هل توقفت حرب تشرين؟!

د. صابر فلحوط

كان السادس من تشرين، ولايزال، أعظم القرارات الاستراتيجية الشجاعة، وأكثرها عمقاً، وأفقاً، في تاريخ الصراع الوجودي بين العروبة الحضارية، والصهيونية العنصرية..

فبعد المقدمات الخطيرة، والمتمثلة بمعاهدة سايكس بيكو، ووعد بلغور (1917) بشأن القضية المركزية للأمة العربية، والتي قررت أن فلسطين “وطن قومي” للعدو الصهيوني، وأنها “إرث” تاريخي عبر تلفيقات وأساطير اخترعها التلمود تارةً، وحكماء صهيون تارة أخرى، وبعد سلسلة من الحروب شنَّها الاستعمار الأوروبي الغربي الأمريكي الصهيوني على العرب فكراً وثقافة وعقيدة وسياسة وإعلاماً، كادت تقضي على حلم الأمة بالصحوة والنهوض، بعد قرون من الاستعمار الأبشع والأشنع في تاريخ الاستعمار قديمة وحديثة، كان لا بد من وثبة تولاها بجسارة أبطال جيشي سورية ومصر في حرب تشرين التحريرية التي حفرت ذكراها نهراً من الفداء في وجدان الأجيال، وزرعت الأمل الأخضر المتحالف مع المستقبل والخلود بعودة فلسطين إلى أهلها باعتبارها أعدل قضية على وجه المعمورة أولاً، ولأنها الممر الإجباري لوحدة أمة كانت الأنبل والأعظم في يوم غربت شمسه ولا بد أن يعود!!

وقد استطاع الرجال العظام من أبطال الجيش الأول في سورية العربية، أن يحطموا ويجتازوا موانع “آلون” في الجولان، وأن يغسلوا جباههم الشامخة بماء بحيرة طبريا، ويستعيدوا ذرى جبل الشيخ، بما فيها من تحصينات وتقنيات الكترونية ورقابية عسكرية كانت تضع عاصمة القرار العربي دمشق تحت نظر العدو!! كما تمكن الجيشان الثاني والثالث في مصر العربية من اكتساح خط “بارليف” خلال ساعات أسطورية من البسالة والدقة والسرعة. ولولا نكوص، السادات، عن برنامج الحرب المتفق عليه مع القائد الخالد حافظ الأسد، وتنازله المذل عن تراث مصر وأمجاد الزعيم عبد الناصر، وتسليمه زمام النيل والأهرام وتاريخ مصر العروبي لصديقه “العزيز كيسنجر” لكان يوم السادس من تشرين يقرأ هذه الأيام في كتاب الخلاص الكامل والنهائي من فظائع الصهيونية العنصرية وأخطارها التي تهدد القيم الحضارية والإنسانية في العالم أجمع.

واليوم، وجيشنا العقائدي الذي أذهل العالم بصموده وتضحياته طوال سنوات الحرب الوطنية العظمى في مواجهة الإرهاب التكفيري الوهابي الصهيوني الذي استهدف الإنسان والتراب والتراث والحضارة في الوطن نتساءل: هل توقفت حرب تشرين التحريرية؟! أم أنها ماتزال تنتقل من جبهة إلى أخرى مع محاولات الأفعى الصهيونية تغيير جلدها، وتبديل داعميها لأقنعتهم؟!.

وكم هي “الحروب التشرينية” التي خاضها شعبنا الصامد وجيشنا الباسل بعد حرب السادس من تشرين 1973؟! أليست حرب الفكر الظلامي، والأصولية المتنكرة للأصل والإسلام، والقيم الخالدة، في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، جزءاً من المواجهة مع العدو الصهيوني المؤسس للفكر العدمي المتخلف، والهدام للعروبة والإسلام معاً؟!.

أليس غزو لبنان 1982، وتصدي عملاق المقاومة الوطنية اللبنانية لطرد هذا الاحتلال، عام 2000، جزءاً من حرب تشرين؟!. أليس دفن مشاريع الاستعمار، الجديدة القديمة (الشرق الأوسط الجديد، الشرق الأوسط الكبير، 0وإسرائيل الكبرى، والعظمى) وعدوان 2006 وانتصار المقاومة الوطنية اللبنانية المدعومة، حتى العظم والدم، من جانب سورية العربية، هو وقدة جديدة من مجمرة حرب تشرين التحريرية؟!. وهل هناك أصرح وأوضح في حقيقة استمرار حرب تشرين من الحرب الكونية الصهيونية الرجعية الأمريكية الأوروبية الممثلة بالإرهاب التكفيري الوهابي، والتي تشن على سورية منذ سنوات سبع محشدةً الجيوش والوحوش من أكثر من مئة وثلاثين بلداً في العالم.

واليوم، وشعبنا يهيئ الأعلام والبيارق والرايات لرفعها عالياً، إعلاناً للنصر النهائي في هذه الحرب الكونية، يؤكد استمرار قيم حرب تشرين، وأهدافها، في العديد من الساحات والجبهات، ولا سيما بعد انتقال أصحاب نظريات الإرهاب التكفيري الوهابي (بعد فشلهم في تسويق الإرهاب بصيغته الداعشية) إلى طبعته التقسيمية الجديدة القائمة على اختراع كيانات هجينة ليس لها من مقومات الحياة والديمومة إلا الحلم والوهم والوعود الأمريكية العنصرية والطائفية الصهيوأمريكية في تشظي الوطن العربي وتفتيته إلى دويلات مكروسكوبية وطائفية متصارعة أكبرها بحجم الجرادة كي يبقى الكيان الصهيوني “الراعي” و”الحاكم بأمره” في مستقبل المنطقة العربية بعد الإجهاز على العروبة والإسلام فيها!!.

غير أن صمود شعبنا العظيم، وجيشنا الأسطوري الفداء، ودعم محور المقاومة وتماسكه الرائع، لا بد أن يجعل من منطلقات حرب تشرين وأهدافها الاستراتيجية دستور الأمة في القادم من الأيام لتحرير الأرض والإنسان من البحر إلى النهر في فلسطين، وكي تعود القدس عروس العروبة، وجسر الوحدة التي تؤمن بها، ويستشهد الأبطال في الانتفاضات المشرفة من أجلها.

تحية لذكرى تشرين المتوهجة على الدوام، وكل الإجلال والإكبار لفارس تشرين الرفيق القائد المؤسس لسورية الحديثة، الرئيس الخالد حافظ الأسد وكل التحايا على الدوام لشعبنا العظيم، وجيشنا المقدام، وقائد مسيرة شعبنا وجيشنا المبدع والمنتصر في معارك السياسة والسلام، الرئيس بشار الأسد.

وسيبقى يوم تشرين، أمجد أيام العرب في القرن العشرين، متجدداً على الدوام صموداً مدهشاً، ونصراً مؤزراً، وإصراراً جباراً حتى انتصار الأمة في تحقيق وحدتها، واستعادة رسالتها الخالدة. وستبقى الأجيال المتصاعدة على سلم الفعل النضالي المقاوم تردد على الدوام مع الشاعر العروبي:

سلامٌ على تشرين نهراً من الفدا

يُعمِرُ للأجيال مجداً مخلّدا

توهّج فيه الثأرُ جرح كرامةٍ

بكل بطولات الجدود مُضَمَّدا

سورية الآن

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل