المعادن النادرة أداة تهديد صينية بوجه واشنطن

دشن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ولايته بافتعال جملة مشاكل مع الصين وروسيا، أوضحها كان في المجال الاقتصادي، وتذكيره المستدام للصين بأنّ نهضتها الصناعية قائمة على انتقال التقنية والمصانع الأميركــية إليها سعياً وراء نسب مرتفعة من الأرباح.

المصدر : مركز الدراسات الأميركة والعربية

وسرعان ما تصاعد حجم العجز الأميركي في ميزان التبادل التجاري مع الصين على الرغم من أنّ نسبة صادراتها لأميركا تتأرجح بحدود 20 من مجمل صادراتها العالمية.

تجسّدت تباشير تلك المعركة مع الصين إبان سلفه الرئيس باراك أوباما، وتبلورت الخشية من تفوّق الصين بين صناع القرار في واشنطن لاعتقادهم بأنّ التقنية المتطورة والذكاء الإصطناعي «باتا مرشحين للإنتقال» إلى الشرق، عززها تخصيص بكين ميزانية عالية للإنفاق على صناعة التقنية والذكاء الاصطناعي بلغت 150 مليار دولار.

دقت وسائل الإعلام الأميركية، بالتزامن مع نزعات الإدارة العدائية للصين، ناقوس الخطر من تخلف الولايات المتحدة عن السيطرة على المواد الخام المصنّفة استراتيجية، والتي تعرف بالأتربة أو المعادن النادرة التي تعدّ الصين أهمّ منتج لها وتوفر الجزء الأكبر من الإنتاج العالمي لهذه المعادن، مما يعطي بكين احتكاراً فعلياً لسوق الأتربة النادرة.

جاء ذلك أيضاً في سياق كشف وزارة التجارة عن استكمالها تقرير قدّمته للبيت الأبيض بناء على طلب الرئيس ترامب عام 2017 لدراسة «آليات وصول الولايات المتحدة لاستخدام الأتربة النادرة»، التي تشمل 17 عنصراً تقع في أسفل الجدول الدوري الكيميائي للمعادن 4 حزيران الحالي .

أضاف التقرير محذراً أنّ «الولايات المتحدة تعتمد بشكل كبير على استيراد المعادن النادرة.. في حال قرّرت الصين أو روسيا إيقاف تصديرها للولايات المتحدة وحلفائها لفترة زمنية طويلة مشابهة للحظر الذي طبقته الصين على تصدير إنتاجها عام 2010 فإنّ أيّ عرقلة طويلة للإمدادات قد تتسبّب بهزات ملحوظة» استناداً إلى دور تلك المعادن «المحوري والاستراتيجي في الاقتصاد العالمي».

وزير التجارة ويلبر روس أوضح أهمية تقرير وزارته قائلاً «تلك المعادن بالغة الأهمية عادة ما يتمّ التغاضي عنها.. التوصيات المتضمّنة في التقرير تشير إلى أنّ الحكومة الفيدرالية ستأخذ إجراءات وتدابير غير مسبوقة لضمان استمرارية تدفق تلك المعادن الحيوية للولايات المتحدة».

المعادن النادرة قليلة التركيز في التربة بخلاف باقي المعادن بل بنسب جدّ ضئيلة وهو ما يجعل استخراجها مكلفاً. أوّل من اكتشف تلك المعادن كان العالِم السويدي كارل أكسل أرينيوس، 1787، في منجم قرب ستوكهولم.

توصيفها بالمعادن النادرة مردّه جملة حقائق، منها انعدام القدرة البشرية عن استخراجها ومعالجتها حتى عقد الأربعينيات من القرن الماضي، بعد أن تمّ تطوير تقنيات متطوّرة لاستخراجها وإنتاجها بكميات كبيرة.

المعادن النادرة هي: سكانديوم، الإيتريوم، وخمسة عشر اللانثانيدات اللانثانم، السيريوم، البراسيوديميوم، النيوديميوم، بروميثيوم، السمريوم، اليوروبيوم، الجادولينيوم، التيربيوم، الدسبروزيوم، هولميوم، الأربيوم، الثوليوم، الإيتربيوم، اللوتيتيوم .

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية والتقدّم العلمي الذي حققته البشرية في مجال الإلكترونيات، دخلت تلك المعادن في صلب الصناعات المتطوّرة والاستراتيجية، الأسلحة والدفاع، لوائح الطاقة الشمسية، رقائق الهواتف المحمولة وشرائح الكمبيوتر، توربينات توليد الطاقة من الرياح.

على سبيل المثال، دخل عنصر يوروبيوم في تصنيع «لوحات الكريستال السائل» لشاشات الكمبيوتر والتلفزيون والنيوديميوم في صناعة اقراص الكمبيوتر الصلبة وبطاريات السيارات الهجينة.

في التطبيقات العسكرية تحتلّ تلك المعادن حيّزاً محورياً في أجهزة الليزر والاستشعار بالرادار أو «سونار» الغواصات، نظم الصواريخ الموجهة، نظم التحكم في المصفحة الأميركية «آبرامز-1»، الأجهزة الإلكترونية على متن المدمّرات الأميركية من طراز DDG-51، الأقمار الاصطناعية، «القنابل الذكية»، أجهزة الرؤية الليلية، وأجهزة التحكم بالطيران المدني.


مواطن الإنتاج


تراجعت مكانة وقدرة الولايات المتحدة عن تبوؤ المصدر الأساس لاستخراج وتسويق تلك المعادن، واحتلت الصين مركز الصدارة منذ عقد التسعينيات من القرن المنصرم.

وقرّرت واشنطن إعاد فتح والعمل بأكبر منجم لتلك المعادن، عام 2013، في «ماونتين باس» بولاية كاليفورنيا، وكانت تعتمد عليه منذ دخوله الخدمة عام 1949، واستطاعت تحقيق معدّل اكتفاء ذاتي لفترة طويلة من الزمن، مكّنها من تصدّر صناعة شاشات العرض الملوّنة في عقد الستينيات من القرن الماضي، بفضل عنصر يوروبيوم.

تزايد اهتمام الدول المختلفة باستخدام تلك المعادن حفّز العلماء على الاكتشافات والتنقيب الدؤوب عنها، وحققت الصين مخزوناً معتبراً منها وأضحت تشكل 70 من الإنتاج العالمي لتلك المعادن، الأمر الذي دفع مشغلي المنجم الأميركي المذكور لتنقية ما تمّ استخراجه في الصين، وتدريجياً تراجعت القدرة والتقنية الأميركية عن عمليات التنقية المكلفة مادياً وما ينجم عنها من تلويث للبيئة بإطلاق غازات سامة.

بيد أنّ كمية من ينتجه منجم «ماونتين باس» لا يكفي ليسدّ حاجة وزارة الدفاع الأميركية، لا سيما تخلفه عن إنتاج عنصري «تيربيوم و ديسبروزيوم»، إذ يدخل الأول في صناعة البطاريات النقالة ونظم السونار البحرية، والثاني في صناعة الليزر وعواميد التحكم النووية والأقراص الصلبة والمدمجة.

واكتشفت الولايات المتحدة منجماً آخر في ولاية ايداهو، داياموند كريك، تقدّر محتوياته بنحو 13 مليون طن من المعادن النادرة، وفق تقديرات هيئة الجيولوجيا الأميركية وفي مناطق أخرى متفرّقة من الولايات المتحدة. كما أنّ الشركة الأميركية الوحيدة المنتجة لتلك المعادن، إم بي ماتيريالز، درجت على تصدير استخراج مناجمها إلى الصين بسبب عدم توفر القدرة الداخلية على تنقية المعادن.

بيد أنّ الصين درجت على الاستثمار في التنقيب واستخراج المعادن النادرة في عدة دول أخرى حول العالم، وخصّصت مصادر مالية لتمويل تلك العمليات بما فيها داخل الولايات المتحدة نفسها، في ولاية ميزوري، وامتلكت حصة قدرها 17 من موارد الشركة الأميركية المالكة لمناجم منطقة «آيرون هيلز» بولاية كولورادو.

وعلقت دول أخرى آمالها على استخراج تلك المعادن، منها كندا وأستراليا وجنوب أفريقيا وفرنسا واستونيا واليابان.


التنين الصيني


الولايات المتحدة قلقلة من تقدّم الصين لجملة من العوامل، لا سيما من أبحاثها في التطبيقات المتطوّرة لتوسيع مروحة استخدام تلك المعادن، خاصة في المجال الدفاعي الذي تسعى البنتاغون بكلّ الوسائل لعرقلة جهود الصين إنْ أمكن.

في هذا الصدد، قدّم أحد علــماء المعادن الأميركيين، كارل شنايدر، والعامل في أحـــد معامل وزارة الطاقة، تقريراً لعدد من أعضاء الكـــونغرس يحذر فيه من تدني جهود الأبحاث والتنـــقيب واستخراج المعادن الثمينة في بلاده إلى مستوى «يقرب من الصفر».

ردّت الصين على إجراءات العقوبات الأميركية والرسوم الباهظة التي فرضـــتها إدارة الرئيس ترامب على منتجـــاتها بحـــظر تصدير المعادن الثمينة للولايات المتحــدة، التــي وكما غيرها من الدول الصناعية تحتـــفظ بنســـبة احتيـــاط معتــبرة تمكّنها من الاستمرار في تصنيع منتجاتها إلى حين.

المعادن النادرة، كما أسلفنا، تدخل في العديد من المنتجـــات والأجــهزة اليومية التــي تزيّن رفوف المنازل الأميركية، خاصة في تصاعد الطلب على الهواتف المحـــمولة المصنّــعة بمعــظمها في الصين. بيد أنّ الأولويــة لاستخــدامها تذهــب للقــطاع الحربي وفق الاستراتيجية العسكرية المعتمدة.

أمام رفع الصين أسعار تلك المعادن، عام 2010، وارتفاع كلفة الأجهزة المنزلية وغيرها دفع الولايات المتحدة لتكثيف الجهود على استخلاص وتدوير مخزونها من تلك المعادن، لكن أهمّ عقبة تواجهها هي شحّ توفر العدد الكافي من المصانع لتنقية الشوائب، وهي عملية تستغرق زمناً طويلاً نظراً لطبيعة المعادن وندرتها قبل وبعد تنقيتها. كما أنّ تقنية التنقية المتوفرة لديها أقدم من نظيرتها الصينية في هذا الخصوص.

ما تقدّم يلقي ضوءاً على تداعيات العقوبات الأميركية والإجراءات الصينية المقابلة لها، والتي ستجد صداها في إبطاء تقدّم المجهود العسكري الأميركي وصدارة مكانته ومنتجاته في الأسواق العالمية على وجه الخصوص.


 

قد يعجبك ايضا
تعليقات
يتم تحميل التعليقات ...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولاقرأ المزيد

عاجــــــل