قراءة في الرؤية الروسية للسياسة الدولية

القادة الروس ومَن يقدّمون المشورة لهم يرون الصين كقوّة عالمية صاعِدة. ويعتقدون أنه لا يمكن حل أية قضية اقتصادية أو مالية عالمية كبرى من دون الصين.

كتب نزار عثمان للميادين نت : بينما يعلو الصوت بسبب مشاكله الداخلية، يرصد للرئيس الأميركي دونالد ترامب وإدارته إطلاق عدّة مواقف وإجراءات قد تكون متناقضة في الآونة الأخيرة، من مثل الإعلان عن النيّة بالانسحاب من معاهدة الصواريخ النووية متوسّطة المدى المُبرَمة خلال الحرب الباردة – والتي على الرغم من تجاوزها الأضواء حالياً إلا أنها لا تزال كالجمر تحت الرماد – إلى المسارعة بدعم بل للدّقة قل “تبنّي” الانقلاب في فنزويلا، والتي وصلت بواشنطن إلى حائط مسدود في الخيارات المتاحة، إلى الإعلان عن الرغبة باستمرار التواجد في العراق، واتخاذه منصّة لمراقبة إيران، وصولاً إلى مؤتمر وارسو، ثم بعدها في هذه الأيام الفشل الذريع في قمّة هانوي مع الرئيس الكوري الشمالي كيم… وغير ذلك.

من هنا ما هو موقع روسيا في كل ذلك؟ وأين يمكن أن تجد موسكو في خطوات ترامب المتتالية والمتسارعة والتي بغالبيتها مُنيت بالفشل؟

في البداية، وعلى الرغم من تحذير السفير الروسي في لبنان ألكسندر زاسبيكين في جريدة الأخبار اللبنانية: “إن الحديث عن حرب نووية مقبلة من الممكن أن يتحوّل إلى حقيقة بسبب خطأ ما، وهو ما يهدّد البشرية بأكملها”.

والذي يبدو لوهلة وكأنه نوع من التنبؤ الصادق في ما يعني معاهدة الأسلحة النووية. فيبدو من الضروري الإشارة إلى أن هذه السطور لا تسعى إلى التصويب على روسيا الاتحادية بأيّ وجه من الوجوه، وهي الدولة التي وازنت بين مصالحها ومصالح حلفائها بنسبة عالية. بل غاية الأمر من وراء هذا المقال طرح بعض نقاط الاستفهام، والتساؤلات المشروعة، التي تمر بذهن أيّ متابع، سعياً إلأى إيجاد أجوبة من خلال التفكير بصوت عال. مع التمسّك بأهمية الأخذ بالمذهب القائل إن من حق كل دولة السعي لتحصيل مكاسبها ومصالح شعوبها، وفق ما تراه مناسباً.

قد يقرأ بعضهم تصرّفات ترامب الأخيرة ومواقفه، وكأنها هروب إلى الأمام من مشاكله الداخلية الكثيرة، ومنها قضية التدخّل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016. وهنا إذ نشير إلى مُسارعة ترامب للسخرية من تقرير الاستخبارات الأميركية الذي اعتبر روسيا والصين هما الأشد خطراً على الولايات المتحدة، فمن المناسب التذكير أيضاً بأن رد الفعل هذا ليس الأول من نوعه، فلطالما سخر ترامب من وكالات الاستخبارات الأميركية لا سيما في ما يعني موضوع التدخل الروسي في انتخابات عام 2016.

وهنا من دون الدخول في تحليل هذه الواقعة، أو اتخاذ موقف مؤيّد أو معارض لها، أو اعتبارها مزعومة ومصدرها الدولة العميقة في أميركا أو حتى تصديقها، نكتفي بانتقاء رأي لسيث هيتّينا من كتابه “ترامب – روسيا” المنشور عام 2018، حيث يقول:” هذه أشياء خطيرة، وليست أخباراً مزيّفة، بل هي الاستنتاج الواقعي لرؤساء مكتب التحقيقات الفيدرالية، ووكالة المخابرات المركزية، ووكالة الأمن القومي، بالإضافة إلى فريق المُدّعين العامين الخاصين بمولر. فبناء على أوامر بوتين، اقتحمت الاستخبارات الروسية شبكات حملة كلينتون والحزب الديمقراطي وسرقت الآلاف من رسائل البريد الإلكتروني، والتي تم إرسالها بعد ذلك إلى ويكيليكس.

في الوقت نفسه، قامت مجموعة إنترنت غامضة مقرّها في سان بطرسبرغ، روسيا، بتوجيه الموظفين إلى الظهور على أنهم أميركيون عبر الإنترنت واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمساعدة فرص ترامب والتلاعب في انتخابات عام 2016″.

لعلّ أولى أولويات ترامب على المستوى الشخصي تتمثّل رأساً بالتخلّص من تهمة التعاون مع روسيا للوصول إلى البيت الأبيض، وسعيه لخلق فرصه جديدة للفوز بولاية ثانية في الانتخابات الرئاسية عام 2020.

من هنا، هل يكتسب معنا السؤال مصداقية إن أطلقنا لمُخيّلتنا العنان بالطرح: إن كانت خطوته اتجاه معاهدة الصواريخ النووية ستكسب ترامب نقاطاً في مسعاه لكسب هاتين النقطتين الأولويتين، فبِمَ يفسّر إعلان بومبيو عن استعداد بلاده لاستئناف الحوار مع موسكو بشأن انتشار السلاح بعد أقل من يوم من إعلان ترامب؟

لعلّه قد يظن، وللوهلة الأولى وكأن إدارة ترامب ترغب بمسك العصا من الوسط، فيبدو أنها لا ترغب بإغضاب روسيا، كما أنها تسعى إلى إظهار نفسها أمام الشعب الأميركي بمظهر المناوئ والخصم لموسكو في الآن عينه، سعياً لدفع تهمة التدخّل الروسي بالانتخابات. ثم إن وسّعنا الدائرة قليلاً، فهل من الممكن قراءة هذه الخطوة بمحاولة ضمّ دول أخرى يتعاظم دورها على مستوى العالم كالصين.

مع تمسّكها بشعار “أميركا أولاً”، نجد أن إدارة ترامب قد سارعت إلى دعم الانقلاب على الرئيس نيكولاس مادورو في فنزويلا. ويبدو أن معالجة هذه النقطة قد تحتاج إلى مزيد من الإطالة بما لا يناسب هذا المقال، لذا نكتفي بالإلماحات وطرح بعض الاستفهامات.

وهنا إذ سارعت موسكو للاعتراض على خطوة ترامب معلنة تأييدها لمادورو، ومُحذّرة بنفس الوقت من التدخّل العسكري في فنزويلا. بهذا: هل من الممكن أن تنجرّ ادارة ترامب لمواجهة عسكرية في “حديقتها الخلفية” على الرغم من سعيها لسحب قواتها من أكثر من مكان في العالم؟ ثم هل استشعرت واشنطن خطورة فنزويلا بقيادة مادورو وعلاقاته المميّزة مع كل من روسيا والصين، والتي تهدّد مصالحها الآنية والمستقبلية مع توجّه العالم إلى التعدّدية القطبية؟ ثم هل من الممكن بحال تسارُع الأحداث وانزلاقها إلى مواجهة عسكرية أن تتدخّل موسكو دفاعاً عن حليفها؟

لن ندّعي الإجابة على كل هذه الاسئلة، ولكن من المناسب البدء بالصين، لطرح مزيد من الاستفهامات، وختم المقال بشذرات عن طبيعة علاقة كل من الصين بروسيا.

يقول غاستون فورنز وألفارو مينديز في الطبعة الثانية لكتابهما “محور الصين-أميركا اللاتينية” الصادر عام 2018 التالي:” تم تطويرالتعاون العملي بين الصين وأميركا اللاتينية في مجال التجارة والاستثمار والتمويل، والذي يهدف إلى زيادة حجم التجارة بين الصين وأميركا اللاتينية إلى 500 مليار دولار أميركي، والاستثمار في أميركا اللاتينية ليصل إلى 250 مليار دولار”.

ومع الأخذ بأن الاستثمار بين الصين وفنزويلا بلغ 62 مليار دولار. لظهر معنا سبب مباشر وواضح في رغبة الولايات المتحدة بنزع الشوكة في خاصرتها الرخوة، والمتمثلة بالخطر الصيني المتصاعد في “حديقتها الخلفية”.

لكن ما دخل روسيا الاتحادية؟ وما مصلحتها من وراء كل هذا؟ لن ندّعي أيضاً الخروج بإجابة واضحة، بل نكتفي بالإشارة إلى نقاط ساقها ديمتري ترينن في بحثه “شركاء حقيقيون؟ كيف تنظر روسيا والصين لبعضهما البعض”، الصادر عام 2012 عن “CENTRE FOR EUROPEAN REFORM”. حيث يجد أن “القادة الروس ومَن يقدّمون المشورة لهم يرون الصين كقوّة عالمية صاعِدة.

ويعتقدون أنه لا يمكن حل أية قضية اقتصادية أو مالية عالمية كبرى من دون الصين”.

لكن مع هذا يرى أن الصين ليست “شريكاً رئيسياً في التحديث” على اعتبار أن الموارد الخارجية للتحديث التكنولوجي يتركّز إلى حد كبير في الولايات المتحدة. ومن ثم، فإن الصين مع تعاظمها قد تشكّل خطراً على التعدّدية القطبية التي تسعى موسكو إلى تكريسها.

و”من الناحية الاقتصادية، تعدّ الصين الشريك التجاري الأول لروسيا. ويعتبر قرب روسيا من الشرق الأقصى من الصين والوصول إلى سلعها وسوقها من الأصول الواضحة. ومع ذلك ، يرى الروس خطر الاعتماد بشكل مفرط على الصين”.

ومع سوقه العديد والمزيد من الشواهد مما لا يحتمله هذا المقال، نختم بالتساؤلات التالية: أليس من الممكن أن تجد الولايات المتحدة بالنظر إلى تلك الهواجس الروسية من الصين باباً للدخول بين الحليفين العريقين، والسعي إلى إيجاد أرضية مناسبة تتوافق فيها مع روسيا في مصالحها أمام الصين الصاعدة؟ ثم إن أخذنا بخاتمة ترينن التي تنتهي بالتالي:”سيستمر تراجع روسيا الذي لا يرحم في مواجهة الصين والولايات المتحدة”، ألا يمكن أن يجد الكرملين في دونالد ترامب وسياساته المتبعة،- أكان شريكاً لبوتين كما يدعّي عدد غفير من الأميركيين، أو كان سياسياً متسرّعاً غير مُتّزن – خصماً قليل المراس يسهّل تمرير سياسات موسكو الدولية؟


 

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل