الجولان هدية ترامب الانتخابية

ما زال رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو يحصد الجوائز والھدايا الأميركية التي يقدمها له الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فمن الاعتراف بالقدس عاصمة لـ”إسرائيل” ونقل السفارة الأميركية إليھا، مرورا بالزيارات المكثفة لوزيري الخارجية والدفاع ومستشار الأمن القومي.

كتب سركيس أبوزيد لموقع العهد : بما في ذلك زيارة مايكل بومبيو مؤخراً، وصولا الى الاعتراف بسيادة الكيان الاسرائيلي على الجولان السوري المحتل وضم الھضبة إليھا، كلھا خطوات وقرارات أميركية غير مألوفة يتخذھا الرئيس الأميركي في دعم غير مسبوق لـ”إسرائيل”، وفي دعم كبير ومباشر لرئيس وزراء الكيان الذي عقد مع ترامب تحالفا سياسيا وانتخابيا.

في المقابل، يسعى نتنياھو للفوز بولاية جديدة في الانتخابات البرلمانية المقررة في 9 نيسان/ أبريل المقبل، مراھنا على الفوز بأربعين مقعداً، لكنه يواجه تحديات سياسية كبيرة تھدد مستقبله السياسي، يمكن اختصارھا بـ3 نقاط:

ـ لائحة الاتھام بالفساد: فقد قرر المدعي العام أفيخاي مندلبليت توجيه لائحة اتھام بحق نتنياھو تتضمن خيانة الأمانة والاحتيال وتلقي الرشوة، وقد تؤدي إلى إصدار أحكام بالسجن في حالة الإدانة. ويرى مراقبون إسرائيليون أن سمعة نتنياھو تلطخت بالفعل بھذه الاتھامات.

ـ ظھور رئيس الأركان السابق للجيش الإسرائيلي بيني غانتس كخصم سياسي لدود لنتنياھو. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن “حزب الجنرالات” الذي يرأسه غانتس سيحقق الفوز على حزب “الليكود” بنتيجة 36 مقابل 30 مقعدا. وھذه ھي المرة الأولى منذ عقد من الزمن التي يتفوق فيھا حزب إسرائيلي في الاستطلاعات على “الليكود”.

ـ نتنياھو بدأ يخسر الكثير من المقربين إليه في الساحة السياسية الأميركية والكونغرس من جراء إقدامه على إدخال حزب “عظمة يھودية”، المعروف بأنه امتداد لحزب “كھانا” اليميني المتطرف، إلى الكنيست في الانتخابات القادمة. ففي خطوة نادرة، أدان اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة الأميركية “إيباك” سياسة نتنياھو في ضم حزب “كھانا” العنصري إلى ائتلافه الحكومي، معتبرا أنه عمل مؤذ يتناقض مع القيم الأميركية.

ورغم وجود نقاط ضعف في حملة نتنياھو، إلا أنه ما زال يتمتع بوضعية سياسية مريحة وفرصة للبقاء في رئاسة الحكومة.

ومن العوامل التي ساعدت على تعزيزها نصب الصواريخ الأميركية الحديثة من طراز “ثاد” (THAAD) لأول مرة في “إسرائيل” التي اعتبرها جيش العدو الإسرائيلي تعبيراً عن تعزيز العلاقات التاريخية بين الجانبين وأن اختيار ھذا الوقت بالذات للإعلان المفاجئ عن ھذا التطور، ينصب في الجھود المكشوفة التي يبذلھا الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكي يرى صديقه وحليفه في الفكر والعقيدة، بنيامين نتنياھو، رئيسا للحكومة الإسرائيلية مرة أخرى. وضمن هذا السياق يأتي التوقيع على مرسوم الاعتراف بسيادة “إسرائيل” على ھضبة الجولان السورية المحتلة في حرب العام 1967، فكل ما يفعله ترامب حاليا ھو لتأمين فوز نتنياھو في الانتخابات أكثر من أي شيء آخر، وأكثر من تأمين ظروف “صفقة القرن”.

في الواقع، يربط نتنياھو موضوع الجولان بالمعركة السياسية والعسكرية التي تخوضھا “إسرائيل” ضد إيران في سوريا، معتبراً أن قرار ترامب يصدر في وقت يُعتبر الجولان فيه أھم من أي وقت مضى لأمن الكيان الصهيوني، وفي حين تحاول إيران التموضع في سوريا. وھذه ھي النظرة الأميركية ذاتھا التي لخصھا مشروع القانون في الكونغرس الأميركي بشأن “ضرورة اعتراف الولايات المتحدة بسيادة” إسرائيل” على مرتفعات الجولان”، وورد فيه أن “مجلس الشيوخ يرى أن تدعم الولايات المتحدة حق” إسرائيل” السيادي في الدفاع عن أراضيھا ومواطنيھا من أي ھجمات ضد “إسرائيل”، بما في ذلك أي ھجمات من جانب إيران، أو أي من عملائھا، ويرى أن سيادة” إسرائيل” على مرتفعات الجولان مھمة وضرورية لأمن “إسرائيل” القومي، ولا يمكن ضمان تأمين كيان العدو من أي ھجمات من جانب سوريا ولبنان من دون ما يسمى “سيادة إسرائيل” على مرتفعات الجولان”…

وإذا كان القرار الأميركي لا يغيّر عمليا في وضع الجولان، في التاريخ والجغرافيا، وأيضا في القانون الدولي في أنه “أرض سورية” محتلة من الكيان الاسرائيلي، فإنه يغيّر كثيرا في الوضع القائم ويخلط الأوراق ويغيّر قواعد اللعبة، وتترتب عليه انعكاسات وتأثيرات، منها:

ـ أن الخطوة الأميركية مخالفة للقانون الدولي وتذھب في اتجاه تدمير القواعد القانونية الدولية التي ترعى الوضع في الجولان، وكذلك التسوية لأزمة الشرق الأوسط، وخصوصا قاعدة أو معادلة “الأرض مقابل السلام”. وبالتالي، ستكون لھا تأثيرات سلبية تطال الوضع في سوريا وتسوية الصراع الفلسطيني (والعربي) الإسرائيلي، والوضع في المنطقة كلھا.

ـ الاختراق الأميركي يعني المس بـ”ستاتيكو” دولي قانوني، سياسي وعملاني، يرعى وضع الجولان منذ عقود وتكرّس في اتفاق فك الاشتباك للعام 1974. وبالتالي، فإن ذلك يجعل سوريا مع حلفائھا في حلٍّ من التزاماتھا الدولية في الجولان، وأن وضع الھدوء العميق الذي ساد الھضبة طوال سنوات بات مفتوحا على توتر و”عمليات مقاومة”.

ـ كما أن ھذا التطور ينعكس بشكل أو بآخر على “وضع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا”، لأن ھذا التطور جعل النقاش حول لبنانية أو سورية ھذه المنطقة متجاوزاً الأحداث والوقائع المستجدة، وسواء كانت المزارع والتلال جزءا من الجولان أو لم تكن، النتيجة أنھا تكرّس أرضا محتلة من العدو الاسرائيلي وباعتراف أميركي.

قرار الجولان، مضافا إليه قرار القدس، يضع عوائق وأثقالا كبيرة أمام ما يسمى “عملية السلام”، ويجعل تسويق “صفقة القرن” أمرا صعبا وشبه متعذر في الدول العربية التي سيجتمع قادتھا في تونس، وسيكون الموضوع السوري أساسيا على طاولة القمة العربية، ولكن ليس من باب الموقف من دمشق وعودتھا الى الجامعة العربية، وإنما من باب “الجولان”، وطريقة التعاطي مع الخطة الأميركية والموقف من عملية السلام من الآن فصاعدا.

فإذا كان لتوقيت إعلان القرار الأميركي أھداف وحسابات سياسية داخلية، إسرائيلية وأميركية، إلا أنه لا يمكن إغفال وتجاھل البعد التاريخي والاستراتيجي لھذا القرار المرتبط بأكثر من سياق إقليمي، بدءا من تلبية طموحات ومطامع الكيان الاسرائيلي، مرورا بفشل الرھان الإسرائيلي والأميركي على سقوط سوريا وعلى إخراج إيران منھا، وصولا الى مخطط “صفقة القرن” التي تقف إيران عقبة أساسية في وجھھا، وبالتالي فإن “قرار الجولان” ھو جزء من خطة أميركية لزيادة الضغوط على سوريا وإيران وتطويقھما دبلوماسيا وسياسيا، وفرملة الاندفاعة العربية باتجاه إعادة سوريا الى الجامعة العربية، مقابل التشجيع على التطبيع بين العدو الاسرائيلي ودول الخليج.


 

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل