شماليّ القدس، غربيّ دمشق: القرار ليس رمزياً؟!

يحاول البعض استسهالا للقضية أن يشيع وكما كتب عامر محسن في الأخبار اللبنانية، أن اعتراف “ترامب” بالقدس عاصمة للكيان المحتل لن يزيد الأمور سوءاً وأنّه لا يغيّر شيئاً، والمسألة رمزية… والصفة الأبرز للقرار الأميركي هي أنّهيس يعتبرنا (فلسطينيين عرباً وسكاناً أصليين) «طرفاً ثالثاً»، خارجيّاً، في القرار والصفقة، لا يُحتسب له حساب.

ويتابع الكاتب: في خطابه “ترامب” وإدارته يداريان ردود الفعل في اوروبا، والبيانات الشكلية التي ستخرج، أكثر من قلقهما من ردّة فعل الفلسطينيين والعرب. بل إنّه قد تقصّد ألّا يلفظ كلمة «فلسطين» مرّةً واحدة في خطابه الطّويل، مستخدماً تعبير «الفلسطينيين» بديلاً. وهو في المقابل، تكلّم على القدس بصفتها مدينة واحدة، ولم يرد تعبير «القدس الغربية» أو «الشرقية» في كلامه. لا يمكن أن يكون هناك أن تكون أوضح من ذلك.

ويعض الكاتب على جرحه حين يقول: أفهم تماماً أن تقوم الحكومات العربية بالتطبيع العلني مع “اسرائيل”، أو المشاركة في “صفقة العصر”، ولكن ما لا أفهمه هو لماذا يجب أن تترافق كلّ خطوة تطبيعٍ لنظامٍ عربي مع حملة عنصرية وتحريضٍ ضدّ الفلسطينيّين، من مصر السادات الى السّعوديّة اليوم.

وتتكرّر في كلّ مرّة لازمتان، الأولى هي أنّ الفلسطينيين تخلّوا عن بلدهم و«باعوا أرضهم» وهم سعيدون بالحياة في مخيّمات اللجوء والمنفى، فليس علينا حرج (كأنّ لو ما جرى على الفلسطينيين من استعمارٍ إحلاليّ، لو جرى لأيّ اقليمٍ عربيٍّ آخر في المرحلة التاريخية ذاتها، لكانت النتيجة مختلفة، ولهزم هؤلاء الصهاينة وبريطانيا وأميركا. في الواقع، قامت أنظمة عربية عديدة ببيع أرضها والتفريط بحدودها ورهن مستقبل شعبها من دون أن يُمارَس عليها أيّ ضغط).

اللازمة الثانية أكثر خبثاً، لأنها تدّعي حبّ الفلسطينيين، ومفادها أن القضية قضيّتهم والصراع صراعهم وما علينا سوى أن نتركه لهم ونتمنّى لهم التّوفيق.

هذه الحجّة تشبه تماماً أن تقول للهنود الحمر في وجه البيض، أو لبلجيكا في وجه المانيا خلال الحرب، أنّ الموضوع بينكم وبين خصومكم وعليكم تدبّر أمركم، وهذا إخراجٌ “فهلويّ” لتركهم يُسحقون في وجه قوة أكبر منهم بكثير وهذه الحجّة هي جوهر خطاب النظام الرسمي العربي حول الموضوع، منذ أيّام السّادات وعرفات… وبرأي الكاتب من يعتقد أنّ المواجهة مع الصهيونية تقتصر على موضوع فلسطين لم يتعلّم شيئاً من دروس العقود الأخيرة.

فالصهيونيّة، هي شيءٌ أكبر بكثير من “اسرائيل” ومن النزاعات الحدوديّة، الصهيونيّة هي «روح العصر» المهيمن، تتماهى معه وتسري في عروقه، فتجدها في واشنطن وتجدها في بيروت والرياض. لو كان هناك من درسٍ من تاريخنا القريب، فهو أنّه لا يمكنك أن تفصل هذه الصّراعات عن بعضها البعض، وأن تواجه الصهيونية حقّاً «على حدى»، وأن تميّز بين العميل والسيّد، وأن تحارب اسرائيل فيما انت تصالح اميركا (أو العكس)، أو أن تحلم بتحرير فلسطين وانت تتّكىء على الخليج.

في نهاية مقاله يؤكد عامر محسن، أن هذه البقعة من الأمّة، شمالاً من القدس وغرباً من دمشق، لن تحرّر فلسطين وحدها، ولكنّها تعلّمك الطريق الى ذلك، وكيف يمكن لك أن تمحو كلام الكبار وتفسد خططهم، وتجعل الرئيس الأميركي يبلع كلامه، وأنّ ذلك كلّه ممكنٌ ومتاح. هي تعلّمك كيف تكون ندّاً.

عليك أن تعيش الاحتلال حتى تفهم شعور أن تعبر في حقولٍ وقرىً ووديان وشواطىء كانت مسلوبةً منك، فصارت لك، تذهب الى آخر تخومها؛ ولو صادفت جنديّاً صهيونيّاً على الجانب الآخر، ففي وسعك أن تشير اليه وتسخر منه وترميه بالحجارة، فهو لن يجرؤ على المساس بك. يتساءل الكاتب هل يمكننا أن نعذر من لا يشاطر هؤلاء الرؤية الى التحرير والمقاومة والقدس والنظام العالمي، من حيث أنهم أناسٌ لا يعرفون هذا الشعور، ولا يفهمون معناه، ولا يدرون أنّه في المتناول، أو هم ربّما لا يريدونه أصلاً؟..
” صفحة عين على الصحافة “

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل