ما الذي يحدث داخل الشركة السورية للألبان ومشتقاتها بدمشق؟

في فترة يمكن اعتبارها قصيرة نسبياً تعاقب على إدارة الشركة السورية للألبان ومشتقاتها بدمشق ثلاثة مديرين وكل ذلك على أمل إعادة الشركة إلى ما كانت عليه سابقاً ومحاولة النهوض بها ولاسيما أنها كانت من أهم الشركات الصناعية وتقدم منتجا رئيسيا وأساسيا على جميع موائد السوريين، ولكن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل، فذرائع نقص المواد الأولية وانقطاع التيار الكهربائي وغيرها من المشاكل والصعوبات التي فرضتها الأزمة لم تعد كافية لتبرير الخسائر التي لحقت بالشركة والحال الذي وصلت إليه، وإن كانت هذه المشاكل والصعوبات موجودة بالفعل ولكن هناك شيء أخطر يدور داخل هذه الشركة وبين أقسامها وفيما عرض تفصيلي لواقع الشركة.

محاولات دون جدوى
محاولات كثيرة وإجراءات عديدة أنجزت للأخذ بيد الشركة وإخراجها من مستنقع الدين الذي غرقت به ومساعدتها للنهوض من جديد والانتقال بها من الخسارة إلى الربح، إذ قُدم لها الدعم الفني والإنتاجي إضافة لإصلاح كافة الخطوط المتوقفة ومنحها سلفة مالية قدرها “90 مليون ل.س”، جميع هذه المحاولات التي اتخذت لإعادة بناء الشركة من جديد وإصلاح ما خربه الفساد فيها ذهبت في مهب الريح لأنها لم تجد من يستفيد منها بالشكل الصحيح، أو لربما أن البعض استغل هذه المساعدات لتحقيق مصالحه الشخصية دون الاكتراث بسداد الديون أو الالتزام بعقود مبرمة أو حتى تقديم منتجات تتلاءم مع الشروط الموضوعة للمحافظة على سلامة المستهلك، وحينها كان واضحاً أن إدارة الشركة تحاول وضع العصي في الدواليب لإيقاف إنتاج الشركة ولغايات لا يعلمها إلا إدارة الشركة، وعندها وجه الاتحاد العام عدة كتب إلى وزارة الصناعة عن وضع شركة الألبان في دمشق والفساد الذي تغلغل فيها ولإيجاد حلول جذرية تنقذ الشركة وتعيدها للإنتاج من جديد، وبناء على هذه الجهود والمتابعة الحثيثة من قبل الاتحاد العام خلص مضمون التقرير الصادر عن اللجنة المشكلة لدراسة واقع عمل الشركة إلى إعفاء مدير عام الشركة والذي كان حينها “عادل عثمان” وإحالته إلى الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش مع كافة المتورطين.

فصل تعسفي
مرحلة جديدة بدأتها الشركة مع تعيين “مروان قصاب” مديراً لها والذي لم يكن أفضل حالا من سابقه بحسب ما ذكر لنا بعض العاملين في الشركة ووفق المعلومات التي حصلنا عليها إذ إن المدير لم يكن لديه الوقت لوضع خطط لصالح الشركة وتطويرها بل كان مشغولاً بمشاكله الشخصية وتصفية حساباته ووصل به الأمر إلى فصل عاملين من الشركة لأسباب شخصية مستنداً في ذلك إلى حجج وذرائع غير حقيقية كالتقصير في العمل وما شابه ذلك علماً أن الفصل تم لأسباب بعيدة كل البعد عما ذكر وهو يعرفها جيداً، ورغم كل الجهود التي بذلتها اللجنة النقابية لإعادة العمال لكن دون جدوى حيث تم رفع عدة مذكرات إلى وزير الصناعة تدحض ادعاءات المدير وتبين بالتفصيل الأعمال التي كان يقوم بها العمال المفصولون وما أنجزوه خلال فترة عملهم بالأرقام وبالوثائق فاكتفى الوزير بطلب إعادة النظر في أمر العمال المفصولين بدل من إلغاء أمر الفصل وإعادتهم إلى عملهم.

