(قصة قصيرة) : رحلة باردة

وليم عبدالله
(((كل الشهداء فقراء ولم يسجل التاريخ يوماً أن استشهد أحد الأغنياء فالأغنياء لا يستشهدون وإنما يدفعون الفقراء للشهادة)))

يقف وحيداً تحت جسر مدينة جبلة وهو ينتظر رفاقه القادمين من اللاذقية. الصباح بارد هنا في الساحل، الضباب خفيف ولكن الريح شديدة أو لعله هو يعتقد بأنها شديدة بسبب البرد الذي ينهش عظامه… انتظر رفاقه القادمين في باص قديم يقلّهم إلى دير الزور ومن هناك يتجهون إلى منطقة البوكمال لمتابعة حربهم القاسية ضدّ شياطين لا يعرفون جنسيتها أو وطنها، حتى أنهم لا يعرفون الأرض التي أتوا منها.
يجلس الكبار في السن على مقاعد الباص الحديدية والتي لا يتجاوز عددها العشرين مقعداً في حين يقف الثلاثون الآخرون على أرجلهم باعتبارهم الأصغر سنّاً وهم في الحقيقة يناهزون السابعة والثلاثين من العمر ولكنهم الأصغر سنّاً مقارنة بالذين معهم.
انتهت إجازة هؤلاء الفقراء التي استمرت خمسة أيام ليجتمعوا صباح هذا اليوم ويركبوا باصهم العجوز ويتجهوا إلى دير الزور، أغلبهم يقف على قدميه طوال الطريق يتحمل الألم والعطش والجوع والهواء الذي يدخل الباص من الثقوب الكثيرة التي أحدثتها رصاصات المسلحين به.
اجتازوا طرطوس واقتربوا من حمص، وهناك التقوا جنازة شهيد قادمة على الطريق بهدوء وحشيّ وكأنها تعاني من البرد هي الأخرى، تأملوها جيّدا وهم يتسائلون فيما بينهم أين استشهد هذا الفقير؟ نعم كل الشهداء فقراء ولم يسجل التاريخ يوماً أن استشهد أحد الأغنياء فالأغنياء لا يستشهدون وإنما يدفعون الفقراء للشهادة.
كان ذاك الغجريّ يقف بين رفاقه ويتأمل هذه الجنازة اليتيمة التي تسير بهدوء وكأنها تحرص على عدم إزعاج الناس في هذا الصباح البارد، تأملها وهو لا يعرف أنّ الشهيد هو رفيق مدرسته وابن قريته، في اليوم الذي يعود فيه إلى دير الزور كان رفيقه قد أتى من دير الزور إلى القرية ولكن أتى شهيداً.
توقف الباص عند “تحويلة” حمص، ولكن ليس في استراحة كما يفعل المسافرون بل على الطريق لإجراء بعض الصيانات له فهذا الباص محارب هو الآخر وأتعبته كثرة الإصابات، تابع الباص رحلته البطيئة وفي المساء وصلوا إلى تدمر وتوقفوا لمعرفة أي الطرق يسلكون ففي الصباح كان مسلحو داعش قد نصبوا عدّة كمائن على طريق “الشولا” وقتلوا بعضاً من رفاقهم الفقراء.
تلقوا الأوامر بمتابعة السير بعد أن ضمنوا أنّ الطريق آمن من المسلحين، والصمت البارد يلفح وجوههم الساكنة بحزن مرير، كان هذا هو اليوم الأخير من إجازتهم وذاكرتهم تجترّ كل الأحداث التي مرّت بسرعة في الأيام الخمسة التي مضت كأنها خمس دقائق، أحدهم يبتسم فصوت ضحك طفله الصغير يرّن في أذنه وكأنه يسمعه في هذه اللحظة، وآخر يبتسم مع دمعة خفيفة وهو يتذكر ملمس يد أمّه عندما وضعها على خدّه أثناء وصوله إلى المنزل.
الظلام حالك هنا في الصحراء، يمكنك أن تشعر به كأنه قطع سوداء متراصّة فوق بعضها البعض ومن الصعب اختراقها، لعلّه البرد ما يمنح الظلام هذه الصفة القاسية، يتقدم الباص بهدوء في تلك الطريق الصحراوية ويتقدم الضوء الشحيح الطريق أمامه كأنه رفيق الباص أو شقيقه الأصغر يسبقه في الركض لأنه يشعر بالأمان أنّ شقيقه الأكبر يسير خلفه و يحميه من كل شيء سيء.
الجنود منهم من يغفو على كرسيه ومنهم من يتمدد على الأرض بين أرجل رفاقه وهو يوصيهم مازحاً بأن لا يدهسوه بأقدامهم، في حين تعلق البقية بتلك الحديدة التي تمتد على طول الباص يغمضون أعينهم نصف يقظة ونصف غفوة. وفجأة يرتطم الباص بشيء ما، ويتتالي الاصطدام حتى يخرج عن الطريق ويتجه إلى وادي صغير ويسقط على جانبه بفضل تلّة ترابية صغيرة على حافة الوادي كان لها الفضل بأن حمتهم من السقوط إلى الأسفل والموت المحتم.
يخرج الجميع من نوافذ الباص وهم لا يعرفون أين هم ولكن كانت شبكة الاتصال كفيلة بأن تذكرهم أنهم في منطقة آمنة لأنهم اعتادوا على هذه الشبكة أن لا تتواجد إلاّ في المناطق الآمنة.
تعاونوا فيما بينهم حتى أعادوا الباص إلى وضعه الطبيعي وبدأ السائق ومن يفهم بالميكانيك بإصلاح الأعطال التي أصابت المحرك في حين توجه البعض الآخر إلى الطريق ليعرف سبب الحادث ويتفاجأ بمطبات كانت جديدة في الطريق كانت السبب في تدهورهم وإخراجهم عن الطريق.
انتشروا في المكان بحالة عفوية يحرسون بعضهم ريثما يتم إصلاح الباص، وأكثر ما كان ملفتاً هناك أن كل ما حدث قد حدث بصمت ٍ رهيب، لم يصرخ أحدهم ولم يظهر أية علامة للغضب.
انتهوا من إصلاح الباص وصعدوا به بعد أن شكروا تلّة التراب التي أنقذت حياتهم، وفي الحقيقة هي الشيء الوحيد الذي اهتم لحياتهم منذ بداية الحرب حتى هذه اللحظة.
تابع الباص رحلته بعد أن اشتدّ الظلام، وفي تلك الأثناء كان الجنود قد بدؤوا يفتحون حقائبهم ويخرجون ما وضع لهم أهلهم فيها من طعام ويرتدون بقية الثياب التي يمتلكونها، فالبرد قارِس جداً والطريق إلى دير الزور لا يزال بعيداً.
في تلك الأثناء كانت التلة الترابية قد بدأت تفوح منها رائحة شبيهة برائحة المسك والعنبر، بفضل الندى الذي فعله البرد، كانت رائحة دماء، فهذه التلة مجبولة برفات شهداء استشهدوا منذ سنوات وجرفهم الدواعش إلى هنا حيث تحولت جثامينهم إلى تلة ترابية حمت رفاقهم من السقوط في الوادي، ففي هذه الحرب، لا يشعر بالشهيد إلا الفقير، ولا يحمي الفقير إلا روح الشهيد التي تهيم في كل الأماكن الفقيرة.

((حدثت في 6/11/2017))

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل