ما عجزت عنه السياسة.. حققه رجال الجيش السوري في الميدان

ما عجزت عنه السياسة.. حققه رجال الجيش السوري في الميدان :

لا يمكن تقسيم المشهد السوري إلى أجزاء، إذ أن جبهة الشمال السوري وتحرير مناطق واسعة منها، ستلقي بظلالها على شمال وشمال شرق سوريا، على الرغم مما يحاك من مخططات أمريكية – تركية هناك، ففي الثاني من آب/ أغسطس 2019 كانت قد أعلنت القيادة السورية وقف إطلاق النار مجددا، شرط أن تلتزم تركيا بذلك، لكن في الخامس من نفس الشهر استأنف الجيش السوري عملياته هناك لإستكمال التحرير، حيث أعرب سيرغي شويغو عن أمله أن يستقر الوضع في إدلب قريبا.

خاص وكالة عربي اليوم الإخبارية _ د. مهند سلامي

موقف روسي صارم

من بعد حوالي العشرة أيام من العمليات العسكرية المكثفة التي قامت بها وحدات الجيش السوري ، في الشمال من ريف حماة وإدلب، تم تحرير عدد من القرى والبلدات، وتختلف أهمية كل منطقة عن الأخرى من الناحية الإستراتيجية والعسكرية، ومع سقوط خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي، بالتزامن مع تحرير مورك واللطامنة ووادي العسل، والمستودعات ووادي العنز، ولحايا الغربية ولحايا الشرقية وكفر زيتا وعشرات المناطق الأخرى، لا يزال التقدم مستمرا وبخطى ثابتة نحو تحقيق الإنتصار الشامل في تلك المنطقة وتطهيرها من البؤر الإرهابية المتواجدة هناك فقد قال وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو في تصريح صحفي له :

“لم يكن من الممكن أن نتفرج، دون التدخل، على الهجمات وأعمال القصف المتكررة من الجانب الجنوبي بالمنطقة، لهذا السبب أبلغنا زملاءنا الأتراك بالإجراءات التي اتخذناها وسنتخذها”

وبالتالي، تركيا وبالدليل القاطع ثبت أنها غير ملتزمة بأي تعهد قامت به تجاه الحرب الدائرة في سوريا، فما كان من روسيا إلا أن أعلنت صراحة موقفها من ذلك، وهذا ما ركز عليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في القمة الثنائية التي جمعتهما قبيل انعقاد قمة قادة الدول الصناعية الكبرى، حيث شدد بوتين على أنهم ماضون في مساعدة الدولة السورية حتى تطهير كامل أراضيها، فهذه الرسالة حملها ماكرون إلى نظرائه في قمة مجموعة السبع وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية.

لم يخلو المشهد السوري من بعض التعقيدات، وما الموقف الروسي إلا تأكيدا على عمق العلاقات الثنائية بين موسكو ودمشق، فلم تقتصر اعتداءات الجماعات الإرهابية المسلحة على مواقع للجيش السوري أو مناطق المدنيين من السوريين، فقد تعرضت قاعدة حميميم لعشرات المحاولات عبر إستخدام الدرونز “الطيران المسيّر”، أو من خلال إطلاق قذائف من ريف اللاذقية الشمالي، من هنا بات التنسيق بين القيادتين الروسية والسورية في أعلى مستوياته

وما يؤكد ذلك ما ذكره سيرغي شويغو قبل بعض الوقت عن أن إنهاء الإرهاب ضرورة حتمية، حيث قال:

” نقلت إلى الشمال السوري، مجموعات المسلحين من باقي مناطق خفض التصعيد الـ 3، التي كانت واقعة في محافظة حمص والغوطة الشرقية لدمشق وجنوب البلاد، مشيرا إلى أن عددهم بلغ 37 ألف عنصر”،

فهذا الرقم ضخم جدا، إن كانت المعركة فقط معه، لكن بوجود تركيا وعدم إلتزام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتنفيذ إلتزاماته، بكونه العضو الضامن، والذي يلعب دورا محوريا لجهة تأثيره على التنظيمات الإرهابية المسلحة، إلا أنه لم يقدم أو يؤخر في هذا الموضوع من شيء، بل على العكس، إن أخبار التحرير الأخيرة، وضعته أمام خيارات محددة، وألزمته في البحث عن مخرج خاصة بعدما تعرض جنوده المتواجدين في نقاط المراقبة التركية في الشمال السوري للحصار، الأمر الذي دفعه إلى الإتصال بالرئيس الروسي ومن ثم الزيارة التي سنفرد جزءا من مقالنا للوقوف على تفاصيلها.

زيارة لتبرير الهزيمة

إن زيارة الرئيس التركي أردوغان إلى روسيا الإتحادية، ما كانت لتأتي في هذا التوقيت، إلا بعد كم الإنتصارات التي حققها الجيش السوري ، في أماكن دعم النظام التركي تحديدا، فما سيبحثه الرئيس التركي مع القيادة الروسية، في الأساس تم التباحث عليه في محادثات نور سلطان الكازاخية “أستانا سابقا”، وسيعاد بحثه في الأول من شهر سبتمبر/ أيلول 2019، في تكرار لنفس الوعود والتعهدات وعلى مدار ثماني سنوات

إذاً ما هو الجديد وما هي أسباب الزيارة التي طار أردوغان مسرعا إلى موسكو، إن هذه الزيارة ما هي إلا لتحصيل مزيد من الوقت الذي خسره علانية بعد تجرير كامل ريف حماة الشمالي وخسارة مدينة خان شيخون الإستراتيجية، وقد قالها أردوغان صراحةً ومن موقف المهزوم والضعيف، أن عمليات الجيش السوري في إدلب ومحيطها، أي الشمال، تضر بالأمن القومي التركي، ناهيك عن الحالة الإنسانية

فالمتابع عندما يسمع هذا الكلام ليعتقد أن القوات السورية نفذت هجوما واسعا في العمق التركي لا السوري، مما قد يضر بأمنهم القومي، فما كان من الدب الروسي إلا إحتواء التركي، وإفهامه أن للدولة السورية كل الحق في استعادة أراضيها وهذا ما نعمل عليه معها، و تواجدنا في سوريا لهذا السبب، فالجميع يعلم أن الاتفاق الروسي – التركي حول إدلب تم تنفيذه بصعوبة، من هذا المنطلق اعتبر سيرغي شويغو في حديثٍ سابق له، ان مدينة إدلب، هي الوحيدة المتبقية في إتفاق خفض التصعيد بعد السيطرة على المناطق الثلاث، في ريف حمص والغوطة الشرقية بريف دمشق ودرعا.

شروط فارغة

في القمة الثنائية التي جمعت بوتين وأردوغان، اشترط الأخير وقف هجمات الجيش السوري في إدلب، من أجل العمل على إستكمال تنفيذ إتفاق سوتشي، الموقع والمتفق عليه بين تركيا وروسيا، معتبرا أن المسؤوليات المُلقاة على عاتقه أي النظام التركي، بموجب إتفاقية سوتشي لا يمكن العمل بها ما لم تتوقف القوات السورية عن هجماتها في إدلب، فعلى الرغم من تأكيده كلما إلتقى بالجانب الروسي على وحدة الأراضي السورية، إلا أنه من غير الممكن أن يلتزم إذ بات عدم الإلتزام صفة ملازمة له

وفي غضون ذلك لا تزال العمليات العسكرية من الجانب السوري مستمرة، بين القوات السورية والفصائل الإرهابية المسلحة في محافظة إدلب شمال غرب سوريا، وسط أنباء عن تعرض نقطة المراقبة التركية في شير مغار لقصف جوي، وذلك بعد أن حاولت تلم التنظيمات الإرهابية مهاجمة نقاط ومواقع لـ الجيش السوري في سهل الغاب، حيث تعاملت القوات السورية معها مباشرةً، ونفذ ضدها سلاح الجو السوري أكثر من 5 غارات جوية بعدما حاولوا الاحتماء بالنقطة التركية في شير مغار

فهذا الحدث يؤكد أن روسيا بالتوازي مع سوريا لن تسمح بتمدد الإرهاب لا في إدلب أو غيرها، وستكمل المعركة مع القوات السورية حتى إسترداد إدلب وكافة الشمال السوري، وهذا ما أكد عليه مجددا سيرغي شويغو، بقوله “: لا يمكن أن نتفرج على الهجمات المتكررة في إدلب ومن إدلب دون تدخل”.

نقل الرسائل

بموازاة ما سبق يعتزم الرئيس التركي أردوغان الاجتماع بنظيره الأمريكي دونالد ترامب لبحث مسألة مدينة إدلب، خلال الأيام القادمة، وما هذا الإعلان إلا عبارة عن نقل ما جرى في موسكو ومشاورة الإدارة الأمريكية بعدما أعطته الضوء الأخضر ظاهريا حول موافقتها على عدوانه العسكري المرتقب في شرق الفرات، ومضيّهم قُدمُا بمسألة المنطقة الآمنة، الأمر الذي يؤكد أن القرار التركي غير منفرد، ولا يمكن لأردوغان التصرف لوحده دون الرجوع إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فمحاولة واشنطن قطع الطريق من التنف إلى البوكمال، بعد الإتفاقات الأخيرة بين إيران والعراق حيال مسألة مد أنابيب الغاز المشتركة، فما كان من الإدارة الأمريكية إلا أن أعادت إحياء داعش مجددا، لوضع ذريعة ملائمة لتواجدها في العراق وسوريا

دونما أن ننسى أنها نقلت الأجانب من تنظيم داعش إلى أفغانستان، في محاولة لإحياء الحرب الأهلية هناك، على الرغم من جلوسها وجها إلى وجه مع حركة طالبان، لكنها لن تدّخر جهدا بأن تتواجد على حدود الدول المسلمة التابعة للاتحاد السوفياتي السابق لإزعاج الروس، وهذا ما يرجح فرضية إنتقال الأزمة مجددا على أفغانستان، إلا أن الأزمة السورية لا تقل خطورة عن أي ازمة حصلت أو ستحصل، لأنه وبالنظر إلى الأهمية الإستراتيجية لسوريا لا يوجد أي منفعة لأمريكا فيها، سوى أن تكون الند لموسكو من قلب الوطن السوري، وتتوسط الدول المحورية كالعراق وتكون على مقربة من إسرائيل التي صعدت مؤخرا في العراق وسوريا ولبنان

لكن تبقى مسألة إدلب هي الأهم في الوقت الحالي وبعد تحريرها حتما هناك خطط موضوعة للشرق السوري، ونعيد ونستشهد بما ذكره الوزير سيرغي شويغو:

“إن اتفاق سوتشي المبرم في 17 سبتمبر 2018 بين روسيا وتركيا “عامل، لكن هناك صعوبات ومشاكل، اليوم بقيت هناك منطقة واحدة، وهي عاملة، لكن، برأيي، هذا يتم بصعوبة وتوتر”.

أخيرا، لقد جاء كلام الرئيس السوري بشار الأسد مؤخرا، واضحا وصريحا، بعد كمّ الإنتصارات التي حققها الجيش  السوري في الأراضي السورية، حيث أكد الرئيس الأسد أن معارك إدلب قطعت الشك باليقين عن دعم النظام التركي الواضع واللامحدود للفصائل الإرهابية المسلحة

مؤكدا على استمرار العمليات حتى استعادة كل الأراضي السوري، فقد توافقت تطلعات الرؤية السورية، مع القيادة الروسية وخاصة ما ذكره وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، ليتأكد أن الموقف الصريح للحلفاء يشد يدا بيد مع الدولة السورية، وهذا الذي أثبته الميدان السوري بعد نفض غبار الإرهاب من مناطق كثيرة من سوريا.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل