سماءٌ داكنة

بقلم: وليم عبد الله

أتعلم يا صديقي أنّ الخريف قد بدأ منذ بضعة أيام، لا تضحك بهذه السخرية، فأنا أعرف أنّ هذه الأشياء لا تعنيك، لكن لطالما أحببتُ طريقة أجدادنا في معرفة الأشياء.
انظر إلى رمال الصحراء، قد تحوّل لونها إلى أصفر داكن، هذا هو الخريف، نعم أعرفه جيّداً، هنا لا يوجد أشجار كي تتساقط أوراقها ولا ورود تذبل قبل موتها في الشتاء، بل تشحب الألوان وتتحول إلى حزينة أكثر وهكذا يتسّنى لي أن أعرف أنّ الخريف قد بدأ.
أتذكر يا صديقي عندما كنّا في حمص لأكثر من سنتين وقلت لي، رغم أنّ الحرب التي لم تترك لي وقتاً لأرتاح إلاّ أنني لاحظت الفصول الأربعة في هذه المنطقة، نعم في حمص الفصول الأربعة واضحة وتأخذ حقها بدورة الطبيعة، كم تمنيت لو بقيت في حمص ولكنها الحرب القذرة تجبرني على الانتقال من مكان لآخر.
لا تجزع يا صديقي فأنا واثق أنك لن تنتقل بعد الآن إلى أيّ مكان آخر، فالصحراء هنا تبتلعنا بشراهة ولا تشبع، هل تعلم كيف عرفت في العام الماضي أنّ الخريف قد بدأ في دير الزور، أعلم أنك لا تريد معرفة ذلك لكن سأخبرك، كنت أجلس على ضفة الفرات أتأمل مياهه الجارية بسرعة كأنها تهرب من الحرب هناك، وفجأة أحسست بصوت المياه قد بدأ يخفّ ويميل إلى الهدوء، علمت حينها أنّ الخريف قد حلّ والشتاء سيكون قاسياً علينا.
لماذا لا تعقب على كلامي؟ أعلم أنك تسخر منّي وتقول في قرارة نفسك أنني أذكرك بجدّك الذي يتكلم دائماً هكذا…
قد اشتقت للبحر…
هل تعلم أنني منذ أكثر من عشرة أعوام لم أسبح في البحر رغم أن منزلي قريب منه؟
لا أعرف إن كنت سأسبح فيه من جديد أم لا…
تباً، بدأ الجو يصبح بارداً، قد تعبت كثيراً من الحفر بفوهة البندقية، أعتقد أنّ هذا العمق يكفي ليغمرك بالتراب، ساعدني يا صديقي لأدفنك هنا، لا تنتظر أن يعودوا بنا إلى ديارنا فلا أحد سيعرف بنا، آه ٍ كم جسدك ثقيل، ها قد أصبحت في هذه الحفرة، سامحني لأنها قليلة العمق ولكنها تكفي لأرم عليك بعض التراب حتى لا تشم رائحتك حيوانات البرية وتفترسك بعدما افترستك الحرب.
السماء أصبحت داكنة، هذه المرة الأولى التي أراها هكذا، أشعر بالبرد الشديد، لا بد وأنه الخريف قد أتى بقسوة، جرحي لم يعد ينزف، أعتقد أن دمائي صارت قليلة، أشعر بالعطش الشديد…
أسمع صوت أمي، نعم إنه صوت أمي أكاد أميزه جيداً، لعلها أعدّت طعام الإفطار وتناديني لأتناوله معها، أمااااااااااه، أنا هنا هل تسمعيني؟
السماء يزداد لونها الأصفر الداكن وجسدي تزداد برودته، عانقني يا صديقي وسامحني لأنه لم يبق َ لي الوقت الكافي لأردم التراب عليك…
عانق جثمان صديقه ونام معه في الحفرة وانتهت حكايتهما هناك في الصحراء، هناك تماماً حيث ماتت آلاف حكايات الجنود ولم يسمع بها أحد.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل