ما بين التهدئة واشتعال الحرب.. الشرق الأوسط على صفيح ساخن

1٬653

الحرب : الشرق الأوسط على صفيح ساخن : يراهن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على احتمالية تغير “قواعد اللعب”، وربما يكون هناك مساحة لأصوات أكثر اعتدالا تشجعه على غمار خوض اللا حرب، و لديهم ذات الرغبة الأمريكية في التخفيف من حدة التوتر.

خاص وكالة عربي اليوم الإخبارية _ د . مهند سلامي

رغم ذلك هناك خطاب عدائي أمريكي تجاه إيران، يثير مخاوف إندلاع صراع أوسع في المنطقة، فلقد شهدنا هذا الصراع في السابق، الأمر الذي يعتبر قديما حديثا، أي منذ اندلاع الثورة الإسلامية الإيرانية قبل أربعين عاما، وإلى اليوم، فمحور واشنطن يعتمد على شيطنة إيران واتهامها بالتدخل بشؤون البلاد خاصة الداخلية منها كما في سوريا واليمن.

ساحة مواجهات

مع مرور الوقت زاد الخلاف بين واشنطن وإيران عقب خروج أمريكا من الاتفاق النووي في العام 2015،إلى جانب فرض عقوبات اقتصادية على إيران، لكن وكعادة الجمهورية الإسلامية لم تكترث لتلك العقوبات رغم أنها الأشد من نوعها حاليا، بل اعتمدت على الإكتفاء الذاتي والاتجاه نحو الشرق الأقصى كدول البريكس وأمريكا اللاتينية والصين وروسيا

وعلى الرغم من ذلك لم تتوقف إدارة ترامب عن نصب المكائد لها، فجاءت ضرب ناقلات النفط في مياه الخليج، لتطلق أصابع الإتهام نحو إيران بشكل مباشر، رغم أن التحقيق لم يثبت ضلوعها في أي من الحوادث إن كان في ميناء الفجيرة أم في بحر عُمان

إلا أن الجغرافيا وتحكم طهران بمضيق هرمز على ما يبدو أنه يضيق على واشنطن وبالتالي تحتاج إلى ذريعة محددة لكف يد إيران خاصة لجهة منعها من تصدير النفط بطرق غير شرعية بحسب زعم الإدارة الأمريكية.

من هنا أصبح “مضيق هرمز” مرة أخرى، ساحة مواجهات حديثة إذا ما قورنت بأحداث سابقة إبان الحرب العراقية – الإيرانية.

ما الجديد!

لقد أصبحت إيران أكثر قدرة من أي وقت مضى في إمتلاك قوة ردع ذاتية الصنع بدءا من الصواريخ وليس انتهاءً بالدرونز إلى جانب تخصيب اليورانيوم السلمي وامتلاك أسلحة نووية تعتبر سبب هستيريا الولايات المتحدة ومعها إسرائيل،أن تمتلك دولة في الشرق الأوسط هذا السلاح وتنافس به تل أبيب لتوازيه في معادلة الصراع

فمع تصاعد الهجمات على ناقلات النفط، ما يهم البيت الأبيض هو الزج بالمزيد من القوة العسكرية البشرية في بحر الخليج، لعدد من الأسباب:

  • أولا: حماية دول الخليج من إيران.
  • ثانيا: سحب المزيد من الأموال الخليجية بحجة تأمين موانئهم وناقلاتهم، والحفاظ على أمن وسلامة الناقلات الأجنبية.
  • ثالثا: لتؤكد لحلفائها أنها على جاهزية عالية ضد أي اعتداء إيراني وشيك عليهم.

فالقضية ليست حماية لناقلات النفط بقدر ما هي الاستحواذ على كل مقدرات المنطقة، رغم أن الواقع الاقتصادي لواشنطن يقول أنها ليست بحاجة للنفط في الشرق الأوسط، نظرا لاستخراجه من أراضيها وتصديره ومنافسة السوق الروسية فيه

من هنا نرى أيضا الملفات التي تحاول فيها تمرير العقوبات على موسكو من باب شبه جزيرة القرم وعدم اعترافها بتبعيتها لروسيا ومن البوابة الأوكرانية وقبلها جورجيا.

إن ما يحدث عبارة عن إرسال إشارات ورسائل تهديد من الجانبين، ومؤشرات الوقت الحالي تدلل على أنه من غير المرجح أن يكون هناك حربا بسبب الناقلات، ولا يريد أي طرف مواجهة شاملة

لكن في الحين نفسه، هناك من يعمل على التصعيد وزج الولايات المتحدة بحرب إنطلاقا من كشر شوكة إيران، وهذا ما لا يستطيع أحد أن يتنبأ به، ورهن تحقيقه مرتبط بما تخبئه الأيام من تطورات.

ومنذ أن أعلن الجيش الإيراني، إسقاطه طائرة تجسس أمريكية اخترقت أجواء البلاد، وليس في المياه الدولية كما يدعي الجانب الأمريكي، تفاجأ الرئيس ترامب، ولم يعرف ما هو التصرف التالي

لكنه عاد بعد ساعات ليصرح بأن إيران ارتكبت خطأ فادحا، فإسقاط طائرة أمريكية هو جزء من حرب مستمرة منذ 40 عاما، إن أحدثت إنفجارا كبير في المنطقة، سيكون الجميع خاسرا، باستثناء أن الثابت الوحيد أن الشرق الأوسط سيتغير بدون أدنى شك

فمع عمق التطرف وإفتعال الأحداث أغلبها مخطط له ينبئ بعمق المواجهة وامتدادها لتطال الجميع، لكن المؤكد لا أحد سيعرف متى ستنتهي ولا كيف هي نتائجها ولا لصالح من، فضجيج طبول الحرب من المؤكد أنه سيأخذ البشرية إلى وادٍ سحيق لا خروج منه.

حدث مهم

إن إسقاط إيران لطائرة تجسس أمريكية، أمر كبير جدا، يعني أن هناك قرارا إيرانيا للمواجهة، وجهوزية عالية لأي سيناريو أمريكي، فضلا عن أن هذا الحادث قطع الشك الأمريكي باليقين، إمتلاك إيران أسلحة متطورة خاصة جويا.

إن لإسقاط الطائرة المسيرة دلالات خطيرة جدا، الأمر الذي سيحدث تحولًا كبيرًا في استراتيجية المواجهة بين طهران وواشنطن، التي انتقلت من مرحلة التهديد الكلامي، إلى التهديد العسكري، فمن ناحية طهران هي ملتزمة بعدم التصعيد أو الدخول في حرب

لكن أي عملية تهدد مصالح طهران في المنطقة أو في الداخل الإيراني سيكون له عواقب وخيمة على القوة المعتدية ومن تحالف معها بدون أي تردد.

خلافات داخلية أمريكية

رغم التصعيد وفيما يهدد الرئيس الإيراني حسن روحاني برفض الإملاءات الأمريكية، يؤكد أن بلاده لا تريد الحرب لكنها مستعدة للدفاع عن نفسها، أما وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو فيقول إن ‘الرئيس ترامب لا يريد الحرب

وهناك رسائل كثيرة يتم تبادلها بين البلدين في الوقت الحالي، الأمر الذي يعني أن كلا الطرفين يعرفان عواقب الحرب ويترددان في دخولها

لكن وجود شخص مثل جون بولتون “عاشق الحروب” وضغطه المستمر على ترامب ومع مايك بومبيو وإن لم يقولها الثاني علنا، يقفان مع تشجيع اندلاع الحرب، في حين أن الجيش الأمريكي مع نائب وزير الدفاع بالوكالة الأسبق باتريك شانهان يرفضون هذه المغامرة ليس الآن فقط بل منذ بداية تصاعد التوتر بين الجانبين ويعلمون أنها ستحرق كل من يدخلها

الأمر الذي يؤكد أن هناك خلافات عميقة في الدولة العميقة نفسها، مع من يريدون حرب وآخرون يبحثون عن التهدئة، أما ترامب فما يأمله هو استثمار هذا التصعيد وزجه في ملف انتخاباته الرئاسية المقبلة، وتمديده لولاية جديدة

لكن مع استمرار الضغط فقد يتهور ويأخذ قرارا سيكون شبيها بما افتعلته الإدارة الأمريكية في عهد جورج بوش الإبن وغزو العراق، فهل يتهور ترامب ويفعلها؟، سؤال أيضا جوابه مرتبط بتطورات الأحداث المقبلة؟

تهيئة الذريعة

كما أسلفت أن للحرب إمكانية اندلاع وإمكانية ضبط الأنفس، لكن ما يحدث اليوم على الساحة الدولية يشير إلى أن هناك من يرغب بالحرب لأسباب تنطلق من دوافع شخصية على حساب المنطقة برمّتها،

فإيران ومحورها لا ترغب بحرب، لكن هذا لا يعني إن حدثت أنها غير جاهزة ومستعدة لها، وهذا ما أدركته واشنطن جيدا، لكن الإدارة الأمريكية تعتمد في تحقيق النجاحات لها، من خلال الشق العسكري، وأن زرع جنودها في مناطق التوتر هو ما يضمن لها تحقيق المكاسب

وهذا من الناحية النظرية صحيح، لكن لم يحقق لها شيء في أفغانستان، ولا حتى بالعراق على المستوى الذي كانت ترتجيه، أيضا في سوريا، فـ الشرق الأوسط ككل لم تحقق إلا في منطقة الخليج، لذا، الجميع يعلم أن هناك أطرافا خليجية تشجع على الحرب، ولن نستغرب إن عرضت تمويلها كما حدث في ليبيا وسوريا.

فواشنطن اليوم تعمل على ضغط ملفها وتجميع ما يجعلها تبرر لنفسها أمام الرأي العام العالمي والأمريكي، إن افتعلت حرب أو أضافت المزيد من العقوبات على دول المنطقة وتحديدا إيران، فبالحالتين تعمل على أن تستثمر أي حدث إن كان حاليا أو لاحقا، ولن نستغرب إن شاهدنا في الأيام المقبلة قرارا أمريكيا بضربات موضعية لأمريكا على إيران، حفظا لماء الوجه أو أملا بالرد الإيراني، الموقف الذي سيشعل المنطقة.

في الختام، المنطقة على صفيح ساخن، وأصغر الإحتمالات التهدئة، وأكبرها اشتعال الحرب، حرب يدرك الجميع مخاطرها، لكن من يتحكمون بالعالم، لا يدركون عواقب هذه العاصفة المقبلة، أم المواجهة ستكون بزيادة تخصيب اليورانيوم الإيراني!

*مؤسس ومدير وكالة عربي اليوم الإخبارية

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولاقرأ المزيد

عاجــــــل