الدول ومعضلة التحوُّل نحو العملات الرقمية: الواقع والتحديات

بتنا ندخل قرن المعلوماتية حيث تُدير المعلوماتية كل شيء. وهو ما يجعل التحكُّم بالكثير من السلوك البشري الذي بات رهن التكنولوجيا، أمراً مقدوراً عليه. يتطابق ذلك مع القدرة على التحكم بالأسواق المالية حيث يكفي فقط نشر أخبار معينة في وسائل الإعلام لنرى التأثير على حركة السوق وأسعار العملات. اليوم تعيش الدول تحدياً جديداً يتعلق بإحدى ابتكارات تكنولوجيا المعلومات، وتؤثر مباشرةً على النظام المالي العالمي وبالتالي إقتصاد الدول. هي العملة الرقمية التي يتم تبادلها، ضمن سوقٍ مالية جديدة ما تزال مجهولة، فيما لم تُقدم أغلب الدول على وضع سياسات لتنظيمها. فهل هي ردة فعل متمردة على النظام المالي الحالي؟ أم خدعة جديدة يقف خلفها عقول التخطيط الإستراتيجي للتحول نحو نظامٍ مالي جديد بينما ينهار النظام المالي الحالي؟ وما هي مخاطر الإستثمار في هذه السوق المالية؟ وما هو دور الدول؟

كتب محمد علي جعفر لموقع العهد : في العام 2008 ونتيجة للأزمة المالية العالمية خرجت جهة مجهولة الهوية تحت اسم “ستوشي نكاموتو”، لتُطلق نظاماً مالياً رقمياً جديداً تحت اسم “blockchain” وعملة رقمية جديدة تحت إسم “Bitcoin”. هذا النظام جعل العمليات المالية التي تحكمه، عمليات لا مركزية ولا تخضع لأي رقابة حكومية. ما أوجد عملة افتراضية في العالم الإفتراضي تتميز بالحرية والتحرر من الرقابة. وهو ما جذب الكثير من المستثمرين الطامعين لجمع المال، مما أسس لتحوَّل نحو سوق مالية عالمية جديدة تعتمد على هذه العملات الرقمية. اليوم وبعد أن اتسعت هذه السوق الإفتراضية وصل سعر “البيتكوين” الواحد (إحدى العملات الرقمية) الى عشرين الف دولار ما طرح العديد من التساؤلات التي لم تجد أجوبة، حول هذه الثورة الإفتراضية ومن يقف خلف الإسم المستعار لمؤسس هذا النظام الجديد!

بحسب مسؤولة اللجنة الحكومية لدراسة العملة الرقمية في روسيا الدكتورة إلينا سدورينكو، فإن هذه العملة هي عملة مجهولة الهوية كونها نتاج العالم الإفتراضي، ويكمن خطرها الكبير في صعوبة ضبط عملياتها المالية حتى الآن، فعلى سبيل المثال، إن أي مختص في هذا العالم، لا يستطيع معرفة صلة هذه العمليات الرقمية بالأنشطة الإرهابية أو الإجرامية. عدة مخاطر أخرى نذكرها فيما يلي:

أولاً: في كل هذه العمليات، تمتلك أربع أو خمس شركات عالمية فقط القدرة على استخراج العملات المشفرة، ما يؤكد وجود جهات احتكارية متحكمة لمسار هذه العمليات وبالتالي مستقبلها، ويُعزز قدرتهم على تحويل هذه السوق الإفتراضية لصالحهم.

ثانياً: لم تقم الدول حتى الآن بأي مبادرة لتحديد المبنى القانوني لهذه العملات أو الحقوق والواجات والمسؤوليات المتعلقة بأطراف التعامل بها. ما يجعلها سوق مُصطنعة ويجعل المستثمرين فيها أصحاب أموال وهمية.

ثالثاً: إن كافة العمليات المالية للعملة الرقمية لا تتعلق بأنظمة الإقتصاد الواقعي ولا بمكوناته المهمة عدا عن كونها لا تخضع للرقابة من قبل أي مصرف مركزي أو جهة حكومية.

تحاول الدول اليوم ضبط تأثيرات هذا النظام المالي الجديد وسوقه الإفتراضية. لكن سيطرة العالم الإفتراضي على العالم الواقعي باتت تُعيق سياسات الدول. ما يُشبه الحالة التي حصلت قبيل الأزمة المالية 2008 حين قامت المصارف بالترويج لعروض القروض المصرفية السكنية الرخيصة وتجاوب الناس مع طمع امتلاك مسكن، وبعد انهيار سوق العقارات سيطرت حيتان الأسواق المالية على أموال الناس دون أن يحصل المقترضون على مساكنهم.

ولكي لا يكون الكلام توقعات بعيدة عن الحقائق، فالأبحاث الخاصة بهذه السوق الرقمية، توقفت عند دراسة أصدرها المعهد الأمريكي “ماسيشوستوس للتكنولوجيا” عام 1996 والتي أجرتها مجموعة من قسم التشفير في وكالة الأمن القومي الأمريكي. تتناول الدراسة نظام يُشبه العملة الرقمية وتحديداً عملة “بيتكوين” وهي متوفرة على موقع الوكالة. ما يطرح تساؤلات حول إمكانية أن يكون العقل الأمريكي خلف الترويج لهذا النظام المالي، بهدف ضبط مساراته المستقبلية وتوجيهه من الداخل، في ظل عدم القدرة على تحقيق الإستقرار في النظام المالي الحالي وتوقع انهياره.

فيما يخص تجارب الدول، أجازت اليابان استخدام العملة الرقمية عام 2017. ما دفع اليابان لقبول التعامل بالعملة الرقمية، هو أن المؤسسات اليابانية تعتمد ومنذ زمن آلية العملات المشفرة بسبب ما تتمتع به من تطوُّر على صعيد تكنولوجيا المعلومات، وبنائها لمنظومة رقابة مالية رقمية. لكنها وفي بداية العام 2018، حذرت من أن هذه العملة باتت باباً لغسل الأموال، ما دفعها الى تعديل القانون الخاص واغلقت عدة مكاتب متخصصة بتصريف العملة الرقمية وعزَّزت الرقابة على هذه العمليات. هذه التجربة دفعت العديد من الدول الى التيقُّن بصعوبة العمل ضمن هذا النظام المالي على صعيد الدولة، ما لم تُوضع معايير ومواصفات دولية لهذا النظام الجديد.

عدة إشكاليات تطرح العديد من التساؤلات حول مستقبل هذه العملة وسياسات الدول لضبط عملياتها المالية ونظامها الذي تخضع له. وبين وهم التحرر من رقابة الدولة، وأهمية قيام الدول بتشريع قوانين ووضع سياسات تضبط العمليات المالية لهكذا نظام، تفقد هذه العملة أهم ميزاتها وتطرح اشكالية متناقضة تحتاج للإجابة. عدا أن المخاطر التي أشرنا لها كافية لردع المُفكرين في استثمار اموالهم الحقيقية بعملات رقمية في عالمٍ إفتراضي.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل