كيف يعمل مصباح الفلوريسنت الموفر للطاقة (CFL)؟

سنتحدَّثُ اليومَ عن إحدى الأفكارِ الأصيلةِ التي أضافتْ قيمةً حقيقيةً إلى تقدُّمِ جنسِنَا البشري، إنَّها تلك الفكرةُ التي قدّمتْ لنا مصابيحَ الفلوريسنت الموفِّرةِ لِلطاقة (Compact Fluorescent Lamps).
إنَّ هذهِ المصابيحَ تقومُ بِتوفيرِ المالِ وفي الوقتِ ذاتِهِ هي مصابيحُ صديقةٌ لِلبيئةِ، فمن ناحيةِ توفيرِ المال: تستطيعُ أنْ تستمرَّ بِالعملِ 10 أضعافِ المدَّةِ التي تستطيعُهُا نظيراتُها من مصابيحِ الإضاءةِ المتوهِّجَةِ –تلك التي تعتمدُ على فتيلةِ التنجستن-، كما أنَّها تستهلكُ طاقةً كهربائيةً أقلَّ بِنسبةِ 80% مقارنةً بِالأخرى، وأمَّا مِن الناحيةِ البيئيةِ: فتتميَّزُ هذه المصابيحُ بأنَّ لها القدرةَ على الحدِّ من الاحتباسِ الحراري؛ وذلك عن طريقِ تقليلِ ما يُقاربُ طنًّا من انبعاثاتِ ثاني أكسيدِ الكربون طيلةَ فترةِ عملِها.

وحتى تكتملَ الصورةُ في ذهنِكَ –عزيزي القرئ-، سنتحدَّثُ في البدايةِ بِاختصارٍ عن مبدأِ عمل مصابيح التنجستن ومن ثَمَّ سننتقِلُ لِمبدأِ عملِ مصابيحِ الفلورسينت.

مصباحُ التنغستون:
معظمُ المصابيحِ التي اخترعَها الإنسانُ سابقاً تعتمدُ في عملِها على مبدأِ “إنتاجِ الإضاءةِ عن طريقِ التسخين”، وهذا هو الحالُ في مصباحِ التنغستون كذلك؛ فعندما نضعُ قطعةً من الحديد على موقدِ تسخينٍ، ونُسَخِّنُهَا إلى أنْ تَصلَ حرارتُها إلى 950 درجة مئوية، فإنَّ قطعةَ الحديدِ تلكَ ستُشِعُّ ضوءاً أحمرَ، وعندما تصلُ إلى 1100 درجة مئوية سيتحوَّلُ ذلك اللونُ إلى الأصفرِ، وإذا ما استَمْرَرْنَا في رفعِ درجةِ الحراراة، فإنَّها ستُشِعُّ لوناً أبيضَ ساطعاً عند 2500 درجةً مئويةً؛ لِذلك نستطيعُ أنْ نستخدمَ تلك الإشعاعاتِ الضوئيةَ المُنْبَعِثَةَ من قطعةِ الحديدِ كَمصدرٍ لِلضوء.
ولعلك تَتساءل الآن: ما الفائدةُ من الضوءِ المُنْبَعِثِ من قطعةِ الحديدِ عندَ تسخينِها طالما لدينَا ضوءُ اللهبِ الذي يقومُ بِتسخينِ قطعةِ الحديدِ تلك؟!
دعني أُخبرْكَ بأنَّكَ مُحقٌّ تماماً، ولكن ماذا لو استطعنا أنْ نقومَ بِتسخينِ قطعةِ الحديدِ تلك دونَ أنْ نُعرِّضَها لِلهب؟! ألنْ يكونَ الضوءُ المنبعثُ من تلك القطعةِ عند تسخينِها بِمثابةِ المصباح؟
إنَّ هذا بِالضبط هو ما يحصلُ في مصباحِ التنجستن؛ فهو عبارةٌ عن كرةٍ زجاجيةٍ، تحتوي بِداخلها على شريطٍ رقيقٍ من التنجستن (1)، ويُسَمَّى “فتيل”. كل ما نحتاجُه الآن لِلحصولِ على الضوءِ هو تسخينُ الفتيلِ، ولكن -كما قلنا مسبقاً- لن نستخدم اللهبَ في هذه العمليةِ، وإنَّما سنقومُ بِتمريرِ تيارٍ كهربائيٍّ عَبرَ شريطِ التنجستن، وستَتَكفَّلُ مقاومةُ جزيئاتِ الفتيلِ لِمرورِ التيارِ خلالها من رفعِ درجةِ حرارةِ الفتيل، وبالتالي سيقومُ شريطُ التنجستن بإشعاعِ الضوء. هكذا تعمل مصابيح التنجستن بِكل بساطة.


الأشعة الضوئية المنبعثة من التنجستن

كيف ينتج الضوء؟ و ما سبب تغير لونه؟
إنَّ جميعَ المصابيحِ التي تُعطِي ضوءاً نتيجةً لِارتفاعِ درجةِ حرارتِها، يُطلق عليها “المصابيحُ المتوهجةُ” (incandescent lamp) ومصباحُ التنجستن هو أحدُ أهمّ أمثلتها. وحتى ننتقلَ من المصابيحِ المتوهجةِ إلى مصابيحِ الفلوريسنت، يجبُ علينا أولاً أنْ نجيبَ على السؤالين التاليين: لماذا تنتجُ قطعةُ الحديدِ ضوءاً عندَ ارتفاعِ حرارتِها؟ ولماذا يختلفُ لونُ هذا الضوءِ بِاختلافِ درجةِ حرارةِ قطعةِ الحديد؟
إنَّ الجوابَ على هذا السؤالِ يتطلبُ منَّا مغادرةَ عالمِنا إلى عالمِ الذرةِ مُتناهي الصغرِ. في ذلك العالمِ تدورُ الإلكتروناتُ حولَ النواةِ في مداراتِ (مستويات) طاقةٍ محددةٍ، فالإلكتروناتُ التي تدورُ في مستوًى قريبٍ من النواةِ لها طاقةٌ أقلّ من نظيراتِها التي تدورُ في مستوياتٍ أعلى وأبعد.
وعندما يتمُّ تسخينُ قطعةِ الحديدِ بِواسطة اللهبِ، تمتصُّ إلكتروناتُ ذرةِ الحديدِ الطّاقةِ الحراريةِ من اللهب؛ وتتركُ مدارَها لِتنتقلَ إلى مستوى طاقةٍ أعلى يتناسبُ مع طاقتِها الجديدة. ولكنَّ هذهِ الإلكترونات تكونُ في حالةٍ غيرِ مستقرةٍ (مثارةٍ) بعدَ انتقالِها لِلمدارِ الجديد؛ لذلك تعودُ مرةً أخرى لِمدارِها الأصلي بعدَ أنْ تخسرَ تلك الطاقةَ التي اِكتسبتْهَا وتظهرُ لنا على شكلِ فوتوناتٍ ضوئيةٍ (2).
الآن وبعدَ أنْ عرفْنَا آليةَ انبعاثِ الضوءِ من قطعةِ الحديدِ الساخنة، نستطيعُ أنْ نستنتجَ سببَ اختلافِ لونِ الضوءِ المنبعثِ عند درجاتِ الحرارةِ المختلفة. يعودُ السببُ في أنَّ إلكتروناتِ ذراتِ الحديدِ ستمتصُّ طاقةً أقلَّ عندَ 950 درجةٍ مئويةٍ من تلك التي ستمتَصُّهَا عند 1100 درجةٍ مئويةٍ، لِذلك ستنتقلُ لِمدارِ طاقةٍ أقل. وبالتالي عندما تخسرُ الإلكتروناتُ تلك الطاقةَ عائدةً إلى مدارِها ستبعثُ فوتوناتٍ ذاتِ طاقةٍ أقل عند 950 درجة مئوية من تلك التي ستبعثها عند 1100 درجة مئوية. إنَّ الفوتوناتِ ذاتِ الطاقةِ الأقل يكونُ لها تردُّدٌ(3) منخفضٌ وهي بالضبط ما يظهرُ من قطعةِ الحديدِ الساخنةِ كـ “طيف أحمر”. وأما الفوتونات ذات الطاقة الأعلى يكونُ لها ترددٌ عالٍ نسبياً وهي ذلك “الضوء الأصفر”. على هذا المبدأ نفسه تستطيع -عزيزي القارئ- أنْ تُفسِّرَ اِختلافَ ألوانِ الضوءِ من حولِك في الحياةِ اليومية.

إنَّ جميعَ أنواعِ الإضاءةِ التي تُنْتَجُ من المصابيحِ المتوهِجةِ تحتاجُ إلى قَدرٍ كبيرٍ من الطاقةِ حتى يتمَّ تسخينُ المادةِ الباعثةِ لِلضوءِ فيها. كما أنَّها بعدَ أنْ تقومَ بِتحويلِ جزءٍ من تلك الطاقةِ إلى ضوءٍ إلَّا أنَّها تُنْتِجُ معهُ أيضاً جزءاً كبيراً من الطاقةِ الحرارية. فإذا كان هدفُنَا هو إنتاجُ الضوءِ فقط، فإنَّ تلكَ الطاقةَ الحراريةَ الناتجةَ هي طاقةٌ مُتَبَدِدَةٌ لا يُستفادُ منها في أيِّ غرض. وتستطيعُ -عزيزي القارئ- أنْ تشعرَ بتلك الطاقةِ المُتبددةِ إذا ما وضعتَ راحةَ كفِّكَ على مقربةٍ من أيِّ مصباحٍ متوهج. في الواقع، إنَّ هذه المصابيحَ بعيدةٌ كلَّ البُعدِ عن توفيرِ الطاقة، فهي تستخدمُ (90-95)% من الطاقةِ الكهربائيةِ لِتقومَ بتسخينِ المادةِ الباعثةِ لِلضوء، أيَّ إنَّ (5-10)% فقط من تلك الطاقةِ الكهربائية يتمُّ تحويلُه إلى ضوء! [1][3]

مصابيح الفلورسنت الموفرة للطاقة:
إنَّ الضوءَ الذي نتجَ لنا في حالةِ المصابيحِ المتوهجةِ كان نتيجةً لِلتيارِ الكهربائيِّ الذي شَكَّلَ الحرارةَ اللازمةَ لِإثارةِ إلكتروناتِ الذرة ومن ثمَّ جعلها تبعثُ لنا بالفوتونات. وهنا -في مصابيح الفلوريسنت الموفرة للطاقة- سنقومُ كذلك بِإثارةِ إلكتروناتِ الذرة لكي تُصدرِ لنا تلك الفوتوناتِ الضوئيةَ ولكن بطريقةٍ عبقريةٍ تجعلنا نَسْتَغنِي عن الحرارة والتسخين. إنَّ هذا المبدأ في إثارةِ الإلكتروناتِ يُسمى بِـ “الاستشعاع أو التفلور” (fluorescence)، في حين أنَّ الضوءَ الصادرَ من هذهِ العمليةِ يتمُّ وصفُهُ بِـ”التألق” (luminescence). وقبل أنْ نبدأَ بِشرحِ هذا المبدأ نُحبُ أنْ نُنَوِّهَ على النقطتين التاليتين:
1- إنَّ مبدأَ عملِ مصابيحِ الفلوريسنت ومصابيح الفلوريسنت الموفرةِ لِلطاقةِ (CFL) متشابهٌ إلى حدٍّ كبير.
2- إنَّ عمليةَ إصدارِ الضوءِ هي عبارةٌ عن استثارةٍ لإلكتروناتِ الذرةِ، ولكن الطُّرُقَ المختلفةَ لِاستثارةِ تلك الإلكتروناتِ هي ما يُعطينا أنواعاً مختلفةً من المصابيح.

إذا ما نظرتَ –عزيزي القارئ- إلى مصباحِ الفلورسينت الموفِّرِ من الخارجِ ستجدْهُ بسيطاً جداً. حيثُ إنَّهُ يتكوَّنُ من جزْأَين رئيسَيْنِ: قاعدةٌ مسننةٌ في الأسفلِ ويتصلُ بها أنبوبانِ زجاجيان أو أكثر. ولكن إذا ما نظرتَ إلى الداخل ستتشعبُ الأمورُ قليلا، كما في هذه الصورة:

طريقة عمل مصابيح الفلوريسينت الموفرة للطاقة.

استناداً على الأرقامِ الموضحةِ في الصورةِ السابقة، سنقومُ بتوضيحِ آليةِ عملِ هذا المصباح:
1- القاعدةُ المسننةُ التي يتمُّ توصيلُها بالقابِس الكهربائي.
2- في داخل هذه القاعدةِ -مباشرةً فوقَ الجزءِ المعدني المسنن- توجدُ دائرةٌ إلكترونيةٌ صغيرةٌ تحتوي على مُحوِّلٍ يقومُ بِتعزيزِ ورفعِ الجهدِ الكهربائي، مِمَّا يجعلُ المصباحَ يعطِي إضاءةً أكثر.
3- تتصلُ الدائرةُ الكهربائيةُ بِطرفين كهربائيين داخلَ الأنبوبِ الزجاجي، يُطْلَقُ عليهما “أقطاب كهربائية” (electrodes).
4- عندما يمرُّ التيارُ الكهربائي داخلَ هذين القطبين، يقومُ بِتحريرِ الإلكتروناتِ المتواجدةِ على سطحِ القطبين، فتنطلقُ داخلَ تجويفِ الأنبوبِ الزجاجي، والذي يحتوي بدورِهِ على غازِ الزئبق. (من الصورة السابقة: الإلكترونات هي تلك النقاط الحمراء الصغيرة وجزيئات غاز الزئبق هي النقاط الزرقاء الكبيرة).
5- عندما تنطلقُ الإلكتروناتُ من القطبِ الكهربائي الموجبِ متجهةً للقطب الكهربائي السالبِ عبرَ الأنبوبِ الزجاجي، فإنِّها تصطدمُ بِجزيئاتِ الزئبقِ المنتشرةِ داخلِ الأنبوب. وهذا الاصطدامُ يعطي إلكتروناتِ ذراتِ الزئبقِ طاقةً كافيةً لِتنتقلَ لِمستوى طاقةٍ أعلى وتصبحُ في حالةِ استثارة (حالة عدم استقرار)، لِذلك تعودُ إلكتروناتُ الزئبقِ مرةً أخرى لِمستوى طاقتِها السابق بَعدَ أنْ تخسرَ تلك الطاقةِ على شكلِ فوتوناتٍ ذاتِ تردداتٍ عاليةٍ في نطاق الأشعةِ فوق البنفسجيةِ الغيرِ مرئيةٍ (من الصورة السابقة: فوتونات الأشعة فوق البنفسجية هي السهم البنفسجي المتعرج).
6- إنك تتساءلُ الآن: إذا كانتْ مصابيحُ الفلوريسنت تبعثُ أشعةً فوقَ البنفسجيةِ غيرَ المرئيةِ، فكيف نستطيعُ استخدامَها كمصابيح؟ هنا تكمنُ الفكرةُ العبقريةُ في هذا المصباحِ، ومن هنا أيضاً اكتسب اسمه.
إن السطح الداخلي لِلأنبوب الزجاجي مَطلِيٌ بِمادةٍ كيميائيةٍ بيضاءَ اللونِ تُسمى (phosphors)، حيثُ إنَّ الطاقةَ المنبعثةِ من إلكتروناتِ الزئبقِ المثارةِ (فوتونات الأشعة فوق البنفسجية) يتمُّ إمتصاصُها بواسطةِ إلكتروناتِ مادةِ الـ(phosphors) فتصبحُ هي الأخرى مثارةً كذلك . فتنتقلُ لِمستوى طاقةٍ أعلى، ومن ثَمَّ تعودُ لِمستواها السابقِ بعد أنْ تخسرَ تلك الطاقةَ على شكلِ فوتوناتٍ مرةً أخرى، ولكن هذه المرةَ تمتلكُ هذه الفوتوناتُ ترددًا أقلَّ وتكون في نطاقِ الطيفِ المرئي، فينبعثُ لنا ذلك الضوءُ الأبيضُ المتألقُ (من الصورة السابقة: ذرات مادة الـ phosphors تم تمثيلها بنقاط رمادية، بينما فوتونات الضوء المرئي هي السهم الأصفر المتعرج). إنَّ هذه العمليةَ هي ما أطلقنا عليه سابقاً مصطلحَ التفلورِ (fluorescence)

نستطيع أنْ نختصرَ ما حدثَ في مصابيحِ الفلوريسنت في ثلاثِ خطواتٍ كالآتي:
1- عند مرورِ التيارِ الكهربائي في الأقطابِ الكهربائيةِ فإنَّها تقومُ بتوليدِ إلكتروناتٍ تنطلقُ إلى القطبِ الآخر.
2- أثناءَ انطلاقِ الإلكتروناتِ عبرَ الأنبوبِ الزجاجي فإنَّها تصطدمُ بذراتِ الزئبقِ التي تُطلق بدورِها أشعةً فوقَ بنفسجيةٍ -ذات تردداتٍ عاليةٍ- غيرَ مرئيةٍ.
3- طلاءُ الـ (phosphors) يقومُ بتحويلِ تلك الأشعةِ غيرِ المرئيةٍ ذاتِ الترددات العاليةِ إلى أشعةٍ مرئيةٍ ذاتِ تردداتٍ أقل.

أماكن حدوث الخطوات السابقة.

صحيح أنَّ مصابيحَ الفلوريسنت الموفرةَ أفضلُ بكثيرٍ من المصابيحِ المتوهجةِ، ولكن هي أيضاً لها بعضُ المساوئ، مثلَ: عدمُ القدرةِ على تدويرها إلى موادّ أخرى؛ وذلك بسبب الدائرةِ الإلكترونيةِ الموجودةِ بداخلها. كما أنَّ أنابيبَها الزجاجية تحتوي على غازِ الزئبق السّام. إنَّ طموحَ العلمِ لم يقفْ عندَ هذه الحد مُعْتَدًّا بما قدَّم، فقد أطلقَ العلماءُ مصباحاً آخرَ أكثرَ كفاءةً يُسمى مصباح (LED). إنَّ هذا المصباحَ قابلٌ للتدويرِ بجميعِ مكوناته، كما وأنه ينتجُ إضاءةً بكفاءةٍ عاليةٍ جدًا.

لماذا يتم اِستخدامُ مادةَ الزئبقِ في مصابيحِ الفلوريسنت بالرغمِ من كونِه مادةً سامةً خصوصاً في حالته الغازية؟

قد تحملُ الآن في ذهنِك هذا السؤال، والجوابُ يكمنُ في الصورة التالية:


التمثيل البياني لشدة إضاءة ذرات الزئبق وِفقاً للطول الموجي.

ولكي نفهمَ هذه الصورةَ جيداً، تخيَّل أنَّ لديك ورقةَ شجرٍ خضراءَ اللون، فعندما تسقطُ الفوتوناتُ المكونةُ لِلضوءِ عليها فإنَّ إلكتروناتِ ذرةِ هذه الورقةِ ستمتصُّ طاقةَ الفوتونات الساقطة، ومن ثَم تصعدُ إلى مدارِ أعلى حيثُ تكونُ غيرَ مستقرةٍ لتعودَ مرةً أخرى لِمدارِها الأصلي بعدَ أنْ تفقدَ جزءاً من تلك الطاقةِ على شكلِ فوتوناتٍ ذاتِ ترددٍ يكافئ ترددَ الضوءِ الأخضر، فنرى الطيفَ الأخضرَ القادمَ من تلك الورقة. وستتغير الصورةُ السابقةُ بحيث ستحتوي على قمةٍ واحدةٍ فقط عند اللون الأخضر. هذا يعني أنَّ هذه القمم تُمثِّلُ الطيفَ الذي يبعثهُ الجسم.
عوداً على ذي بدء، نستطيعُ أن نلاحظَ عدد الأطيافِ الكثيرةِ التي يستطيعُ أنْ يبعثَها غازُ الزئبقِ في منطقةِ الطيف فوق البنفسجية، مما يجعله ملائماً تماماً لهذه المهمة.[2]

الخاتمة:
إنَّ المثيرَ في الأمرِ أنَّ مصابيحَ الفلورسينت تعملُ على مبدأِ اليراعاتِ والحشراتِ المضيئة، فلو نظرتَ في ليلة صيفٍ في الريفِ بعيدًا عن ضجيجِ المدينةِ لوجدتَ مصابيحَ تطيرُ في الهواءِ وترقصُ بفرحٍ يمينًا ويسارًا، تلك الحشراتُ تمتلك إضاءةً بكفاءةٍ أعلى من كفاءةِ ما توصَّل إليه الإنسان إلى غاية اليوم. إنَّ هذه الحشراتِ تعتمدُ على التفاعلاتِ الكيميائيةِ لإنتاجِ الضوء ودون الحاجةِ لتيارٍ كهربائي. هل شعرتَ معي الآن كم نحن صغارٌ جداً في عصرِ العلم؟!.

(1) عنصركيميائي يُرمز له بالحرف W، و هو ذو درجة انصهار عالية.

(2) الفوتونات: هي المكون الأساسي للضوء، و لا يمكن للضوء أن ينتقل في كميات أصغر من الفوتون، إنما ينتقل على شكل فوتون أو أحد مضاعفاته.

(3) تردد الفوتونات: هو عدد المرات التي يقوم فيها الفوتون بذبذبة كاملة في الثانية الواحدة. فكلما زادت طاقة الفوتون زاد تردده، و بالتالي سيميل لون الضوء إلى الجهة الزرقاء من الطيف المرئي. و كلما قلت طاقت الفوتون قل تردده، و بالتالي سيميل لون الضوء إلى الجهة الحمراء من الطيف المرئي.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل