بكين وموسكو تعيشان “شهر عسل” لأول مرة وهذه دلائله

بكين وموسكو  : يبدو أن العالم يتّجه إلى مرحلة تشبه إلى حد بعيد مرحلة عصر “توازن القوى” الأوروبي، أي التعددية القطبية والتنافس القومي، وسيكون من الصعب إعادة العالم إلى عصر الثنائية القطبية والاستقطاب الأيديولوجي الذي يوحد الجميع ويقسم العالم بستار حديدي، فالتمايز والتباين ضمن المحور الواحد سيمنع أية إمكانية لقيام تكتلات استراتيجية صارِمة تنافس بعضها البعض.
بكين وموسكو تعيشان “شهر عسل” لأول مرة وهذه دلائله

كتبت ليلى نقولا للميادين نت : كان المشهد الدولي في الذكرى الخامسة والسبعين لإنزال النورماندي والانتصار على النازية، لافتاً. ففي الوقت الذي اجتمع فيه الأوروبيون والأميركيون في فرنسا، كان اجتماعاً هاماً يعقد في سانت بطرسبورغ يجمع بين الرئيس فلاديمير بوتين والرئيس الصيني “شي”، ضمن مؤتمر سان بيترسبورغ الاقتصادي للتأكيد على وصول العلاقات الروسية الصينية إلى مستوى تاريخي من خلال زيادة التعاون الدبلوماسي والاستراتيجي بين الطرفين.

وفي الوقت الذي لم يقم فيه الأوروبيون بدعوة الرئيس بوتين إلى الاحتفال بالرغم من أنهم كانوا قد قاموا بدعوته عام 2004، قاطع الأميركيون منتدى سان بيترسبورغ الإقتصادي، متذرّعين بأن البيئة السائدة في روسيا ترهب ولا تشجّع المستثمرين الأجانب.

وعليه، تحدياً للقرار الأميركي بتحجيم وفرض عقوبات على الشركة الصينية العملاقة هواوي لعزلها دولياً، وقّع الروس مع الشركة اتفاقية لبدء تشغيل شبكات “جي 5” في روسيا.

واقعياً، منذ إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما استراتيجيته “التوجّه نحو آسيا”، إزدادت العلاقات بين بكين وموسكو تحسناً، وقطع الروس والصينيون مراحل هامة في علاقاتهما الثنائية تقطع مع إرث الحرب الباردة حيث ساد التوتّر والقطيعة بين البلدين…

استفاد الصينيون من قيام الروس بإشغال الأميركيين في الشرق الأوسط عسكرياً، الأمر الذي أخّر قدرة الإدارة الأميركية على تحويل القدرات نحو آسيا وبحر الصين الجنوبي لاحتواء الصين، ما سمح بتسارُع قدرتها على تطبيق مبادرة “طريق الحرير الجديد”. وهكذا، بدأت مرحلة جديدة من البراغماتية المزدوجة، جعلت تقاطع مصالح الطرفين في مواجهة الولايات المتحدة تطغى على تباين المصالح بينهما وسباق النفوذ في آسيا الوسطى.

اقرأ أيضاً :روسيا والصين : ماذا لو اتحدت جيوش تلك الدول ضد واشنطن؟

ولكن، وبالرغم من كل هذه المظاهر اللافتة، إلا أن العودة إلى الثنائية القطبية وبروز تكتلات كبرى تواجه بعضها البعض يبدو أمراً متعذّراً، فبالرغم من محاولة الأوروبيين والأميركيين إظهار نوع من وحدة الصف إلا أن الخلافات التي ظهرت في المعسكر الغربي بعد مجيء ترامب تجعل من المتعذّر إعادة تشكيل محور غربي متماسك. يأخذ الأوروبيون على ترامب تدخله في شؤون القارة، وتشجيع البريطانيين على الخروج من الاتحاد، كما تشجيع اليمين الأوروبي للوقوف بوجه توسيع الاتحاد أو زيادة فعاليته وقدرته.

ويطمح الأوروبيون، على الأقل ألمانيا وفرنسا، إلى أن يأتي يوم يعلن الاتحاد استقلالاً أمنياً وسياسياً عن الولايات المتحدة.

في المقابل، يأخذ ترامب على الأوروبيين، عدم قيامهم بزيادة مساهماتهم في موازنة حلف الناتو، واستغلال الغطاء الأمني الأميركي لتقليص موازنات الدفاع واستثمار أموالهم في التنمية الداخلية، في وقت يعاني فيه الأميركيون من أزمات إقتصادية داخلية. كما يُبدي ترامب استياءه من قيام الأوروبيين بشكل عام والألمان بشكل خاص بشراء الغاز الروسي، بينما يستفيدون من المظلة الاميركية الأمنية.

في المقابل، وبالرغم من كل التقارُب الصيني الروسي الحالي، وبالرغم من كل الكلام الذي أطلقه الرئيسان حول التعاون الاستراتيجي غير المسبوق، إلا أن سباق النفوذ وتباين المصالح في آسيا الوسطى بالإضافة إلى إرث من العلاقات التاريخية المتوتّرة، تجعل من “شهر العسل” الصيني الروسي، مجرّد مرحلة تفرضها الحاجة لمواجهة الولايات المتحدة الأميركية، وخاصة إدارة ترامب التي تدفع الجميع إلى المواجهة مع عقوبات إقتصادية وحروب تجارية متنقلة.

في النتيجة، يبدو أن العالم يتّجه إلى مرحلة تشبه إلى حد بعيد مرحلة عصر “توازن القوى” الأوروبي، أي التعددية القطبية والتنافس القومي، وسيكون من الصعب إعادة العالم إلى عصر الثنائية القطبية والاستقطاب الأيديولوجي الذي يوحد الجميع ويقسم العالم بستار حديدي، فالتمايز والتباين ضمن المحور الواحد سيمنع أية إمكانية لقيام تكتلات استراتيجية صارِمة تنافس بعضها البعض.

اقرأ أيضاً : الاتحاد السوفياتي البراغماتي يتشكل بألوان الصين وروسيا


 


يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل