أوغلو: إمام أوغلو يقلب الطاولة على أردوغان

5٬297
  • شهدت تركيا، نهاية الأسبوع الماضي، انتخابات تاريخية من حيث نتائجها. ورغم أن الانتخابات المحليَّة لا تكتسي أهمية بقدر الانتخابات البرلمانيَّة والرئاسيَّة

غير أن الذي أضفى عليها أهميةً كبيرةً إلى هذا الحد هو انتقال إدارة كل من بلديتي إسطنبول وأنقرة إلى حزب الشعب الجمهوري المعارض

و ذلك بعد بقائها في قبضة الرئيس رجب طيب أردوغان مدة 26 عاماً، وهو الأمر الذي هزّ أردوغان لأول مرة منذ 17 عاماً من حكمه البلاد، إلى جانب توجيهه ضربة قويَّة إلى شخصه وحزبه العدالة والتنمية في آن واحد.

خاص وكالة عربي اليوم الإخبارية – حوار سمر رضوان

عن أهمية خسارة أردوغان وحزبه لأهم بلديتين في تركيا، وتداعيات ذلك على مستقبله السياسي داخليا وإقليميا

يقول الأستاذ تورغوت أوغلو، المدير الإقليمي لصحيفة الزمان التركية الدولية بالشرق الأوسط، والمحلل السياسي التركي من لندن لـ “عربي اليوم”:

  • صفعة شعبية

من المعلوم أنه إذا ما تم الحفاظ على “القلعة” وحمايتها، فإن سقوط مستوطنات صغيرة محيطة بها لا يحمل أهمية استراتيجيَّة مهما كثر عددها.

وهذه الصورة هي التي تنطبق تماماً على الوضع الحالي لحزب العدالة والتنمية، إذ خسر كبرى مدن تركيا، أي قلاعها، وإن حافظ على المدن الصغيرة، وزاد من نسبة أصواته.

فالمعارضة اختطفت معظم المدن، التي تتمتع بثقل سياسيّ واقتصاديّ وثقافيّ من يد أردوغان.

فقد انتقلت أنقرة، العاصمة الإدارية لتركيا، وإسطنبول، عاصمتها الاقتصاديَّة والثقافيَّة، إلى يد المعمعارضة، إلى جانب مدينتي إزمير، لؤلؤة بحر إيجه، وأنطاليا، لؤلؤة البحر المتوسط، اللتين تعدان من أهم الوجهات والمراكز السياحية في البلاد.

وإن أردنا التعبير عن تلك الحقيقة بالأرقام الملموسة، فإن 21 مدينة فاز بها الحزب الجمهوري تسيطر على 62٪ من حصة البلاد الاقتصاديَّة.

حسناً، فلماذا تلقَّى الرئيس أردوغان هذه الصفعة من الشعب التركي؟

يمكن أن نلخص الأسباب تحت أربعة عناوين رئيسية:

  • أولا: الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.
  • ثانيا: الخطاب القائم على الكراهية والعداوة والإقصاء المؤدي إلى اضطرابات سياسيَّة ومجتمعيَّة.
  • ثالثا: ممارسة القمع والتضييق على الحريات.
  • رابعا: انتشار الفساد والرشوة.
  • هشاشة إقتصادية

وتفريع ذلك أن أردوغان كان وصل إلى سدة الحكم عام 2002 في أعقاب الهزَّات الارتدادية لأزمة 2001 في كل العالم. والأزمة الحاليَّة بدأت تضرب المستثمرين والتجار المتوسطين والصغار منذ بداية عام 2018

الدخل القومي للشخص الواحد تراجع للمرة الأولى إلى أقلّ مما كان عليه قبل 12 عاماًإذ انخفض إلى 9 آلاف و632 دولارًا، بعدما كان 9 آلاف و656 دولارًا في عام 2007.

أمَّا الشعب فأخذ يشعر بها بكل ما تحمله الكلمة من معنى اعتبارًا من مطلع العام الحالي.

وإذا رغبنا في بلورة الصورة أكثر بالإحصاءات الرسميَّة، فإن الدخل القومي للشخص الواحد تراجع للمرة الأولى إلى أقلّ مما كان عليه قبل 12 عاماً

إذ انخفض إلى 9 آلاف و632 دولارًا، بعدما كان 9 آلاف و656 دولارًا في عام 2007.

وعندما وصل أردوغان إلى السلطة، كان الدَين الخارجي 29 مليار دولار، وارتفع اليوم إلى 529 مليار دولار

مما وضع نقطة النهاية للنهوض الاقتصادي، الذي حققه أردوغان مدة 12 عاماً، وبدأت مؤسسات التصنيف الائتماني الدوليَّة تصنّف تركيا في مقدمة الدول الأكثر هشاشة من الناحية الاقتصاديَّة، نحو البرازيل وإندونيسيا والهند وجنوب أفريقيا.

  • استغلال سيناريو الإنقلاب

أمَّا السبب الثاني فهو الأزمة السياسية، التي نتجت عن نظرة أردوغان إلى الكرد المؤيدين لحزب الشعوب الديموقراطي، على أنهم إرهابيون وخونة، بعدما أجرى مفاوضات السلام الكردي معهم سنوات طويلة.

كان أردوغان أعلن، قبل تسلّم الحكم في عام 2002، أنه خلع قميص “الإسلام السياسي”، ومن ثمَّ طالب كل أطياف المجتمع بدعمه على هذا الأساس.

إلا أنه أثبت للعالم برمته، خصوصاً بعد مسرحية انقلاب 2016 المدبرة من قبله وحلفائه، أنه لم يخلع هذا القميص

إذ قام خلال آخر ثلاث سنوات بزجّ كل من يعارض من الأشخاص والحركات الاجتماعية مشروع “الإسلام السياسي” في السجون، بفضل سيناريو الانقلاب، على الرغم من أنه اعترف قائلاً: “لم نستطع إقناع أي من قادة العالم بالانقلاب”.

فضلاً عن أنه أ أطلق سراح العناصر التابعة للمنظمات الراديكالية الإرهابية والمجموعات الشبيهة بالمافيا، ومن ثم وظَّفها في تسويق خطابها السياسي، الذي يعلن الآخر إرهابياً وخائناً وكافراً، مما أدى إلى استقطاب حاد في المجتمع، واضطرابات خطيرة في المشهد السياسي.

  • إنقلاب وإرهاب

والسببُ الثالث في الفشل الانتخابي لأردوغان هو الانتهاكات الخطيرة في مجال حقوق الإنسان. فقد دفع أردوغان تركيا إلى المرتبة الأولى في خانة الدول أكثر اعتقالاً للصحافيين، بعدما أرسل نحو 200 صحافي إلى الزِنْزَانات. وليس هذا فحسب، فقد اعتقل 500 و11 ألف مواطن مدني، بينهم نحو 18 ألف سيدة، مع 750 طفلاً رضيعاً، وفَصَلَ 250 ألف موظف في القطاع العام

إضافة إلى اعتقال أو فصل آلاف الأكاديميين والمثقفين، بالتهمة الجاهزة: الانقلاب أو الإرهاب، وفق البيانات التي أدلى بها وزير الداخلية سليمان صويلو.

ولا شكّ أن هذه الممارسات أثارت استياءً كبيراً، حتى لدى مجموعات قريبة من أردوغان.

أمَّا السبب الرابع في الفشل، الذي هزّ أردوغان وزعزع مكانته، فهو تطبيع الفساد والرشوة، تحت مسمى العمولات، التي شكّل من خلالها كتلة رأسمالية جديدة موالية له. وهذه الممارسات التي لم تقتصر على كوادر الحكومة فقط، بل امتدت حتى إلى أفراد عائلة أردوغان، تسببت في انزعاج قاعدة أردوغان المحافظة.

ومع العلم أننا نستعبد حدوث إنقلاب ثاني، لأنه الأول كان مسرحية بيد أردوغان، لكن نرى في رجل السياسة الجديد الذي فاز ببلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو هو رجل قوي على عكس محرم إينجه

وسنرى بعد 4 سنوات في الانتخابات الرئاسية هناك إحتمال كبير أن يستلم إمام أوغلو الرئاسة التركية، إذ هو المرشح الأقوى في الداخل التركي ضد أردوغان

لكن مع الأزمة الإقتصادية القوية حاليا ستتحول طردا إلى أزمة إجتماعية أيضا قد تضع أردوغان أمام خيار إجباري أي “استقالة” لكن ذلك احتمال ضئيل قد تتوسع نسبته بعد 4 سنوات، أي في وقت الانتخابات الرئاسية.

مبادرة أردوغان إلى حماية وزرائه المتهمين بالفساد، على الرغم من أنه أقالهم من مناصبهم لإراحة نفسه في مواجهة الاتهامات، واستصحابه كلاً من الوزيرين السابقين ظفر جاغلايان وأجامان باغيش حيثما حلَّ وارتحل، أحدثت ارتباكاً في عقول أنصاره، وأثارت شبهات حول تواطؤ أردوغان معهما وتورّطه في أعمال فساد أيضًا.

  • تغييرات داخلية

يمكن إضافة أسباب أخرى تفسّر فشل أردوغان، إلا أن المواد التي ذكرت أعلاه أبرزها.

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار الموازين والمعدلات القائمة حالياً في تركيا، فإننا يمكن أن نقول إن موقع أردوغان تزعزع، وضعفت قوته بنسبة معينة، مع أنه لا يزال قوياً داخل حزبه.

وقد كشفت لغة الجسد، التي ظهر بها أردوغان عقب انتهاء الانتخابات، أنه غضب على الناخبين ومسؤولي حزبه على حد سواء، مما يدل على أنه سيتوجه في الفترة القادمة إلى تغييرٍ في الحكومة والبيت الداخلي لحزبه، وبعثِ برسائل إيجابية إلى الغرب للمماطلة من جانب، ومن جانب آخر زيادة القمع، الذي يمارسه منذ سبع سنوات.

وهذا من شأنه أن يحمله على مزيد من القرارات الخاطئة، ويهزّ مكانته السياسية أكثر.

كما أننا عرفنا في هذه الإنتخابات شخصية سياسية قوية، هي شخصية أكرم إمام أوغلو الذي هو في حزب الشعب الجمهوري “الشيوعي”، لكنه ليس شيوعيا، المميز به احترامه لكل أطياف الناس كبارا وصغارا، في الداخل التركي وخارجه

وبالمقابل الناس تحترمه حتى بعض أنصار حزب العدالة والتنمية لأسلوبه المميز، لكن النقطة الأبرز، انه ولأول مرة بعد 17 عاما، تواجه شخصية إمام أوغلو بشكل جريء أردوغان، ليس محرم إينجه أو عبد الله غول أو داوود أوغلو وعلي باباكان الضعفاء جدا، والخائفين من أردوغان

فلو استمر إمام أوغلو على هذا النهج خلال هذه الأربع سنوات ممكن القول إن بداية نهاية حزب العدالة والتنمية وأردوغان قد انتهت.

  • رسالة شعبية

الشعب التركي أعطى رسالة إلى أردوغان من خلال هذه النتائج، مفادها أنه إن لم يراجع ويصحّح مساره، ويتخلّ عن الممارسات الأربع المذكورة أعلاه -وهذا يبدو شبه مستحيل- فإنه سوف يوجّه له صفعة أقوى في أول انتخابات قادمة.

وختاماً، نرى أن تركيا تعرفت ليلة الانتخابات إلى زعيم سياسي جديد، نجح في مواجهة أردوغان وإذاقته مرارة الفشل، بعدما لم يتزلزل منذ 17 عاماً، وهو: مرشح حزب الشعب الجمهوري لرئاسة إسطنبول الكبرى أكرم إمام أوغلو.

فقد استطاع أن يبدي موقفاً صارماً أمام المساعي الرامية إلى التلاعب بالنتائج، الموقف الذي لم يستطع مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة محرم إينجه أن يتخذه في العام الفائت.

إذ لم يستسلم لإملاء الأمر الواقع، وحافظ على إرادة الناخبين من دون أدنى تنازل من قواعد المروءة والآداب والأخلاق، الأمر الذي حظي بتقدير الرأي العام في الداخل التركي والعالم برمته.

يبدو أنه سوف يتمثَّل أمام إمام أوغلو عائقان كبيران في الفترة القادمة

  • أولهما أردوغان، إذ سيسعى إلى استغلال كل إمكانات الدولة بشكل غير قانوني لعرقلة إجراءاته، والدفع به إلى الفشل.
  • أمَّا الثاني فهو بعض المسؤولين من داخل حزبه، إذ من الممكن أن يتوجهوا إلى إضعافه من أجل ترسيخ مناصبهم داخل الحزب.

فإذا ما تمكَّن إمام أوغلو من تجاوز هذين العائقين فإنه سوف يمثل أمام أردوغان منافساً قوياً في الانتخابات الرئاسيَّة القادمة.



 

قد يعجبك ايضا
تعليقات
يتم تحميل التعليقات ...

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولاقرأ المزيد

عاجــــــل