الإثم الكنعاني .. والإثم الفرعوني .. وآثام الأمم

نارام سرجون
يبدو الباحث حائرا أمام هذين المصطلحين اللذين لايلتقيان كالخطين المتوازيين .. فما هي العلاقة بين الاسمين وبين الاثمين ..؟؟ فالاثم الكنعاني هو المصطلح الذي نحته الزعيم السوري الخالد أنطون سعادة وحدده بأنه الوجدان السوري القابع في الأعماق والذي يجعل السوري اينما رحل مربوطا بخيط كالمشيمة الى وطنه سورية تحت وطأة الشعور باثم الرحيل .. وهو ماصار يعرف بأنه أول وطنية في العالم بحيث يرتبط الانسان ويتحد بأرضه .. ويصبح جسد كل سوري حقيبة ملأى بتراب سوري .. فتعلقه بأرضه يستقر في كل خلاياه وفي وعيه ولاوعيه ويمر الى جيناته وينزرع فيها .. انه يشبه سلطة الاثم على الوعي وهيمنة الخطيئة على الضمير الحي ويتجلى في أطوار لاحقة بشعور(التابو) أو الخط الأحمر المقدس .. كما هو الشعور بالاثم البشري في الميثولوجيات الدينية من خطيئة الخروج من الجنة من أجل تفاحة .. فيمضي الانسان عمره باحثا عن الغفران بالصلاة والايمان عله يعود الى الجنة لأن الاثم تحول الى عقيدة .. ولكن يبدو أن الشعور بالاثم هو عصب البقاء للأمم والشعوب .. والأعراق .. وطبعا الأديان .. التي تأخذ الانسان في رحلة بلانهاية في الشعور بالآثام وتشكل العقائد وهي ربما ماعبر عنه ابن خلدون في مرحلة لاحقة بأنه يتطور الى الشعور بالعصبية الذي يجتاح الامم التي تنطلق في رحلة بناء الدولة .. فلكل أمة اثمها الذي لايفارقها والذي تعيش عليه وتتمسك به وماان تتخلى عنه حتى تتفكك وتتلاشى وتذوب لصالح أمة أكثر شعورا بالعصبية ويحركها في أعماقها اثم آخر أكثر قوة ..

وكما اكتشف الزعيم السوري انطون سعادة الاثم الكنعاني فان البحث في خصائص كل أمة قد يكشف لنا اثم كل أمّة الذي يسيطر على تاريخها اللاواعي وثقافتها .. فالاثم التوراتي هو ذل الشتات بعد الخراب .. وخطيئة الخراب قبل الشتات .. وهي العقدة التي تحكم اليهود اينما ذهبوا وهي التي ترضع للطفل اليهودي منذ ولادته .. فهم يخشون من ملامسة اثم خراب الهيكل الذي يسكن فيهم كالخوف الأزلي .. والشعور بالاثم التوراتي هو الذي تعتمد عليه المدرسة الصهيونية في شد أعصاب (الأمة) اليهودية لبقاء اسرائيل الخائفة من أن يلحق بها اثم الفناء والخراب الذي لازمها آلاف السنين .. ولذلك فان الخوف من تكرار الاثم يجعل اليهودي الصهيوني خائفا ولايمكن أن يعيش في سلام مالم يدمر خوفه بادخال الخراب الى الأمم التي يخشاها .. ولذلك سيبقى اليهود مهووسا بالأمن والخوف الى أن يقتل هاجسه أو يقتله ..

أما الاثم الصيني مثلا فربما هو الشعور اللاواعي للصيني بأن سور الصين هو نهاية الأرض ومابعده “بحر الظلمات الصيني” الذي لايحب الابحار فيه والمغامرة ونشر الأشرعة .. ولايجب على الصيني أن يتجاوز هذا الخط الأحمر ويخرج الى العالم .. واذا فعلها اسثناء أيام جنكيز خان فان الاثم أعاده الى داخل الأسوار .. ولذلك فان التاريخ لم يشهد خروجا للصينيين خارج السور الا قليلا .. وعلى عكس ذلك ربما يحس الالماني باثم بقائه بعيدا عن حلم الرايخ الذي بقي مزروعا فيه فأحرق أروربة مرتين ليتخلص من هذا الاثم العميق .. فيما يتلخص اثم الأيبيريين أنهم تركوا المسلمين “والبدو الاقل تحضرا” يهزمونهم ويستقرون في اسبانيا ثمانية قرون .. فكفروا عن الاثم بمحاكم التفتيش والمحارق ليتطهروا ..

وطبعا فان الاستفادة من علم الآثام الأممية ربما تسبب في الانتباه لامكانية صناعة الاثام للأمم .. فصار هناك نوع من الآثام التي تزرع في الشعوب والأمم كما فعلت الصهيونية بالشعوب الغربية بزرع الاثم بقتل اليهودي في أوروبة .. كاثم صناعي عبر صناعة قصة المحرقة .. الذي صار اثم الهولوكوست في الضمير الغربي .. ومن ينكره فقد كفر واتهم بالهرطقة (الوجدانية) ودخل السجن .. ولولا بعض الحياء لأحرق المهرطقون بالهولوكوست احياء كما أحرق غاليليو ..

الاثم الفرعوني .. هل هو موجود؟؟

منذ أيام نشرت مقالا عن وثائق سرية امريكية ومصرية من حرب تشرين .. ورغم أنه لم تكن بينها وثائق سورية فانني تلقيت رسائل غاضبة من بعض القراء الأعزاء المصريين وتبرع بعضهم بالكتابة على المقال بعصبية وغضب .. ويلوم السوريين والعرب وفلسطين فيما وصلت اليه مصر .. ولكن في رسائل الجميع وردودهم كنت أضع يدي من غير قصد على شيء يشبه الاثم .. فهل تراني وضعت يدي على الأثم الفرعوني .. بنوعيه الأصيل والصناعي .. فما هو هذا الاثم الفرعوني ..؟؟ ..

ان خلافنا في عبد الناصر لن ينتهي ولكن خلافنا في السادات لم يبدأ بعد .. فالسادات برأيي هو الذي أطلق الاثم الفرعوني .. فقد أطلق السادات معاهدة سلام وسيّجها بتعويذة الاثم الفرعوني وتركها في عهدة حراس الآثام .. ويشبه الاثم الفرعوني ذلك الاثم الصيني الذي قرر ألا يخرج خارج سور الصين .. فمنذ 2500 سنة لم يخرج الفراعنة باستثناء أحمس الأول خارج مصر الا تحت راية “غير فرعونية” .. فالحملات التي خرجت من والى مصر اما أغريقية أو رومانية أو فارسية أو اسلامية ومملوكية وعثمانية الخ .. ومافعله السادات هو أنه قدم الخروج المصري عبر مشروع ناصر القومي خارج حدود النيل على أنه الاثم الفرعوني الذي انتهك العقيدة الفرعونية في أن المصريين لايجب أن يخرجوا في مغامراتهم خارج مصر .. أي بعكس مافعله عبد الناصر الذي كان أول مصري يكسر الاثم الفرعوني منذ أحمس الأول بالصعود الى رتبة القيادة وبالخروج بالمصريين خارج مصر ليتجاوز لعنة الفراعنة فيمن لايلتصق بنهر النيل .. وتعبيرا الخروج والالتصاق هنا مجازيان نسبيا .. ولو قارنا مافعله ناصر ومافعله السادات لوجدنا شيئا غريبا .. فناصر خرج من مصر كما خرج محمد علي باشا (غير المصري) ووصل باسم مصر الى اليمن والهند (عدم الانحياز) وافريقيا وروسيا وأوربة الشرقية ولكنه خسر سيناء في رحلة الخروج .. فيما عاد السادات من تلك الرحلة حول العالم وجمع مصر من كل هذه البقاع وعاد بها الى مصر واستعاد سيناء (أو بعضها) وأقفل خلفه الأبواب (؟) وقال للمصريين اننا عدنا ولن نخرج خارج مصر بعد اليوم !! .. وكأن السادات تنبه الى الاثم الفرعوني القديم وأيقظه وهو القلق العميق لابن النيل من أن يغامر بعيدا عن النيل ..

ولكن اكتشاف قوة هذا الاثم في ترويج مشروع السادات المناقض لمشروع ناصر جعل الساداتيين ينجحون في أن يصنعوا للشعور الوطني المصري اثمه الصناعي المسمى جمال عبد الناصر كما هو اثم الهولوكوست في ضمير الاوروبيين .. فعبد الناصر تحول الى مقياس للأثم المصري المزدوج دفع ثمنه المصريون غاليا وترجمه الساداتيون الى شعار شهير بالنأي بالنفس (واحنا مالنا؟؟) الذي يشبه التابو الذي لايكسر .. فعبد الناصر هو الذي حاول الخروج من مصر الى فلسطين وسورية .. والى اليمن ليطل على باب المندب ليقفل البحر الأحمر بين قناة السويس التي أممها وبين باب المندب ويحوله الى بحيرة مصرية ويطل منها على القرن الافريقي ليمسك منابع النيل .. ولكن هزيمته العسكرية بسبب السعودية عند باب المندب واسرائيل عند السويس حولت المغامرة العسكرية المصرية (الناصرية) الى اثم لايجرؤ كثيرون في مصر على الثناء عليه كمحاولة جديرة بالتقدير خاصة أنه اثم مركب .. فهو اثم لكسره لتابو عدم الخروج من نطاق نهر النيل .. واثم بالشعور بالهزيمة المذلة المسجلة باسم مشروع ناصر .. والساداتيون حولوا علاقة ناصر بفلسطين وسورية الى اثم فرعوني آخر تحمل بسببه المصريون أخطارا كبيرة فخسرت مصر العبور العظيم في أكتوبر بسبب سورية بذريعة تطوير الهجوم الذي زعم السادات أن المصريين غامروا به لانقاذ السوريين الذين طالبوا به (دون وجود وثيقة واحدة او برقية أو محضر اجتماع يثبت ذلك).. وكذلك حرمت قضية فلسطين مصر من فرص عالمية للانخراط في المنتديات الاقتصادية والدولية .. والساداتيون طبعا حولوا العلاقة مع العروبة والقومية الى اثم مابعده اثم نفر بعدها المصري من العروبة ومن الفكرة القومية الشاملة الي تحولت الى اثم مرتبط بالاثم الناصري .. فعاد الى ماوراء سيناء واقفل ابوابه عليه ..

ولكن أهذا هو فعلا الاثم الفرعوني أم أنه سر توراتي خفي؟؟

اذا كان الاثم الكنعاني هو في خلق أول ارتباط بالوطن والأرض يحاسب ضمير كل سوري يخون وطنه أو ينساه .. فان الاثم الفرعوني مرتبط ارتباطا وثيقا بوطن الاثم الكنعاني .. وهو مرسوم بالجغرافيا والتاريخ .. فمصر منذ أيام الفراعنة خلقت نظرية الأمن البعيد عندما اكتشف الفراعنة ان أمن البلاد لايقع على حدودها بل يقع على حدود بلد آخر هو سورية .. والتنكر لهذه الحقيقة صار بمرتبة الاثم .. فأمن مصر يبدأ من حدود بلاد الشام وليس من سيناء وأن الحفاظ على مصر لايمكن ان ينجح الا بضمان ان الخطوط الدفاعية عن مصر في بلاد الشام لاتسقط وذلك واضح للاوعي المصري لأن الموجات التي غزت مصر كلها وصلت الى مصر بعد أن استولت أو استقرت في بلاد الشام .. اي سورية الطبيعية .. منذ أيام الهكسوس وحتى الاسكندر المكدوني والرومان والفرس والمسلمين العرب وزمن هولاكو والتتار والموجات الصليبية وحتى الغزو العثماني الذي كان لابد لها كلها أن تبدأ باسقاط بلاد الشام ثم مصر .. لو تعثرت اي حملة في بلاد الشام فان مصر تبقى آمنة .. وكان نابوليون يدرك أن حملته على مصر لاتكتمل الا بالاستيلاء على حدودها الشمالية عند طوروس .. ولكنه عندما سقط في عكا أدرك أن العملية فشلت وأن البقاء في مصر من دون سورية أمر محال .. فغادر وجاء الانكليز عام 1882 ولكنهم ظلوا يعملون على مشروع حماية مستعمرتهم في مصر عبر محاولات احكام السيطرة على سورية لأن القبضة على مصر لاتقوى الا بالقبض على سورية .. ونجحت أخيرا جهود الانكليز فاسقطوا سورية بعد ثلاثة عقود عام 1916 بتدبيرهم للثورة العربية الكبرى التي حملتهم الى دمشق والى كل سورية لتأسيس سايكس بيكو التي كان الغرض منها تفتيت سورية الكبرى بحيث لايتم التواصل بين مصر وسورية بوضع جسم غريب ثقيل هو الجسم اليهودي ليفصل بين الشام ومصر .. وعندما تحررت سورية وخرج الانكليز والفرنسيون من المنطقة الشامية بين عامي 1945 – 1948 سقط حكم الانكليز في مصر بسرعة عام 1952 عبر صعود جمال عبد الناصر والضباط الأحرار ..

ولذلك فان اللاوعي المصري بالتاريخ يدرك الاثم الذي يرتكبه عندما يفك الارتباط مع بلاد الشام تحت اية ذريعة .. فتراه ينفعل عن غير قصد اذا ذكره أحدهم بهذا الاثم الفرعوني الذي يرتكبه .. ويدرك أن الاثم الذي زرعه الساداتيون في العقل المصري (بأن المصري لايجب أن يخرج من وادي النيل خاصة نحو بلاد الشام) هو الوهم بعينه وهو اثم الآثام .. وأن الاثم الناصري الذي تجلى بالخروج من مصر خارج حدود مصر لم يكن اثما بل كان جزءا من اليقين الفرعوني القديم في اللاوعي المصري بأنه كي تحيا مصر فانها يجب أن تحيا في سورية .. وأن غير ذلك هو الاثم والخطيئة .. فلكي تحمي مصر فانه يجب أن تحميها من حدود سورية .. وكي تحمي النيل فلتحمه من ينابيعه في سورية .. فانه ينبع مجازا من سورية وليس من اثيوبية .. فمن يملك مفاتيح سورية فانه يملك مفاتيح الجزيرة العربية وهذه الاخيرة معلقة فيها مفاتيح باب المندب واليمن .. حيث تطل على منابع النيل .. واذا فهمت هذه المعادلة ستدرك لماذا فصلت سورية عن مصر عام 48 باستيلاد اسرائيل بينهما .. ولماذا فصلت مصر عن سورية عام 58 .. ولماذا فصلت عنها عام 1979 بكامب ديفيد .. وتدرك لماذا يصر الاعلام الساداتي والعربي على أن يصور للمصري أن الاثم الفرعوني هو ماارتكبه ناصر في خروجه نحو بلاد الشام واليمن .. رغم أن الاثم الفرعوني في تفريطه بأمنه القديم سيبقى يخز المصري في لاوعيه في كل يوم طالما أنه بلا سورية صاحبة الاثم الكنعاني الوطني .. حيث هي درعه التاريخي والجغرافي .. وهي الملاذ والفردوس التي أكل فيها تفاحة كامب ديفيد التي أعطته اياها الأفعى اليهودية فخرج منها .. وصار يبحث عن الخطيئة ليقتلها كي يعود الى ملاذه الآمن .. ولايعرف اين هي الخطيئة .. انها الآثام والخطايا في الأمم .. فمن يمحوها؟؟ ..

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل