عفوًا.. غوارديولا ليس فاشلًا!

بعض الإنصاف..

يمتلك المتابعون معيارين للحكم على مدى نجاح مدرب كرة القدم. .

1-بناء على النتائج والبطولات، وهم يمثلون الأغلبية ويتسمون بالسطحية في التفكير

2- بناء على الأفكار والأسلوب وطرق الدفاع والهجوم، وهم قلة قليلة ويتميزون بأفق واسع.

ولتطبيق المعيارين على كلًا من مارسيلو بيلسا وماوريسيو ساري مثلًا، فهم مدربين فاشلين وغير مجديين من المنظور الأول كونهما لم يعتليا منصات التتويج مطلقًا، لكنهما على النقيض أولو ألباب عظيمة لما قدموه من أفكار وأساليب مبتكرة لكرة القدم وفق المنظور الثاني.

قبل تولي بيب تدريب برشلونة، سافر إلى روزاريو الأرجنتينية ومكث مع بيلسا قرابة 12 ساعة متواصلة يتناقشون في بعض الأفكار.

السؤال الآن.. هل غوارديولا مدرب كبير؟ الإجابة هي قطعًا نعم وهو أحد أفضل مدربي اللعبة عبر تاريخها ولا يقتصر مساهمته على الجيل الحالي فقط، فدعوات التقليل من المدرب الإسباني بحجة إقصائه الرابع تواليًا من دوري الأبطال وفشله بأول مواسمه في إنكلترا، ماهو إلا قلة حيلة من البعض وضيق تفكير.

قلة الحيلة تلك وصفها سيزار مينوتي المدرب الفائز بمونديال 1978 رفقة الألبي سيليستي هكذا “الصحفيون لا يعرفون شيئًا عن كرة القدم، إذا أغلقت عليهم باب الغرفة فلن يستطيعوا كتابة رسالة لأمهاتهم”.

شخصيًا وعند تقييم أي مدرب فإنني استبعد عامل النتائج والبطولات جنبًا، وأعمد إلى معادلة ثابتة وهي المقارنة بين عاملين، أولهما جودة اللاعبين، مدى المنافسة بالبطولة، إضافة الظروف المحيطة من إصابات وجودة الملاعب وخلافه، وثانيهما هو النتائج المحققة.. فكلما قلت جودة الشق الأول وزاد أثر الشق الثاني كان المدرب ناجحًا.

فعلى سبيل المثال فوز ليستر سيتي بالدوري الإنكليزي هو افضل تطبيق لتلك المعادلة، فرانييري لم يمتلك الجودة والخبرات اللازمة التي تؤهله حتى لشغل المركز الثامن بالبريميرليغ، وسط عمالقة أمثال تشيلسي، مانشستر سيتي، وتوتنهام، لكنه بفضل أفكاره التكتيكية تمكن من دهس الجميع وظفر باللقب في نهاية المطاف، فالناظر إلى لاعبي الثعالب المغمورين قبل انطلاقة الموسم كان ليتنبأ بهبوطهم!

“لقد قلت لغوارديولا أنه سيكون مدربًا عظيمًا” سيزار مينوتي .

المدرب الناجح من وجهة نظري الخاصة هو من يولد الأفكار وفق المتغيرات، ويولي فرض أسلوب لعبه الحيز الأكبر من تفكيره، وليس مجرد رغبة الفوز واقتناص النقاط الثلاث، هو ذلك المدرب الذي يتميز بأسلوب فريد عن غيره ويطبقه بكل مهارة.. هنا لا يشترط الفوز والتتويجات بقدر النتاج العقلي للمدرب ومدى جودة تطبيقه من قبل لاعبيه، فمارويسيو ساري مثلا اعترف صراحة أنه يراقب فرق الدرجة الرابعة في إيطاليا ويتعلم منهم كيفية الدفاع.

اتصل غوراديولا بأريغو ساكي بعد مباراة كالياري ونابولي بالدوري الإيطالي هذا الموسم وقال له “هؤلاء الفتية يعرفون كيفية لعب كرة القدم”.. بيب لا يمل من مشاهدة ومراقبة الآخرين للتعلم منهم وإن كان بإيطاليا حتى!

المدرب الناجح هو من يعيش في أعماق اللعبة، يراقب حركة المدافعين ويستحدث طرق لإيقاف مهاجم ما، أو لإبطال طريقة خصم ما، هو المدرب الذي يقضي لياليه في ابتكار طريقة للتسجيل من الركلات الركنية، أو اغتنام سرعات لاعبي الوسط لديه.

مدربون أمثال إيزيبو دي فرانشسكو ساسولو، ناغلزمان هوفنهايم، ماركو جيامباولو أتلانتا جميعهم ناجحون، هو ذاته حال المدرب الأكثر نجاحًا هذا الموسم بإيطاليا سيميوني إنزاغي، ابهر الجميع وغدا أنجح مدرب بالكالتشيو من وجهة نظري (انظر المعادلة أعلاه) هم نجحوا في الأفكار، التكتيك، التكنيك، وهذا هو المهم في عالم كرة القدم الحقيقة.

هل يقتصر دور المدرب على المستطيل الأخضر فقط؟ لنرى..

لم ينخرط أنليكا مع أرسنال بعد انضمامه إليه، وقام بشكوى زميله مارك أوفر مارس إلى فينغر، قائلًا بأنه يمرر لمواطنه دينيس بيركامب فقط، فما كان من فينغر إلا أن استدعى أنليكا (لم يكن يجيد الإنكليزية وتحدث بالفرنسية) وأوفرمارس (تحدث بالإنكليزية)، وتحدث معهما وتقمص دور المترجم.. كلا اللاعبين كان مقتنعًا بوجهة نظره ولم يتقبل الحديث مع الآخر من الأساس، لكن بعد الاجتماع بدا عليهما علامات الرضا ولم يفتعلا المشاكل مجددًا وتعاونا فيما بعد.. فينغر أكد لاحقًا أنه قال لكليهما أن كل طرف متفهم لموقف الآخر وسيتعاون مستقبلًا.

عندما نذكر إسم كرويف فإن روعة وجمال كرة أياكس وبرشلونة هو من يتغلغل في بنيات أفكارنا، ولا يتبادر إلى أذهاننا كم البطولات التي حصلا عليها، رينوس ميتشلز والكرة الشاملة؟ لم أتذكر أن أحصى أحدهم عدد البطولات التي دخلت أروقة الأندية التي طبقت الكرة الشاملة بقدر ما تم تمجيد الأفكار! عنفوان برايان كلوف وتأثيره الكبير على لاعبيه لربما يمثل الثقل الحقيقي والوجه الأكبر من إنجازاته وليس الكئووس والمنصات، عندما يقول أحدهم “أريغو ساكي” يبدأ المخ بإرسال إشاراته للحواس بأن تُمجد أفكاره وأساليبه الحديثة التي غيرت مجرى كرة القدم، لا اعتقد أن ثمة حاسة واحدة قد تمجد ألقابه!

يقول الرائع جيوفاني تراباتوني “المدربون نوعان من أقيل في وقت سابق ومن سيُقيل بوقت لاحق” فكلهم ذاهبون لكن الأهم هو البصمة!! نزعة أليكس فيرغسون الهجومية مع 442، كاتيناتشو هيريرا ونيرو روكو، المهاجم الوهمي لهوغو مايزل رفقة النمسا بالخمسينات، تناسق وجمال كرة أرسين فينغر، واقعية بينيتز وتهور فان جال، إلغاء ساكي حتى لمركز الليبرو، كل هذه أمور تميز مدرب عن الآخر وتجعله فريدًا ومُتذكرًا لدى الأجيال، صدقًا فلنترك الألقاب للإحصائيين والكُتّاب ومًحترفي برامج المايكروسوفت، ولنولي جُل عقولنا للأفكار والأفكار المُضادة، للتكتيك، لـ كيف يدافع هذا ولماذا يهاجم ذاك؟ كيف السبيل لإيقاف ضغط كلوب، ولماذا يركن مورينيو الباص، هذه هي كرة القدم.

 

غوارديولا وساري من مواجهة مانشستر سيتي ونابولي بدوري الأبطال هذا الموسم 2017-2018

والآن ومع كل ما قدمه غوارديولا لكرة القدم -معروف للقاصي والداني– فإن الرجل مُطالب بالاحترام من البعض، ليس فقط من أجل الأساليب المعقدة والطرق الحديثة في اللعب، بل بالنتائج أيضًا، فهو جمع بين الشقين وبغض الطرف عن الجودة والمال المتاح، من سوء طالع بيب أنه جاء في زمن كلوب، من سوء طالعه انه واجهة في هذا الدور من دوري الأبطال، فلولا الألماني لوصل مانشستر سيتي لنهائي البطولة وظفر بها، لكن حتى القمر يظهر في معظم الأوقات غير مكتملًا!

الفارق بين بيب وساري على سبيل المثال هو أن الأول حصد الكئوس وتوافرت كافة الإمكانات والآخر لم يحصد واحدًا ولم يتوافر له شيء، لكن وجه التشابة كبير للغاية وقد يصل لحد الترادف فأفكار كليهما انبثقت من مشكاة واحدة، وفي نظري فإنهما ناجحان بكل المقاييس ومن بين الأفضل في العالم، فقط لأنني اخترت المعيار الثاني!

هذه المقالة تعبر عن آراء الكاتب الخاصة وليس بالضرورة عن رأي الموقع

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل