هل يجازف الاميريكيون بالبقاء في سورية؟ دولارات ترامب بلا رصيد .. وكلمات الأسد رصيدها الذهب

نارام سرجون

يستطيع الأميريكون أن يطبعوا دولارات بلا رصيد من ذهب مثل اي عملة مزيفة .. وأن يعطوا العالم أوراق الدولار التي لاقيمة لها ليقايضوها بالبضائع والسلع التي يريدونها .. عملية احتيال ونصب ساعدهم عليها النفط العربي الخليجي الذي لايقبل عملة للتعامل بها الا الدولار الورقي عديم القيمة .. ولكن الاميريكيين في سورية لايستطيعون بيع تصريحاتهم كما يبيعون أوراق الدولار دون رصيد .. لأن السياسة أيضا مثل الاقتصاد تحتاج رصيدا كي يتم التعاطي بأوراقها ..

فالاميريكون في تصريحاتهم طوال عقود يتبعون نفس اللعبة ونفس طباعة العملة والبنكنوت الذي لايقف على رصيد الذهب .. أي لعبة طباعة التصريحات من دون رصيد سياسي أو جغرافي .. حيث تعطيهم الأمم انتصارات مجانية وتنازلات وخيانات مقابل هذه التصريحات والتهديدات والوعود الخضراء المطبوعة في ماكينات الاعلام .. فسقوط بغداد مثلا تم في استوديوهات “الجزيرة والسي ان ان” عندما روج الجميع لفكرة مقتل الرئيس العراقي في قصف مطعم الساعة وصاروا يتحدثون عن البديل وان الجثث المنتشلة تشبه أو لاتشبه الرئيس العراقي .. وذهب البعض الى حد ان فحوص الدي ان اي تثبت ان احدى الجثث هي للرئيس العراقي .. وأمام هذه التصريحات الورقية التي لم يكن لها أي ارضية ولارصيد من الحقيقة انهارت القيادات العسكرية العراقية واستسلم الجنرالات رغم ان بغداد كان فيها مقاتلون وسلاح يكفي لأن تقاوم سنة كاملة ..

وفي الحرب على سورية لعب الأميريكون نفس لعبة الدولار الذي لارصيد ذهبي له .. بل رصيده نفط عربي .. فحاول الرئيس اوباما اقناع السوريين والعرب والعالم كله أن أيام الحكم في دمشق صارت معدودة .. ووزع (دولار أوباما) السياسي ووعده الذي كان من غير رصيد على الاطلاق .. ولكن الرصيد والذهب السياسي الحقيقي للكلام والوعود كان في دمشق وبيد الرئيس الأسد وحلفائه تحديدا الذين كانوا يدركون اللعبة الأميريكية بالتهديد وحتمية التغيير .. لأن من لارصيد له على الأرض وبين الشعب هو الذي سيخسر المعركة .. وتبين في النهاية أن كلام أوباما الذي طبع على أوراق الصحافة العالمية ومؤتمراتها وصرف كما يصرف الدولار واشتريت به مواقف وسياسات وقرارات وبيانات اصدقاء سورية كان كلاما في كلام .. ولارصيد له في أسواق الذهب السياسي .. رصيده كان فقط النفط العربي الخفيف والثقيل ..

اليوم وبعد انهيار رصيد الكلام الاميريكي ورحيل اوباما لايزال الاميريكون يبيعون دولاراتهم السياسية في المنطقة ويقايضون الكلام الفارغ الذي لارصيد له ببضائع وسلع حقيقية من بعض السذج والأغرار في السياسة .. فقد قرر الأميريكون ان يطبعوا تصريحات جديدة – كما يطبعون الدولارات – تقول بأن الوجود الأميريكي لن ينتهي في سورية لأن داعش لم ينته بعد .. أي أن عملية حلب داعش لن تتوقف واعادة طبخ المطبوخ وملء القدور بالحصى والتراب وعظام داعش ستستأنف ليسدد المكتتبون على الأسهم الجديدة الثمن بالمواقف والمجاهدين والمتآمرين .. رغم أن ماسيفعله الاميريكون هو مقاتلة جثة محنطة وضربها وركلها فيما نحن نستعد لدفنها قريبا ..

ولكن لم يطلق الاميريكون هذا الكلام ؟؟ وهل لديهم القدرة أو المجازفة للبقاء في سورية ؟؟
الحقيقة هو أن الكلام الاميريكي موجه الى الأكراد كي ييبيعوا بضاعتهم السياسية الى الاميركيين مقابل وعود اميريكة خضراء (مثل الدولار) بلا رصيد فيغامر الأكراد بمواقف تدفعهم الى مواجهة مع السوريين معتقدين ان القرار الاميريكي هو الثبات معهم .. وأما من يوجه الاميريكيون كلامهم الأخضر اليهم فهم من بقي في قعر الجرّة من المعارضة .. ترامب أعطاهم تصريحات بلا رصيد على الارض مقابل أن لاينخرطوا في التسوية التي تقوم بها روسيا .. ويريد ترامب ان يقول ان اللعبة لم تنته بعد ويمكنكم الاعتماد على بقائنا الذي سيبقي الاسد وحلفاءه منشغلين عنكم بالمنطقة الشرقية .. ولذلك فان من سيفاوض في ادلب وغيرها للتسليم فانه سيخسر لأن الاميريكيين ثبتوا نقاطهم ووجودهم في الشرق السوري والذي سيبقى خارج سيطرة الدولة السورية وسيكون بؤرة لدولة يجب أن تنتظرها المعارضة فهناك احتمال تقاسمها بين المعارضة والأكراد ..

وهنا يجب أن نتوقف ونسأل ان كان الكلام السياسي يعني أي شيء من غير قوة على الأرض ؟؟ فالذي له قوة عسكرية على الأرض له رصيد الذهب في السياسة وهو الذي يعطي لتصريحاته وأقواله معنى وقيمة حقيقية .. فالروس عندما قرروا ايقاف اللعبة الارهابية في سورية كان وعدهم برصيد قدره أحدث مئة طائرة وعشرات القاذفات و48 ألف جندي .. والاميريكون احتاجوا لـ 200 ألف عسكري في العراق لاسقاط الدولة العراقية كي يعطوا لكلامهم مصداقية ولتهديدهم معنى بالانتقال الى غزو سورية .. ولكن كم بقي للأميريكيين من قوة عسكرية في كل سورية والعراق ؟؟ حسب أكثر المعلومات دقة فان عددهم في سورية لم يتجاوز بضع مئات .. وهم عبارة عن كتلة ضعيفة تحملها قوات قسد التي تشبه الكرسي المتحرك الذي يحمل شخصا معاقا أمريكيا ..

الآن الكلام الخطير الذي لديه الرصيد العسكري والسياسي وينال ثقة الجميع هو كلام الرئيس الأسد الذي كان كلامه الدقيق الموزون برصيد الذهب والموجه (للخونة) الذين يعملون تحت ظل الأجنبي موجها في الحقيقية للأمريكان أكثر من الاكراد والمعارضة المسلحة وحلفائها .. وكلام الاسد ليس دولارات أميريكة مطبوعة بلا رصيد .. بل لديه رصيد ضخم من الذهب في السياسة وهو يعني مايقول بالاستناد الى مايملكه الرجل على الأرض .. وماحققه في الجغرافيا .. وسجله المليء بوعود النصر التي تتحقق .. وكلامه له غطاء حقيقي من المصداقية التي أثبتها .. فهو لديه جيش محارب ضخم خاض أقسى حرب .. ولديه حلفاء اقوياء وأوفياء في المنطقة .. ورصيد من الانتصارات الى جانب حرب ضد الامريكان في العراق والتي فاز فيها .. ورصيد مواجهة سابقة مع الامريكان والاسرائيليين وحلفائهم في لبنان عام 2006 .. وأخيرا رصيد تحطيم الموجة الأخيرة في الربيع العربي والتي توّجها بتحرير حلب رغما عن أنف اميريكا والعالم ثم تحرير دير الزور .. وهذا وحده رصيد يحظى بثقة كل من يستمع للأسد الآن أمام الثرثرة الاميريكية .. وهو سينزل بهذا الرصيد السياسي والعسكري الثقيل الى مواجهة الاميريكيين في المنطقة الشرقية في لحظة حاسمة محددة بدقة فائقة .. وبكلام آخر فان الأسد وحلفاءه الذين خبروا الاميريكيين وجربوهم مرارا وهزموهم مرارا صاروا يدركون ان الكلام الأميريكي عن البقاء في سورية يحتاج الى 200 ألف عسكري اميريكي لتحقيقه وموازنة حرب مكلفة جدا .. ولذلك فان كل التصريحات الأميريكة تشبه الدولار الذي يطفو على النفط العربي وليس على الذهب .. وهو يشبه دولارات أوباما السياسية التي طبعها للراغبين وقايضها بخيانات وأموال عربية وفتاوى ومواقف خسيسة .. أخذها وملأ مخازن أميريكا بالمواقف العربية المتخاذلة وبضائع الاسلاميين وجهادييهم وأموال العرب .. ثم غادر وترك كل حلفائه والمعارضة السورية والارهابيين وقد ملؤوا حقائبهم بالوعود الخضراء والأوراق والتصريحات المطبوعة التي كات من غير رصيد على الأرض ..

وأنا أذكر انه عندما استولت داعش على الموصل وتم اطلاق مشروع داعش بقوة لفصل سورية والعراق بجسم ارهابي ضخم .. أذكر انني قلت ان محور المقاومة لن يسمح لهذا الكيان بالبقاء وسيستأصله من جذوره بأسرع وقت ممكن فيما كان الأميريكون يبيعون دولارات سياسية عن داعش بقيمة 30 سنة على الأقل .. وكان البعض يعتقد أننا لا نعيش العصر الجديد وأننا نهذي بالأوهام .. ولكن كلامنا كان نابعا من معرفة برصيد أميريكا ومانملكه نحن على الأرض .. وهانحن اليوم نردد (أوهاما جديدة) ليسمعها الجميع ونقول: ان بقاء الاميركييين في المنطقة الشرقية صار مستحيلا .. وأن كل من يشتري دولاراتهم السياسية ووعودهم انما يشتري أوراقا بلا رصيد .. ولن يكون هناك أسهل من هزيمتهم واخراجهم من شرق سورية .. وسيخرجون بالقوة أو بهدوء من دون ضجيج ..

لنتذكر .. عندما تهزم الجيوش فان من يموت ويجرح ويحترق ليس الجنود والدبابات فقط بل الكلمات والمصطلحات التي حملتهم وحملوها الى الحرب .. والحقيقة هي أن الحرب تكون أيضا بين الكلمات على الجبهات .. فعقب الحروب يحصي الناس عدد شهدائهم وجرحاهم وبيوتهم التي دمرت .. فيما ينشغل المفكرون في دفن الكلمات التي شاركت في الحرب وتضميد جراح الكلمات التي لم تمت ولكنها صارت مقعدة أو مبتورة الأطراف .. تسير على الكراسي المتحركة .. قد تنتصر في الحرب عسكريا ولكن اذا ماتت كل الكلمات التي حاربت معك فان خسائرك لاتقدر بثمن .. وسيكسب الحرب من بقيت كلماته على قيد الحياة حتى وان أبيدت جيوشه ..

وكما نعلم فقد سخر أهل النفط من العصر القومي العربي بعد هزيمة القوميين واعتبروا أن مفردات العصر (القومجي) ومصطلحاته دقة قديمة أو جثث محنطة أو أجساد جريحة مقعدة لم تعد تعادل عصر العولمة والانترنت وعصر دبي وأبو ظبي والدوحة والرياض .. ولاتنسجم مع عصر جهابذة المذاهب .. عصر العرعور والسديس والقرضاوي .. ولذلك فقد تم دفن كلمات العصر القومي في أكبر مقبرة جماعية حفرتها جرافات الاعلام النفطي .. ودفنت اغاني الثورة القومية وكلمات ناصر وأحلامه .. وشنقت كلمات عصر البعث العراقي يوم العيد .. وحوصرت كلمات البعث السوري وفرضت عليها الاقامة الجبرية ..

اليوم تغير المشهد ومن حقنا أن نحفر قبرا جماعيا لدفن كل الكلمات والتصريحات والوعود والمصطلحات التي حملها المشروع الغربي الصهيوني في سنوات الحرب على سورية .. وكل دولارات السياسة المزيفة القائمة على خداع الناس وبيعهم شيكات بلا أرصدة .. وكل كلمات الهزيمة وبنكنوت الخيانة وبورصة التخاذل والترهيب منذ عام 2003 .. اليوم تنضم كلمات وتصريحات الاميريكيين وداعشهم ونصرتهم وديمقراطيتهم المصدرة الينا وقصة بقائهم اللامحدود الى هذا القبر الجماعي .. تصريحات تخرج الآن بشكل شاذ وغريب عن الزمن والعصر وكأنها من أهل الكهف الامبريالي وكهف المحافظين الجدد ..

كما تمتعتم بتحرير حلب .. وتحرير دير الزور .. وتحرير العراق .. ادعوكم الى انتظار متعة هزيمة المشروع الغربي الناجزة في سورية وأتوقعه عام 2018 على الأرجح حسب معطيات السنوات الماضية ونتائجها الدقيقة .. وعليكم خاصة ان تستمعوا لما سيقوله لكم عام 2018 الذي يحمل تطورات وانتصارات جديدة .. وآمل ان تتابعوا فيه أحد أهم المشاهد الممتعة فيه وهي اخراج الغزاة والمحتلين .. والخونة .. ودفن كل وعودهم وكلماتهم في المقابر الجماعية للكلام المجاني الذي لارصيد له ..

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل