بقينا و لم ننس رائحة التراب

بقلم: وليم عبدالله

عندما كنت صغيراً، كان طريق قريتنا غير معبّد، وكنّا نعاني من الوحل طوال فصل الشتاء أضف إلى الكهرباء المقطوعة أغلب الوقت بسبب بعض قطرات المطر التي تهطل فوق الصين مثلاً لتنقطع الكهرباء عندنا.
كانت المدرسة بعيدة وكان علينا أن نسير مدة 45 دقيقة حتى نصل إليها، كنا نستمتع بصوت تكسير الجليد على أطراف الطريق، ونحن نرتجف من البرد في صباحات الشتاء القاسية…
متعتنا في تلك الصباحات الباردة كانت مراقبة الشمس وهي تشرق، هل سمعتم بأطفال يستمتعون بشروق الشمس بدل أن يستمتعوا بألعاب؟؟ في الحقيقة لم ألمس الألعاب أبدا في طفولتي ولم تدخل منزلنا ولا أعتقد أنها كانت موجودة في كل قريتنا، ألعابنا الوحيدة كانت لعبة (الركيّدة والطميمة و حكر مكر و الحجلة و الشكيّلة و السباحة التي كانت طقس يومي يستمر 3 ساعات تقريبا وبعض الألعاب التي نسيت أسمائها إلا أنني أذكر تفاصيلها بشكل جيّد)
كنّا جميعاً فقراء، وكان لدى معظمنا أبقار وجميعنا نأكل من زراعة الأرض، وتفوّقنا في المدارس رغم كل الظروف…
كانت الوظيفة في أي شركة أو معمل شبيهة بالحلم، ومع ذلك لم يكن الموضوع يكدّرنا، كنّا ننتظر الفرصة مهما كانت بسيطة، ولم نكن نتململ..
كان هذا البؤس انتامئنا الجميل إلى هذه الأرض، ذلك المفهوم الذي أحببناه من لسان المؤيد والمعارض آنذاك، كل صفات الانتماء كانت جميلة في ذلك الوقت.
عندما عبّدوا طريق القرية وبدأت الباصات الصغيرة تقلّ الطلاب إلى المدارس وانتشرت الحضانات، قلنا في أنفسنا أنّ البلد انتعش وكل شيء سيكون على ما يرام.
في وقت بدأت الحياة تبتسم لنا، نحن بؤساء الطفولة الجميلة، اندلعت الحرب ومات معظمنا واختفى الكثير في ساحات القتال، وتلوّنت أحلامنا باللون الأحمر، ورغم كل هذا الألم بقينا ولم ننسَ رائحة التراب وصوت انغماس أقدامنا في الوحل كل صباح، فقد كان الوحل والمطر أكثر ما جعلنا نتحسس الأرض التي جُبلنا منها، وظلمة انقطاع الكهرباء كان له الفضل في تأملنا اليومي للنجوم في السماء وإشباع حواسنا من جمال هذا المنظر الرائع.
هذه التفاصيل البائسة كانت أكثر ما علّقني بهذه الأرض وحتى هذه اللحظة ورغم الخيبة العظيمة التي ألمّت بي في هذا البلد إلاّ أنني أعجز عن الابتعاد عنه، وفي كل مرة أضعف، أتذكر صوت تكسير الجليد على طرف الطريق وأتذكر انغماس قدمي في الوحل واجتماعي مع إخوتي حول الضوء الخافت في فصل الشتاء وانتظار أن يأتي التيار الكهربائي لنتسابق بقول: إجت الكهربا.
هذه التفاصيل البائسة لم تبعدني عن الأرض ولم تقلل من حبي وانتمائي لها…

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل