القاهرة ـ واشنطن وشكل العلاقة الجديد

زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى واشنطن ولقاءاته هناك وتوقيت الزيارة والتصريحات المنبثقة عن اللقاءات وكذلك المتزامنة معها، كلها بحاجة إلى تدقيق ومحاولة استقاء بعض الدلالات عبر محاولة لفك الاشتباك بين التداخلات المؤثرة على التحليل، وهي معقدة لسببين رئيسيين وهما:

كتب إيهاب شوقي لموقع العهد

الاول: أن كل طرف سواء إعلامي او سياسي ينظر للزيارة من خلال اجندته وقد ينعكس ذلك على ابراز العناوين ومحصلة التحليل، فهناك من يخرج بأن الزيارة على خلفية تعديلات دستورية سيتم التصويت عليها قريبا، وهناك من يقصر الزيارة على صفقة القرن المزعومة وهناك من يحيلها كالعادة الى صفقة سرية تتوارى خلف ملفات روتينية وأن هناك ما هو خفي بين الكواليس.

الثاني: تعدد الأحداث والملفات المحيطة بتوقيت الزيارة، مثل الانتخابات الاسرائيلية واقتراب التصويت على تعديلات الدستور بمصر وتصعيد الاستهداف الأمريكي للمصالح الايرانية والتصعيد غير المسبوق مع الحرس الثوري، وكذلك تطورات الأوضاع في ليبيا والجزائر، وكل ذلك إذا أضيف إلى القرار الأمريكي الأخير بشأن الجولان المحتل، فإن الزيارة تزداد أهمية وإثارة، والسبب الرئيسي لها وما سيتمخض عنها يزداد غموضا والتباسا.

ولأن الزيارة ليست الأولى، وانما تعد الثانية من نوعها بعد زيارة في نفس التوقيت تقريبا، في مطلع نيسان/ ابريل 2017، فإن ما بين الزيارتين يعطي بعدا تحليليا مضافا، ويمكننا هنا مناقشة بعض الدلالات المباشرة وغير المباشرة للزيارة كما يلي:

1ـ في الزيارة الأولى منذ عامين صدر كلام عن الرئيسين للصحفيين بعد اللقاء، وهذه المرة صدر كلام مشابه، وفحواه أن العلاقات بين البلدين علاقات استراتيجية متينة، وربما ما قيل هذه المرة هو تعبير أكثر حميمية، حيث قيل إن العلاقات في أفضل وضع لها منذ عقود، وهنا لا بد من الخروج بدلالة مباشرة منعزلة عن الكلام الدبلوماسي الذي لا يخلو بالطبع من مجاملات تقليدية.

وهذه الدلالة هي أن مسألة القدس والجولان وممارسات أمريكا في المنطقة لم تؤثر على العلاقات المصرية الامريكية، وأن هذه القضايا ليست من النوعية التي يمكن أن تفسد للود الاستراتيجي بين البلدين قضية!
لأن الأعراف الدبلوماسية تتحمل اعلان الخلاف ومهما كانت المجاملات في اللقاءات والمؤتمرات وما يخرج للعلن من مواءمات، فإن هناك قضايا خلافية يمكن الإعلان عنها بكياسة ودبلوماسية، لكن عدم ورود ذكر للخلاف أو حتى تباين لوجهات النظر، هو إقرار مصري (حتى لو كان سهوا) بالموافقة على ما قامت به أمريكا وإذعان لكل القرارات الأخيرة، الأنكى من ذلك، أن التعبير الخاص بأن العلاقات في أفضل حالاتها هو بمنزلة اتفاق مع أمريكا وتطابق في وجهات النظر!

2ـ ما أعلنه بومبيو تزامنا مع وجود الرئيس المصري، من أن مصر ستتعرض لعقوبات في حال إتمامها لصفقة مقاتلات روسية من “طراز سو-35” هو بمنزلة إعلان أمريكي صريح على دخول المنطقة في مرحلة استقطاب شديد وأننا في حالة من حالات الحرب الباردة الصريحة، وأن من غير المسموح إقامة توازنات في العلاقات بين أمريكا وروسيا، وأن زمن الموازنة أو اللعب على جميع الحبال قد ولى، وهذا تخيير صريح من أمريكا لمصر بين العلاقات الودية والغضب والعقوبات، وكأن ترامب يقول للرئيس المصري: “إما أمريكا وإما الروس”.

3ـ رغم الملفات الكثيرة التي اجتهدت الصحف والتحليلات للقول انها على طاولة البحث، وعددت العديد من وسائل الإعلام الملفات لدرجة أن شملت كل القضايا العالمية، إلا معظم التحليلات الرصينة وتسريبات الصحف الكبرى ذات الاطلاع أجمعت أن الملفات الرئيسية للزيارة تتلخص في ثلاثة ملفات، هي الحرب على الإرهاب والعلاقات العسكرية والتجارة، وهذه الملفات بالتأكيد تشمل ملفات أخرى، إلا أن كل ملف منهم خطير في ذاته ولا يستهان به، ويمكن لذلك تفصيل مستقل:

اولا: فملف الإرهاب تدخل به ملفات سوريا وليبيا والتسويات المعقدة للملف السوري، ومقياس النجاح في التعاون مع أمريكا هو مدى التجاوب مع التسوية الأمريكية!

ثانيا: ملف العلاقات العسكرية يشمل التعاون مع الشركات الأمريكية وما يشترطه هذا التعاون من ممنوعات ومحظورات مثل التي أعلن عنها بومبيو والخاصة بمدى التعاون مع الروس!

ثالثا: وملف التجارة له علاقة يمتد خيطها بمنظمات العولمة وتصنيفها الائتماني الذي يرجح الاستثمارات وكذلك صندوق النقد وشروطه وما يمكن أن يتمخض عن ذلك من مساومات وابتزازات.

يمكننا تلخيص الزيارة في أنها ترسم خارطة طريق مختلفة للعلاقات المصرية ـ الأمريكية، وتأتي في وقت تمر به مصر بأزمة اقتصادية حيث تقبل على مرحلة جديدة من رفع الدعم على المحروقات وأزمة مجتمعية متوقعة، إضافة إلى أزمة دستورية تتعلق بتعديلات مفروضة في ظل غياب تام للحياة السياسية ولقوى المعارضة، وتريد مصر أن تمر من هذه الأزمة دون مضايقات خارجية تتعلق بضغوط اقتصادية أو سياسية تتعلق بالشرعية، ولا سيما وسط تصعيد الكونغرس مع مصر وتصدر ترامب شخصيا لقائمة المدافعين عن النظام المصري، وهو ما يخلق هذا التجاوب التام مع ترامب وعدم إعلان حتى أي تباين في وجهات النظر ولن نصل هنا إلى مرحلة الاعتراض أو الخلاف.

الخارطة الجديدة إذا ما سارت بهذا النسق في أن مصر لن تبدي خلافا مع أمريكا في القضايا الرئيسية المتعلقة بالتسويات السياسية، وكذلك ستتأثر العلاقات مع الروس حيث سيضيق هامش المناورة والتوازنات، وستكون مصر مخيرة بين الروس والأمريكان خيارا صريحا خاضعا لاستقطاب حاد، ملف التجارة والمنظمات الدولية سيبقى حصرا بيد الأمريكان ترغيبا وترهيبا وهو ما سيؤدي لزعزعة محتملة في الاستقرار الداخلي لمصر.


 

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل