تعيد “منبج” نعيد الدفء بين أنقرة وواشنطن… والعبرة في الخواتيم

دخلت مدينة منبج السورية منعطفاً جديداً، أو مرحلة جديدة، مع الإعلان عن خارطة طريق بشأنها، بين واشنطن وأنقرة تقضي بانسحاب «وحدات حماية الشعب الكردية» إلى شرق الفرات، واستبدالهم بقوات محلية علاوة على ترتيب وضع المدينة عبر مجالس محلية أمنية وسياسية.

كتب  شوكت أبو فخر لصحيفة الأيام : أنقرة اغتبطت للاتفاق وسارعت إلى الإعلان عنه فيما بان التريث واضحا على الجانب الأمريكي، وفيما رأى بعض المراقبين أن الاتفاق بمثابة مكافأة مسبقة الدفع لأردوغان ستتجلى نتائجها في الانتخابات التركية المقبلة، يرى آخرون أن الأمر ليس على هذه الصورة فخطوات تنفيذ الاتفاق تتضمن الكثير من «الأفخاخ» فضلا عن علاقة واشنطن مع «قسد» واستمرار تقديم الدعم لها بمعنى أن واشنطن لا يمكن أن تقدم على أي خطوة من شأنها قصقصة أجنحة أذرعها في الشمال والشرق السوري، وتقديمها على طبق من ذهب حتى لو كان ذلك لحليف في الناتو.

بنود الاتفاق

تقضي خطة منبج بسحب الأسلحة من المقاتلين الكرد، على امتداد 6 أشهر، وهذا النموذج وفق وزير الخارجية التركي يتعين أن يطبق في المستقبل على الرقة و»كوباني»، ومناطق سورية أخرى تسيطر عليها «وحدات حماية الشعب»… خريطة الطريق بين واشنطن وأنقرة تنص على: تشكيل دوريات أمريكية – تركية في أطراف منبج، وخروج وحدات حماية الشعب من المدينة إلى شرق نهر الفرات، وتعزيز دور مجلس منبج العسكري، وتشكيل مجلس مدني للمدينة، وعودة النازحين العرب والكرد إلى أماكنهم الأصلية، وحسب وزير خارجية تركيا، لن يكون هناك دور لأي دولة ثالثة في منبج بما في ذلك فرنسا وبريطانيا وبلجيكا. وتابع: إن هذه الخطوة في منبج فرصة لإعادة العلاقات المتدهورة مع الولايات المتحدة إلى مسارها.

غموض أمريكي

واشنطن اعتبرت أن «خارطة طريق منبج»، عبارة عن إطار سياسي واسع يهدف إلى الوفاء بالالتزام الذي قطعته الولايات المتحدة لتركيا بنقل «وحدات حماية الشعب» الكردية إلى شرق الفرات بطريقة متَّفَق عليها مع أنقرة. ولفتت إلى أن تنفيذ ذلك سيحتاج إلى تفاصيل لا يزال من المتعيَّن التفاوض بشأنها، لا بدّ من أن تكون مقبولة بشكل متبادل من الطرفين – وأن يتمّ توقيت التنفيذ بناء على التطورات التي ستجري على الأرض.

الاتفاق غير مكتمل والطريق إلى التنفيذ سيكون محفوفا بالمخاطر، فأنقرة تشعر بأن واشنطن «خانتها» سابقا عبر دعم «قسد» فيما تبدو أمريكا غير متحمسة للتخلي عن أوراقها.

الخبير العسكري والاستراتيجي، الدكتور كمال الجفا يرى بأن خارطة الطريق التي وضعت بخصوص منبج، لن تكون خطوط تطبيقها كما تم الاتفاق عليها لاعتبارات كثيرة أهمها:

– عدم الثقة بالوعود الأمريكية التي تقدمها لتركيا.

– تقديم منبج لتركيا لن يثني الأخيرة عن متابعة خطتها لإنهاء التواجد الكردي المسلح في الشمال السوري.

– أمريكا تعتقد أن تقديم منبج لتركيا سيؤدي إلى ترسيخ الأمر الواقع.

– الحصول على منبج من قبل تركيا لن يؤدي إلى تفجير العلاقات من روسيا وإيران، لأن اي مكاسب يتم تحقيقها على حساب أمريكا تستطيع الدول الثلاث تظهيرها سياسيا وميدانيا على طاولة الدول الثلاث.

– لا يمكن إغفال المكونات المحلية والعشائر وأبناء المنطقة الذين يدينون بالولاء للدولة السورية.

– هناك اتفاق وقناعة لدى الدول الأربع سورية وتركيا وإيران وروسيا وحتى العراق أن إنهاء المشروع الكردي هو لمصلحة دول الإقليم، لذلك لم يكن هناك أي انتقادات علنية أو انتقادات روسية لتركيا لتفاهماتها مع أمريكا، لأن أي خطوة في سبيل ضرب المشروع الكردي هو من مصلحة الجميع وحتى يعتبر ضرباً للمشروع الأمريكي.

بدوره يرى المحامي والناشط السياسي محمد تمو أن تركيا تجد في الشريط الحدودي مع سورية عمقا استراتيجيا لها يمتد حتى حلب والرقة – منبج والباب ضمنا – وصولا إلى الحدود العراقية فالموصل، وهذا حلم قديم ومتجدد.

ويرى أن منبج كانت حاضرة في السياسة التركية الأمريكية منذ ما يزيد عن عامين، وفي الأيام الماضية، عادت القضية إلى السطح، وبدأ الحديث عن انسحاب وشيك للقوات الكردية، وإحلال قوات محلية من أبناء عشائر المنطقة محلها، على أن تكون إدارتها مشتركة بين تركيا وأمريكا، فما لا يدرك كله، لا يترك جله. ويضيف أنه بموجب وثيقة التفاهم التركية الأمريكية ستحتفظ واشنطن بموطئ قدم في منبج تكون فيه قريبة من نهر الفرات والرقة من جهة، وتبقى عينها على الشمال السوري مفتوحة من جهة أخرى، كما أنها ستستمر بنقل بيدقها المطيع – حزب الاتحاد الديموقراطي PYD – بحجة مكافحة الإرهاب من مكان لآخر.

ويرى تمو أن إيران ستخسر منبج إلى الأبد، ودعمها للقوات الكردية ذهب أدراج الرياح على عتبة التفاهمات الروسية الأمريكية من جهة، والتفاهمات التركية الأمريكية من جهة أخرى، أما روسيا فقد كانت الحلقة الأضعف في هذه المنطقة.

من جانبه يعتبر الصحفي والخبير بالشؤون الكردية خورشيد دلي أن هناك نظرة عنصرية شوفينية من تركيا تجاه الكرد الذين حاربوا «داعش» والإرهاب، مضيفاً أن أنقرة تريد من وراء اتفاق منبج ترسيخ وجود ونفوذ الجماعات الإسلاموية المتشددة، وتعميم ذلك في الشمال السوري وصولا إلى سنجار، بمعنى تطهير عرقي ممنهج، هذا النموذج لا يمكن أن يحظى بموافقة أمريكية أومن التحالف. وفيما خص اتفاق منبج يرى دلي أننا أمام تفاهمات وليس اتفاق، وبالتالي فالغموض سمة عامة لهذه التفاهمات، وعند التطبيق سوف تبرز شياطين الاختلافات ما سيؤخر التنفيذ. لكن دلي يعتبر أن ما تم هو بمثابة هدية من الرئيس ترامب لأردوغان أو انتصار سوف يصرف انتخابيا في تركيا.

بيع وشراء

ما جرى بخصوص منبج أن كل طرف (أمريكا وتركيا) يحاول تسجيل أهداف بمرمى الطرف الآخر، ومن هنا لا يمكن الحديث عن مكاسب مع الأخذ بالاعتبار أن الاتفاق سوف ينفذ على مراحل ومهل زمنية وثمة الكثير من العقد والألغام، فحلفاء أمريكا سوف تبقى في شرق الفرات، فمن سيسحب أسلحتهم، وهل تقبل أمريكا أن تجردهم من ذلك، وهل تركيا على استعداد للعودة إلى دور الخادم المطيع للناتو وأن تبتعد عن إيران وروسيا؟.. تركيا لن تكتفي بمنبج وتتطلع إلى شرق الفرات لتعميم التجربة، لكن واشنطن التي أبرمت الاتفاق لم تتعهد بتصنيف وحدات حماية الشعب منظمات إرهابية كما تريد أنقرة. بموجب اتفاق منبج تكون أنقرة قد أبعدت الكرد عن حدودها أكثر وتكون واشنطن قد عززت نفوذها شرق الفرات وهذا هي «زبدة الاتفاق».

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل