أساطيل البحرية الأميركية تناور شرقاً، تحوّل استراتيجي أمْ رسائل سياسية؟

11٬835

أساطيل البحرية الأميركية تناور شرقاً، تحوّل استراتيجي أمْ رسائل سياسية؟ – يعود التوتّر من جديد إلى منطقة الشرق الأقصى ولكن هذه المرة من جهة بحر الصين الجنوبي، وذلك بعد انخفاض حدّته أثر الاشتباك الكلامي الذي حصل مطلع العام الماضي بين الرئيس ترامب ورئيس كوريا الشمالية “كيم جونغ أون” والذي وصل إلى مستوى التلويح باستخدام السلاح النووي.

تأتي حال التوتّر هذه مباشرة مع “هدوء نسبي ملحوظ” بدأ يشهده الشرق الأوسط مؤخّراً على أثر أحداث الخليج الأخيرة، حيث تُبدي الأطراف حدّة أقل في مستوى الخطاب العسكري، وحيث أن شكل الجبهة (تماس بالنار – دوريات بحرية – استقدام حشود..) بدأ يميل نحو توازن معيّن فرضته إيران ومن خلفها محور المُمانعة.

بدأت الأحداث تأخذ منحىً تصاعدياً على أثر إبرام الحكومة الأميركية لصفقة أسلحة دفاعية مع حكومة تايوان الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة والتي تعتبرها الصين مقاطعة مارِقة، ولكن الأمور لم تقف عند هذا الحدّ حيث أخذ السِجال يشتدّ في بيانات وبيانات معاكِسة، تضاف إلى ذلك استفزازات عسكرية و تهديدات على أعلى المستويات.

فبعد أقل من يوم على إعلان بكين (أول من أمس) عبر تقرير دفاعي أنها «لن تتخلّى عن استخدام القوّة» في خطّتها لإعادة الوحدة مع تايوان، عبرت سفينة حربية أميركية تابعة للأسطول السابع مضيق تايوان الذي يفصل الجزيرة عن الصين، في تحدٍّ واضحٍ لحكومة بكين التي صرَّحت على لسان مُتحدّثة باسم وزارة الخارجية الصينية، إن الصين “عبّرت عن قلقها البالغ للجانب الأميركي” من تحرّكه الأخير في المضيق الفاصِل بين الصين وتايوان.

وبالرغم من أن هذا النزاع الحاصِل بين بكين وواشنطن والذي يمتدّ إلى فترة الحرب البارِدة ليس بالأمر الجديد، لا من حيث العناوين ولا من حيث المسار التاريخي، ورغم أن ملف النزاع القائِم بين الدولتين العُظميين يحوي – إضافة إلى مسألة تايوان- حرباً تجارية وعقوبات أميركية، يبقى ثمة سؤال يطرح نفسه لماذا يتجدَّد النزاع حول تايوان في هذا الوقت تحديداً وبهذا التصعيد اللافِت إن في المواقف السياسية العالية المستوى والسقف وإنْ في الرسائل العسكرية التي تتصدّرها دائماً صانِعة الحروب والأزمات أي الولايات المتحدة الأميركية؟

في الاستراتيجيا وفي منطق الدول العُظمى وبالاستناد إلى التوازن العالمي الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية وتبنّت رعايته الولايات المتحدة وحلفاؤها تحت سقف يحمل طابعاً أممياً، انطلاقاً من هذه المؤثّرات والتي لاتزال ثابتة حتى اليوم, يستفيد صنّاع القرار الأميركيون من المسألة التايوانية بمجالاتٍ قد لا يمكن تحصيلها بشكلٍ آخر، والتي تفسح في المجال أمام واشنطن بممارسة دورها العالمي كسيّدةٍ للعالم وراعية لمصالح كافة الأمم،

اقرأ أيضاً :  الإيرانيون يحذرون البحرية الأميركية من الإقتراب من الحرس الثوري

لذا تبقى تايوان في المنظور الأميركي حاجة ضرورية لعزل الصين سياسياً على قاعدة أنها ضدّ حقّ الشعوب في تقرير المصير، وفي المقابل تقف الصين عند حدود تلك العزلة، فهي إما تسمح للولايات المتحدة باستعمار تايوان وتقديمها كموطئ قدم لأميركا في الشرق الأقصى كما هي حال “إسرائيل” في الشرق الأوسط، وإما أن تثبت للجميع أنها خارج السقف الأممي وعلى مسافةٍ من محيطها العالمي الذي تحتاجه لتصريف إنتاجاتها الوفيرة.

وفي المقابل تعتبر حاجة الصين للملف التايواني في إظهار التبايُن السياسي بينها وبين الولايات المتحدة حاجة ضرورية، فبكين ثابتة في اتهام واشنطن بدعمها غير المشروع لانفصال “المقاطعة” في إشارةٍ خفيفةِ اللهجة على الامبريالية الأميركية، ولكن وكما يُجمِع معظم المُحلّلين، بأن الخطاب والصولات السياسية للحكومة الصينية لن تظهر إلاّ بعد ارتقاء الصين إلى مرتبة أول اقتصاد في العالم،

وبعد اكتمال تفاهُماتها وتحالفاتها وخطط وخطوط تجارتها مع جيرانها ومع العالم، وذلك وفق رؤية شاملة سيتم الإفصاح عنها عند نضوجها، وعند ذلك يمكن لنا أن نشهد تجدّداً للخطاب اليساري الذي كان سائِداً أيام الاتحاد السوفياتي والذي كان ينعت الليبرالية الأميركية بالامبريالية.

من الصحيح أن ساسة البيت البيض في الحكومات المُتعاقبة سعوا في مقاربة الملف التايواني من زاويةٍ اقتصاديةٍ في الدرجة الأولى، وبسبب الفرق التكنولوجي آنذاك وحاجات الأسواق العالمية للبضائع المُنافِسة، فقد سمح لهم ذلك بإلحاق الضَرَر بالسوق والإنتاج الصيني لفترة، كما سمح لهم بعوَلمة الاقتصاد الصيني، أما ومع زوال تلك المنافسة واكتساح المُنتجات الصينية الأسواق العالمية فقد أرسى الصراع على اتخاذ شكل سياسي في الدرجة الأولى، وقد لا نراه يحمل في المستقبل أية مضامين واعتبارات اقتصادية ذات قيمة تُذكَر.

إذاً، لا يوجد هناك تحوّل بالمعنى الاستراتيجي في انتهاج سياسة أميركية جديدة حيال منطقة بحر الصين الجنوبي، الذي كان ولا يزال يُعدّ أحد بؤر التوتّر العالمي، وأيضاً وبما يعني الصين فلا يوجد ما يدعو أو يشجِّع بشكلٍ قوّي على خلق تحوّلٍ كبيرٍ، فالأهداف تبقى مُرتهنة بسقف الغاية التي لا يبدو أنها تغيَّرت اتجاه الوجود الأميركي هناك،

اقرأ أيضاً : الحرس الثوري. : البحرية الأميركية تحت سيطرتنا الكاملة

ولكن اللافت صعود الخطاب العسكري والأمني الصيني إلى حدٍ لم نشهده منذ زمنٍ بعيد، وإن كان لذلك دلالة فقد تكون مرتبطة بالهيبة الأميركية المُتدنّية لاسيما بعد التطوّرات الأخيرة في الخليج والتي استطاعت إيران من خلالها تظهير الضعف الأميركي إنْ على صعيد تحالفاته العسكرية والسياسية أو على صعيد مستوى ترسانته العسكرية التي لم تستطع فرض نفسها أمام دولة عُظمى أقليمياً مثل إيران، فكيف سيكون لها ذلك أمام دولة عُظمى عالمياً مثل الصين؟

وفي النهاية، يبقى لنا أن نقرأ المشهد من زاوية الرسائل السياسية والتي لها ارتباط وثيق بتنامي النشاط العسكري الروسي في الشرق الأقصى، فقد عبّر قائد القوات الأميركية في المحيط الهادئ الأميرال فيليب ديفيدسون عن قلق بلاده من «التعاون العسكري القائم بين الصين وروسيا»، مُعتبراً قدرات روسيا في الشرق الأقصى “تهديداً وجودياً” وأضاف إن الولايات المتحدة تُخاطَر بفُقدان تفوّقها العسكري على الصين في منتصف العقد المقبل «إذا لم تتّخذ خطوات فعّالة».

أخيراً وبالرغم من الرؤية الأميِركية الجديدة التي تدعو إلى «التوجّه شرقاً بعد زوال خطر الإرهاب»، فالمشهد الأمني في الشرق الأقصى والذي قد يبدو مُتصاعِداً لن يحمل خواتيم مختلفة عن الخواتيم التي حملها التوتّر الأخير في منطقة الخليج، وقد يكون التصعيد الحاصِل عملاً يحمل رسائل سياسية وإنْ بأسلوبٍ تهديدي، فأدوات الولايات المتحدة الأخرى الترويجية والاقتصادية والمالية والدبلوماسية أصبحت صَدِئة، وفي مثل هذه الحال فاستخدام الأدوات العسكرية يصبح أمراً لا مفرّ منه.

اقرأ أيضاً : أين عثرت البحرية الأميركية على حطام الطائرة التي أسقطتها إيران ؟


 


يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولاقرأ المزيد

عاجــــــل