من يعرقل التسوية مع ’جيش الاسلام’ ولماذا؟

بعد أن تم تحرير القسم الأكبر من الغوطة الشرقية، وحيث تُستكمل عملية التسوية في اغلب مدنها وبلداتها، اما انتقالا الى ادلب مع مستقبل غامض ومصير مجهول، او انخراطا في حياة طبيعية ومسؤولة مع الدولة والجيش، يبدو ان الحسم العسكري سيكون الاكثر احتمالا لانهاء وضع مدينة دوما ومسلحيها من جيش الاسلام.

كتب شارل أبي نادر * للعهد الإخباري : قبل بدء العمليات العسكرية الواسعة التي هدفت لتحرير الغوطة الشرقية، كان يبدو ان الفصيل الأقرب لإمكانية سلوكه في التسوية والتفاوض البنّاء هو جيش الاسلام، لأسباب متعددة، منها تواصله الدائم سابقا مع الروس، لأهداف ميدانية تتعلق بتطبيق منطقة خفض التصعيد في الغوطة، او لأسباب سياسية تتعلق بدوره كفصيل أساسي مُنخَرط بجدّية في مباحثات أستانة وسوتشي، وحيث كانت المجموعات الارهابية الاخرى – جبهة النصرة وفيلق الرحمن وأحرار الشام – الاكثر تشددا لناحية القبول بالتسوية، هي الان على الطريق لانهائها، وبالشروط المناسبة التي حددها الجيش العربي السوري، بعد ان سبقت جيش الاسلام اليها، فما هي اسباب تعثّر هذه التسوية حتى الان مع الاخير والتي يمكن تصنيفها بأسباب ظاهرة وبأسباب غير ظاهرة؟

الأسباب الظاهرة

– لا شك ان احد اهم الأسباب الظاهرة هي كون فصيل جيش الاسلام هو الاكبر عددا مقارنة مع الاخرين الذين انسحبوا من الغوطة، وسيكون لذلك صعوبة لايجاد مكان ملائم في سوريا لانسحاب مسلحيه وعلائلاتهم، فالجنوب ما بين أرياف درعا او القنيطرة حيث ما زالت تسيطر المجموعات الارهابية على بعض المناطق، لا يبدو انه مناسب للطرفين، حيث لا تتحمل الفصائل الأخرى ما يمكن ان يفرضه جيش الاسلام من نفوذ نظرا لعدد مسلحيه الاكبر او لامكانياته المالية الضخمة، التي ما زال يستفيد منها بشكل روتيني كما يبدو.

– في انسحابه الى ادلب، هناك ايضا صعوبات كبيرة، فهو على خصام قاتل مع اغلب فصائل المحافظة الشمالية الخطرة، ولا يمكن ان يهادنه احد من تلك الفصائل حيث تاريخه معروف بمواجهتها، بالاضافة لان إدلب، التي اصبحت ضيقة على سكانها والوافدين اليها، من الأجانب او السوريين، تعيش اليوم صراعا مفتوحا وحرب تصفيات دموية متبادلة بين تلك الفصائل، الامر الذي يخشاه او يتلافى الوقوع به.

– لا يبدو ايضا ان كوادر جيش الاسلام – او قسم من قياداته على الاقل – قد اقتنعت ان المعركة مع الجيش العربي السوري قد إنتهت، وان قرار الاخير بتحرير كامل الغوطة هو قرار نهائي غير قابل للمراجعة، و حيث ما زالت هذه القيادات تعوّل على اجراءات دولية او قرارات مشبوهة تنقذها من الاستسلام وتبقي نفوذها في الغوطة الشرقية، فهي تحاول المماطلة في قبول التسوية قدر الامكان.

الأسباب غير الظاهرة

لا شك ان الاسباب الظاهرة المذكورة أعلاه والتي تعرقل وتؤخر التسوية مع جيش الاسلام هي أسباب عملية وواقعية، وتستطيع ان تؤثر في ذلك بشكل مهم، ولكن في الحقيقة هناك أسباب أخرى غير ظاهرة، لا يتكلم بها احد ولا يتطرق اليها احد ويمكن تحديدها كالتالي:

– المفاجأة الأولى كانت لمن تابع عملية دخول الجيش العربي السوري، اعتباراً من المحور الشرقي في حوش الظواهرة بداية، وحتى وصول وحداته الى عمق الغوطة قرب بلدات حمورية وسقبا ومحيطها، هي رد فعل المواطنين السوريين أبناء تلك البلدات، والذين بوجود المسلحين، رفعوا العلم السوري ونادوا عبر مظاهرات كانت واضحة بصدقها وبعفويتها، بدخول الدولة والجيش، وحيث كان ذلك صادما للكثير من الجهات الدولية والاقليمية من رعاة المسلحين، وخاصة من رعاة جيش الاسلام، فإن التسوية المرتقبة بين الدولة وجيش الاسلام اذا سلكت، ستنهي حكما النواة او نقطة الارتكاز التي كان يعول عليه الغرب كمنطلق وقاعدة “للثورة”، وستنفضح الأخيرة وابطالها بانها كانت ثورة مزيفة وشماعة لتدمير الدولة السورية وتقسيمها.

تقدمت مراحل التسوية في حرستا وعربين وزملكا وجوبر وتود الحياة الى طبيعتها

– بعد ان سلكت وتقدمت مراحل التسوية في حرستا وعربين وزملكا وجوبر وغيرها، اكتشف رعاة المسلحين ان الحياة الطبيعية ستعود بشكل سريع الى تلك المناطق، خاصة ان ابناءها ممن ارتضوا المصالحة والبقاء في بلداتهم هم جاهزون بالكامل للانخراط في الحياة والعلاقة الطبيعية مع الدولة، الامر الذي رأى فيه هؤلاء الرعاة مشكلة لمشروعهم، والذي سوف يتبخر بين ليلة وضحاها بعد ان تظهر حقيقىة العلاقة بين الدولة السورية والمواطنين، الذين اجبروا او انجروا الى مواجهتها لاسباب وظروف مختلفة.

وهكذا، بين الاسباب الظاهرة التي تؤخر التسوية مع جيش الاسلام في دوما، وبين الاسباب غير الظاهرة التي يمكن ان تشكل انهاءً لمشروع استغلال المواطنين السوريين لاستهداف دولتهم وجيشهم، لم تكتمل حتى الان التسوية مع جيش الاسلام، الفصيل الذي يشكل اخر لاعب محلي لاستهداف الدولة السورية، وحيث قرار الاخيرة نهائي وثابت بتحرير كامل الغوطة الشرقية، يبدو ان الحسم العسكري هو على الطريق لتنفيذ هذا القرار.

* أبي نادر – عميد لبناني متقاعد 

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل