قِممُ مجموعة العشرين .. مشهدٌ لمصالحِ ونفاقِ الأغنياء

51

قِممُ مجموعة العشرين  : قممٌ سنوية تُعنى بمناقشة السياسات المالية والاقتصادية، وبمعالجة القضايا والأزمات المختلفة التي تتعرض لها دول المجموعة والتي تتأثر بها وفقا ًلأهدافها, وبما تراعي مصالح دولها, وكافة القضايا التي من شأنها التأثير على استقرار النظام المالي والاقتصادي العالمي بشكلٍ مباشر.

كتب المهندس ميشيل كلاغاصي : ومجموعة العشرين هي مجموعة من القوى الاقتصادية التي تضم أهم الدول الصناعية والناشئة العشرين والأكبر في العالم, بالإضافة لحضورٍ أممي يمثل منظماته الدولية كالبنك العالمي وصندوق النقد الدولي, حيث أُعتمد الحوار العالمي وسيلة ًلمناقشة أهم القضايا السياسة الاقتصادية والمالية, بغية الحفاظ على الاستقرار المالي في العالم, عن طريق تعميق التعاون والتكاتف فيما بينها, كما تُعنى بمناقشة المشاكل والمصاعب الاقتصادية والقيام بالإصلاحات الضرورية في النظام المالي العالمي, وإتخاذ الإجراءات الوقائية لتلافي الأزمات, وتلعب القمم دورا ًرئيسيا ًفي تخفيف التوترات الاقتصادية والسياسية, وفي صيانة النظام التجاري العالمي.

هذه المهام – المعلنة – تفرض عليها الإهتمام أيضا ًبطيفٍ واسع من العوامل المؤثرة والمرتبطة بالنواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإنسانية الناجمة عن النزاعات والصراعات والحروب التي تعاني منها دول المجموعة والدول الأخرى .. بفضل ارتباطها الوثيق بالحركة التجارية والإقتصادية العالمية والتي تتأثر بنتائجها كالهجرات واللجوء والحاجة الدائمة للمساعدات بكافة أشكالها.

ويبقى السؤال, هل تهتم قمم دول مجموعة العشرين بمصالحها الاقتصادية, و بالمسؤولية الإنسانية التي تلقى على عاتقها, بنفس الدرجة ؟ هذا إن كانت تهتم بها أصلا ً!, وهل يهتم عالم الأغنياء بعالم الفقراء, أم يكتفي بمعاملتهم على أنهم دول وشعوب مستهلكة لمنتجاتهم ومستوردين لأسلحتهم, ودمىً على مسارحهم, وبأحسن الأحوال زبائن دائمين في متاجرهم.

ومن السذاجة بمكان, أن تعتمد الدول من خارج المجموعة, على رؤية البنود والمواضيع المختلفة والمتعلقة بهم أيضا ًمدرجة ًعلى جدول أعمال القمم, لكن وفي أغلب الأحيان يتم تجاهلها والقفز فوقها, وتكتفي دول القمم بمناقشة مصالحها الخاصة, وبعقد اللقاءات الثنائية على هامش القمم, والتي تحظى وتستحوذ على اهتمامهم بشكل مطلق.

ويمكن لمتابعي هذه القمم ملاحظة إهتمام الإدارات الأمريكية المتعاقبة بها, وبسعيها لعدم تفوت فرص فرض هيمنتها على دول المجموعة من بوابة القيادة و”تحمل المسؤولية” … كما يمكن ملاحظة السلوك الأمريكي المعاكس تماما ً لمفاهيم الحوار والتعاون الدولي وكل ما من شأنه الحفاظ على النظام المالي والاقتصادي والتجاري العالمي, فقد غدت الحروب التجارية والعقوبات ونقض الاتفاقات من طرف واحد ورفع الرسوم الجمركية, تشكل استراتيجيةً أساسية واضحة لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية, ويعتبر سلوك الرئيس دونالد ترامب مثالا ًواضحا ً.

ومنذ وصوله إلى البيت الأبيض وضع علامات الإستفهام على نظام السياسة الإقتصادية بإقراره سياسة “أمريكا أولا” والرسوم الجمركية التي فرضها على الصين والاتحاد الأوروبي وروسيا وتركيا …إلخ , والحروب التجارية التي أطلقها, وابتعد عن القواعد الجامعة لمجموعة العشرين والمنظمات الدولية.

فقد تابع العالم منذ أيام انعقاد قمة دول العشرين في مدينة أوساكا اليابانية… والتي اختتمت أعمالها بعدما هيمنت على اجتماعاتها قضايا حروب التجارة والتوتر في الخليج وصفقات الأسلحة, وانشغل قادتها بلقاءاتهم الثنائية, بين باحثٍ عن تعزيز نفوذه وصفقاته, وثانٍ أثقلته الحروب التجارية, وثالثٍ هاربٍ من تهمٍ بالقتل تلاحقه, ورابعٍ مربك بملفات انتهاكه حقوق الإنسان, وخامسٍ يبحث عن صفقات السلاح , وسادسِ يهتم بالشكل وبإلتقاط الصور إلى جانب القادة الكبار.

فيما غابت قضايا الفقراء ودولهم, المرتبطة بشكلٍ مباشر بالاستقرار العالمي ونظامه المالي والإقتصادي, وغُيبت معها القضايا الإنسانية المرتبطة بقضايا حقوق الإنسان والمرأة, وبالقضايا المحقة والشرعية للدول والشعوب, وقضايا من أتعبتهم الضغوط والحروب المتعددة الأشكال التي يشنها “الكبار”, ونتائجها الكارثية بفعل الإحتلال والإرهاب وقضم الأوطان والاعتراف بها حقوقا ً للغير, وعبر الدمار والدماء والهرب واللجوء والجوع وفقدان الأمن والأمان والأهم فقدان الأوطان .. أي قممٍ وأي نظامٍ عالمي مالي واقتصادي, وأي أغنياء, وأي سراب…

في عالمٍ هيمن فيه البعض على البعض, وانقسم العالم إلى عالمين, غنيٌ يلتقي ويجتمع لزيادة الغلة, وفقيرٍ يدفع ضريبة وحشية و جشع الأغنياء, في وقتٍ يتحدث فيه البعض عن النتائج الباهتة لقمة أوساكا, وسط استغراب البعض الاّخر من الإتفاق على عقد القمة القادمة في السعودية, إذ يبدو المشهد مقروءا ًمن عنوانه, فلا إقتصاد يُرتجى هناك ولا حريات ولا حقوق المرأة وحقوق الإنسان, في معقل النظام الأكثر إرهابا ًحول العالم وبشهادة العالم نفسه, وهو الباحث عن إستقرار النظام العالمي عبر مجموعة العشرين!.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولاقرأ المزيد

عاجــــــل