المشهد ما قبل صفقة القرن

338

المشهد ما قبل صفقة القرن : قد يبدو للبعض أنّ ما نشهده في أغلب أقطار الوطن العربي هو أمر جديد في عناوينه وتفاصيله والسبب هو العمل الدؤوب والمستمر لقوى الهجمة على المنطقة وتحديداً في الجانب الإعلامي لتحقيق عملية فصل الناس عن التاريخ والسيطرة على العقول عبر حملات تضليل دائمة وتشويه للوقائع

خاص وكالة عربي اليوم الإخبارية _ عمر معربوني مدير القسم العسكري

و ذلك لتسهيل فرض مشهد مقبول من فئة الشباب الذين لم يعايشوا المراحل السابقة وإظهار المشهد وكأنه نتاج سبب واحد وهو عدم تحقق العدالة الاجتماعية والظلم وما إلى ذلك بما يرتبط بمنظومات السلطة والحكم ، وهي أمور موجودة بنسب متفاوتة بين بلد وآخر لكنها ليست السبب الأوحد لاشتعال المنطقة ودخولها منذ سنوات حالة الحرب والفوضى .

عندما نتكلم عن صفقة القرن فنحن نعني مرحلة من مراحل الهجمة التي بدأت بشكل فعلي مع الإعلان عن اتفاقية سايكس – بيكو التي قسّمت المنطقة إلى كيانات سياسية بصيغتها الحالية بعد إنهيار الحكم العثماني في الحرب العالمية الأولى لتأتي إتفاقية سايكس – بيكو كنتيجة لتفاهمات بريطانية – فرنسية – روسية وزّعت النفوذ بحيث يخدم مسألتين أساسيتين :

  • – المسألة الأولى : تسهيل زرع الكيان الصهيوني في قلب فلسطين لضمان بقاء المنطقة في حالة إنقسام وتضاد وإبقائها تحت السيطرة الإستعمارية ومنحها وظائف ترتبط بتحقيق مصالح الإستعمار .
  • – المسألة الثانية : الإنتقال الى تحقيق ” إسرائيل الكبرى ” من الفرات إلى النيل وهي المنطقة التي تضم معظم الثروات المائية والنفطية للمنطقة العربية بحيث تكون تحت السيطرة المباشرة لقوى الناهب الدولي الممثلة حينها ببريطانيا وفرنسا بشكل رئيسي .

وفي استعراض سريع للمراحل التاريخية السابقة نجد أنّ الأهداف المعادية وإن تحقق جزء كبيرمنها الاّ أنها تعثرت في أكثر من مرحلة ولا تزال حتى اللحظة تعيش حالة التعثر والتراجع .

بعد صدور قرار تقسيم فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي حمل الرقم 181 في 29 تشرين الثاني / نوفمبر سنة 1947 كنا أمام نشوء الكيان الصهيوني في 14 أيار / مايو 1948 وتوسعت حدوده فيما بعد خارج حدود التقسيم الذي اقرّته الأمم المتحدة في العام 1967 .

المواجهة الأولى بما يرتبط بنشوء الكيان الصهيوني جاءت بعد ثورة الضباط الأحرار في مصر سنة 1952 والتي وضعت على رأس أولوياتها قضية تحرير فلسطين وهي الأولوية التي وضعت جمال عبد الناصر بمواجهة العدوان الثلاثي البريطاني – الفرنسي – الصهيوني والذي خرجت منه مصر منتصرة ما أسّس لمرحلة مواجهة جديدة إنتقل فيها ملّف المنطقة من بريطانيا وفرنسا الى أميركا سنة 1957 في عهد الرئيس الأميركي أيزنهاور

لتبدأ مرحلة تخطيط جديدة حملت اسم ” خطّة كيسنجر ” وزير الخارجية الأميركي الذي واكب خطّته حتى سنة 1974 من خلال المفاوضات السريّة بينه وبين السادات والتي نتج عنها بعد حرب تشرين سنة 1973 انسحابات تدريجية لمصر من المواجهة انتهت بزيارة انور السادات للكيان الصهيوني في 19 تشرين الثاني / نوفمبر سنة 1977 والتي تبعها اتفاقية كامب ديفيد في 17 أيلول / سبتمبر سنة 1978 وهي الاتفاقية التي أخرجت مصر من الصراع مع الكيان الصهيوني .

محطات أخرى تلت اتفاقية كامب ديفيد لم تكن أقل خطورة من تبعات تحييد مصر تمثلت بتوريط العراق بحرب دامت ثماني سنوات بمواجهة الجمهورية الإسلامية في ايران التي تبنّت قضية فلسطين ، هذه المواجهة التي كان هدفها إضعاف العراق وايران معاً هذه الحرب التي بدأت في 22 أيلول / سبتمبر سنة 1980 وانتهت في 20 آب / أغسطس سنة 1988 وتزامنت مع بداية انهيار الإتحاد السوفياتي الذي انتهى بشكل نهائي في 26 كانون الأول / ديسمبر من عام 1991 .

ما بين الحرب العراقية – الإيرانية وانهيار الإتحاد السوفياتي كنا أمام استحقاق خطير وهو إجتياح لبنان الذي نتج عنه خروج القوات العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية سنة 1982

هذا الخروج الذي ادّى إلى توقيع اتفاقية أوسلو بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني بتاريخ 13 ايلول / سبتمبر سنة 1993 والتي تبعها توقيع ” اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية ” والتي سُميّت باتفاقية وادي عربة وتم التوقيع عليها بتاريخ 26 تشرين الأول / أكتوبر سنة 1994 .

خلال الفترة بين عامي 1978 و 1994 بقيت سورية وحدها في المواجهة ومعها فيما بعد منذ العام 1983 حزب الله وبعض التنظيمات الفلسطينية التي رفضت الاتفاقيات وهو ما رتّب على سورية اعباءً كبيرة تشاركتها مع ايران ولا تزال في دعم المقاومات الناشئة في لبنان وفيما بعد في فلسطين .

محطة أخرى لا تختلف في خطورتها من حيث التوقيت والأهمية وهي غزو العراق للكويت بتاريخ 2 آب / أغسطس سنة 1991 والتي انتهت بغزو العراق واحتلاله ما بين 19 آذار / مارس والأول من أيار / مايو وكانت بمثابة تدمير شامل للعراق وبنيته وتحطم الجيش العراقي الذي كان من بين أقوى الجيوش العربية .

ما بين غزو الكويت واحتلال العراق كنّا امام محطة مشرفّة يتيمة في 25 أيار / مايو تمثلت بتحرير المقاومة اللبنانية لمعظم الأراضي اللبنانية التي كان الكيان الصهيوني يحتلها والتي كان لسورية وايران فيها ايادٍ بيضاء دعماً وتدريباً وتمويلاً

وهي المحطة التي عكّرت صفو المخطط المعادي وادّت إلى اتخاذ قرار احتلال الكويت مقدمة لإخضاع سورية وهوما حاول كولن باول وزير الخارجية الأميركي حينها فعله عندما زار الرئيسين بشار الأسد وإميل لحود

ومحاولته فرض شروطه الهادفة إلى إخضاع سورية ولبنان وهو الأمر الذي لم يتحقق له بسبب موقف الرئيسين الأسد ولحود الذي كان موقفاً مشرفّاً لكليهما .

وحتى لا اطيل كثيراً جاء الرد الأميركي سريعاً من خلال إصدار قانون محاسبة سورية وإصدار القرار 1559 أواخر سنة 2004 ليتبع ذلك اغتيال الرئيس رفيق الحريري بتاريخ 14 شباط / فبراير واتهام سورية وخروج الجيش العربي السوري من لبنان

ولنكون أمام محطة استثنائية في تموز / يوليو سنة 2006 حيث استطاعت المقاومة اللبنانية من دحر العدوان الصهيوني وتحقيق تحولات كبيرة في قواعد الإشتباك وحجم المخاطر الوجودية على الكيان الصهيوني

بالإضافة طبعاً الى المستوى الكبير من الصمود للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة أعوام 2008- 2009 وفيما بعد عامي 2012 و2014 التي سبقها في عام 2005 خروج الجيش الصهيوني من القطاع وتفكيك المستوطنات

وهو ما دفع الأميركيين الى الإنتقال لتنفيذ آليات جديدة قائمة على إحداث الفوضى في أقطار عربية مختلفة بدايات العام 2011 لا تزال قائمة بالاعتماد على التمويل الخليجي والأدوات الإرهابية التي تحققت فيها هزائم كبيرة في سورية والعراق ولبنان وبات تحقيق النصر عليها بشكل ناجز قريباً .

وما نشاهده هذه الأيام من آليات ومسميات لا يعدو كونه استمراراً للمخطط القديم الجديد الذي يشهد تراجعا في تأثيره بالرغم من عملية التسويق السياسية والإعلامية والتي لن تكون خواتيمها مطابقة لمخططات العدو .

تعليقات
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولاقرأ المزيد

عاجــــــل