جريمة مسجد الروضة في مصر: كيف أصبح قتل الإنسان كالإحتفال بذبح الخراف في الأعياد!؟

نصار إبراهيم (فلسطين المحتلة)

 

البكاء والرثاء والشجب والإستنكار واللغة العامة العمياء لن تعيد شهداء مسجد الروضة في سيناء، كما لن تخفف من فاجعة الفقد ولن توقف عجلة القتل التي تدور بطاقتها القصوى منذ سنوات في مجتمعاتنا العربية من المحيط إلى الخليج.
فحين يتم تشريع شل العقل واغتياله، يصبح قتل الإنسان هو الأيديولوجيا السائدة.
هناك من يواصل ترداد العبارة الساذجة: أن الإرهاب ليس له هدف… هذا هراء، فالأرهاب هو من أكثر الأيديولوجيات وضوحا في أهدافه وممارسته.
لقد تأسس هذا الإرهاب الدموي أمام أنظار الجميع منذ عقود طويلة، ومد جذوره في أعماق المجتمعات والوعي العربي، فشل فاعلية عقل الإنسان العربي وحريته وقدرته على التفكير، حتى أصبح قتل الإنسان وإبادة الجماعات، ولأي سبب كان، معادلا للاحتفال بذبح الخراف في الأعياد والمناسبات.
ولكن.. لماذا ولأي سبب يجب شل العقل واغتياله!؟
هنا تأتي وظيفة التفكير لإعادة الأمور والأحداث لسياقاتها، ذلك لأن هناك من يحاول إطلاق قذائف الدخان للتعمية، فيحاول تصوير عملية وديناميات تفريخ الجماعات الإرهابية القاتلة وما تقوم به من قتل وكأنه مجرد شذوذ مرضي ليس له علاقة بالواقع، أو كأنها ظاهرة جاءت من اللامكان أو كنبت شيطاني ليس له حاضنة أو أرض.
نقطة الانطلاق الأساسية في إدراك ظاهرة الإرهاب تتمثل في الإمساك بحلقة الإرهاب الفكري التي تتلخص مهمتها في شل وتدمير وعي وعقل المجتمع وتحويله إلى قطيع، الطريق نحو هذا الهدف ليس بسيطا كما يعتقد البعض، إنه عملية تراكمية طويلة مركبة ومتشابكة، إنها عملية احتلال متدرجة للفضاء الاجتماعي الثقافي والقيمي والأخلاقي والروحي والمعنوي، ثم إحلال قيم ومواقف وأحكام وفلسفة وثقافة نقيضة للعقل تماما.
الهدف النهائي من وراء هذه العملية هو السيطرة والهيمنة على الوعي والعقل لتبرير وتسويغ وتشريع السيطرة والهيمنة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية.
إذن أيديولوجيا الإرهاب هي وسيلة وأداة للهيمنة، ولكي تفرض هذه الأداة شرعيتها فإنها دائما تذهب إلى السيطرة على الحقول الأكثر حساسية وحيوية في المجتمع، الدين والهويات القومية والوطنية أو التمايزات الاجتماعية.
إنها تعيد صياغتها من خلال الاستيلاء عليها وتحويلها إلى أدوات لتدمير كل من يعارض أو يناقض أيديولوجيا الإرهاب.
في هذا السياق بالضبط تاتي وظيفة السيطرة على المؤسسة الدينية وعلى جهاز التربية والتعليم.
هذه هي وظيفة الأيديولوجيا السلفية الوهابية التي انبنت وترسخت على مدار قرون تحت بصر وأنظار المجتمعات العربية دون أن تفعل في مواجهتها شيئا.
لقد تم الاستيلاء على قلاع الدين الإسلامي كدين سائد في العالم العربي بأناة وصبر وهدوء، حتى تحول الفكر السلفي إلى أيديولوجيا سائدة مندمجة مع المنظومة الرجعية السياسية الاقتصادية المتخلفة والقاهرة بكل تجلياتها وآلياتها في السيطرة والتجهيل.
فحين تم التهليل لقهر المرأة واستعبادها وتحويلها إلى وسيلة اشباع لغرائز الذكورة باسم الدين فكيف يكون غريبا بعدها أن تقتل وتغتصب وأن تذل وتهان!؟.
حين يتم ترسيخ مبدأ تكفير اي جماعة تخالف منظومة السيطرة الأيديولوجية والسياسية القمعية للفكر الوهابي، فكيف إذن لا تعود عملية إبادة تلك الجماعات مبررة وعادية.
حين تتأسس فكرة أن الأديان الأخرى في مجتمعاتنا هي كافرة ويتم الصمت الاجتماعي والسياسي على ذلك، إذن لماذا الاستغراب حين يستباح دم أتباع تلك الأديان!؟. ما هو الغريب في أن يتم تفجير الكنائس في مصر وسورية والعراق!!!؟. وأين الغرابة في اغتيال الشيخ العالم محمد رمضان البوطي وهو يصلي في محرابه في دمشق!؟.
حين تصبح فكرة أن أي جماعة لها اجتهاد مختلف في داخل الدين الواحد بما يخالف الفكر السلفي هي خارج الدين، فما الذي يثير الاستغراب في قتل وتدمير تلك الجماعة!؟ وبالتالي ما هو الغريب في تفجير مسجد الروضة في سيناء وقتل 235 مسلم صوفي!؟ وما هو الغريب في قتل وإبادة وسبي الأزيديين والأشوريين والشيعة والحوثيين في العراق وسورية واليمن!؟.
حين تصبح فكرة أن أي معلم حضاري أو تاريخي أو ديني هو رمز للشرك والكفر، ويصمت المجتمع على ذلك، فأين الغرابة إذن في تدمير الآثار الأشورية ومدينة تدمر ونبش القبور والأضرحة!؟.
حين يتم الصمت على الفكر والحواضن الاجتماعية التي تبرر اغتيال الكتاب والعلماء باعتبارهم خارجين على الدين، فأين الغرابة في اغتيال مدير آثار مدينة تدمر الشهيد خالد الأسعد واغتيال الكاتب والمفكر الأردني العربي ناهض حتر على سبيل المثال!؟.
إذن، هذا هو الثمن الذي تدفعه الآن المجتمعات العربية بالجملة من دمها وثقافتها وحضارتها وتاريخها وأديانها وقيمها واقتصادها ووحدتها ووجودها بعد أن صمتت منظوماتها السياسية والثقافية والإعلامية والتربوية والاجتماعية أمام عملية اغتصاب مقومات وجودها طيلة عقود!.
هذا هو الثمن الذي تدفعه الآن المجتمعات العربية بالجملة أمام صمتها وقبولها بهيمنة الفكر الإرهابي التصفوي على مدارسها وجوامعها ومؤسساتها التربوية والإعلامية، وبدعم وتمويل مباشر وصريح من أنظمة وممالك التخلف القبلية النفطية ربيبة الرأسمال العالمي الاستعماري المتوحش.
لهذا فإن كل من يواصل اللغة السياسية والثقافية العمياء والخطابات التي لا تقول شيئا أمام هذا الدم الذي يسفك على مساحة الوطن العربي منذ سنوات هو شريك أصيل في الجريمة، فلا يمكن تصديق أي دموع أو خطاب يتحدث عن محاربة الإرهاب ومواجهته دون المواجهة المباشرة مع المؤسسات والقوى السياسية والدول التي ترعى وتغذي ذلك الإرهاب.
كما أن كل من يصمت أمام الدول والقوى والأفراد والمؤسسات والمثقفين والإعلاميين الذين يصفون قوى المقاومة بالإرهاب، على غرار قرار العار الذي أصدرته ما تسمى بجامعة الدول العربية قبل أيام، ما هو إلا شريك موصوف ومباشر في تغذية واحتضان الفكر والجماعات الإرهابية القاتلة التي تستهدف بقاء المجتمعات العربية محكومة بالفكر الظلامي، خاضعة ومستلبة، تطحنها التناقضات والقهر والاستغلال.
هنا الصخرة فلنقفز… هنا الوردة فلنرقص!.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل