا يُفهم منه إلا أنها انقلبت على كل التفاهمات السابقة إن وجدت أساسا

فالجنوب السوري أهميته تفوق الشرق والشمال بالنسبة لمحور واشنطن، لتماسه مع حدود الكيان الصهيوني، فتركت واشنطن ملف الشمال وتعقيداته للتركي، و أوهمت الجميع أن ثمة خلاف عميق مع الجانب التركي، بسبب صفقة الإس-400، وهذا من حيث الشكل صحيح، لكن من تحت الطاولة غير صحيح إطلاقا، فرغم قوة أمريكا لكنها بحاجة إلى أنقرة بعدما وعدت الأخيرة بتفاهمات على تعقيدات الملف الكردي

والذي يؤكد ذلك، أن الرئيس التركي نفسه ومسؤوليه قالوا بما يعني “سنعمل على إنشاء منطقة آمنة بعيدا عن واشنطن، وسنقوم بعمل عسكري على شرق الفرات لأن واشنطن لم تبدِ موقفها من ذلك”، هذا الصمت الأمريكي المريب ما هو إلا ضوء أخضر لعدوان تركي جديد في شرق الفرات، لتبيع بذلك الورقة المحروقة أصلا ألا وهم الكرد، فمع قوة التركي في ذاك الشريط، إن تخلت واشنطن عن الكرد وهذا ما سيحدث، ستكون المواجهة المقبلة كردية – تركية وستكون لتصفية الكرد.

في المحصلّة، إن محور واشنطن لا يعلم أن سوريا اكتسبت الكثير ولا تحتاج أحد في معركتها ضد الإرهاب، فقد ناورت على عامل الوقت مع الحلفاء، لكن إلى الآن لم يتحقق شيء سوى المماطلة في ملفات معقدة، يعمل محور واشنطن على زيادة تعقيدها، بينما الإنتظار قد أضاع فرصا ذهبية كثيرة آخرها تحرير إدلب ، فيجب التحرك وقطع الطرق في الجنوب والشمال، لإفشال المخططات الجديدة وإلا ستمتد الأزمة السورية لفصول متعاقبة لن نعرف منها إلا بدايتها.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولاقرأ المزيد

عاجــــــل