قرارات عشوائية
تجاوزات المدير لم تتوقف هنا حيث أصدر قرار بنقل عمال قسم المخبر والذي هو من أهم الأقسام في الشركة والعاملين في هذا القسم من أكفأ العمال ولديهم خبرة طويلة في هذا المجال وبالتأكيد فإن سبب النقل لا يحتاج إلى اجتهاد لمعرفته لأن المدير كان يريد التلاعب بالمواد المحللة وتزويرها ووضع الأرقام والنسب التي يريدها وعندما لم يلق تجاوبا ورضوخا من هؤلاء العمال قام بنقلهم، وبعد فترة من قرار النقل تراجع المدير عنه لأسباب لا يعلمها إلا هو!!
ولاستكمال مسيرة المدير الحافلة بالتجاوزات سنتحدث عن القرار الذي أصدره بتكليف أحد الموظفين المفرغ رياضياً بمهمة أمين ومحاسب لوحدات التبريد في الشركة وهو أمر يطرح الكثير من التساؤلات والاستفسارات إذ لم يكتف المدير بتكليف شخص مفرغ رياضياً بل كلفه بمهمتي أمين ومحاسب في نفس الوقت فهل من المعقول أن يكون نفس الموظف أمين ومحاسب لأي وحدة إنتاجية، ناهيك أن الشخص المفرغ رياضياً يذهب بمهمات تستغرق أسابيع وأشهر وخلال هذه الفترة تبقى وحدات التبريد دون أمين ومحاسب وتتوقف أعمال وحدات التبريد لحين عودة الموظف!!

ماذا يجري داخل وحدات التبريد؟
لا تخلو شركة من التجاوزات والمخالفات لكن حجم التجاوزات والمخالفات المرتكبة في شركة الألبان تخطى كل الحدود ولاسيما الفساد المستشري في قسم وحدات التبريد التي يتم تأجيرها أما بعقود سنوية أو بالكيلو ويوجد لدى الشركة ست غرف تؤجر الكبيرة منها ب 6 ملايين للشهر الواحد، واعتماد الشركة حالياً على عقود التأجير لضمان دفع رواتب العمال، في هذا القسم بالتحديد لا يمكنك التنبؤ بحجم الفساد المنتشر وبالطريقة التي يحدث فيها فكما ذكرنا سابقاً أمين ومحاسب وحدات التبريد هو نفس الشخص فهو من يتفق مع التجار وهو من يحاسب ويضع الأرقام التي يريدها!، وبحسب ما أفادتنا مصادر خاصة من الشركة فإن التلاعب قد يكون بطريقة الإدخال والإخراج للمواد المعدة للتبريد فعلى الرغم من وجود لجنة للاستلام لكن هذه اللجنة لا تتواجد طوال اليوم في الشركة وعند قدوم أي تاجر لوضع منتجاته فإن أحد الموظفين المخولين بأمر الاستلام في حال غياب اللجنة هو من يستلم وعلى مسؤوليته، وهنا يمكن أن يحدث التلاعب بإبرام عقود ووضع مبالغ وهمية، إضافة إلى إمكانية الاتفاق مع التجار للقدوم بعد نهاية الدوام الرسمي ليتم الغش والتلاعب بالطريقة التي يريدونها، والأدلة على الفساد في هذا القسم كثيرة منها ما حدثنا به أحد العاملين داخل الشركة قائلا: خصص للشركة غرفتان من غرف التبريد لتضع منتجاتها وفي أحد الأيام حدث عطل طارئ في أحد الغرفتين ما اضطرنا لنقل المنتجات للغرفة الثانية المخصصة للشركة لنتفاجأ بوضع قفل على باب الغرفة وعند نزع القفل وجدنا منتجات داخل الغرفة تعود إلى أحد التجار ما يعني أنه تم تأجير هذه الغرقة بطريقة غير نظامية وهنا بدأ تقاذف الاتهامات بين الأشخاص المخولين بأمر الاستلام ومنهم الحارس المسؤول عن الباب والذي كان يعقد صفقاته الخاصة ويحقق أرباحاً لا بأس بها!
ما نريد قوله إن هناك الكثير من الصفقات المشبوهة داخل وحدات التبريد تتم بأساليب وطرق لا يعلمها إلا منفذوها، وهناك خلية من الفاسدين تودي بالشركة إلى الانهيار وهي شركة من أهم شركات قطاعنا الصناعي ولطالما تميزت بجودة منتجها.

تستر على العاملين!
لا يختلف واقع العمل في شركة ألبان دمشق عن واقع العديد من الشركات العامة من حيث سوء الواقع الإداري والمالي والفني حيث تبين من خلال المتابعة والتدقيق أن هناك سوء إدارة وإهمالاً وهدراً للمال العام ومخالفات للأنظمة والقوانين حيث تم التستر على العاملين الذين صدرت بحقهم قرارات من الجهاز المركزي للرقابة المالية وتقضي بعدم تسليمهم أي عمل ومحالين بموجبها للقضاء بتهمة التزوير وقد تم تكليف هؤلاء العمال بأعمال مالية في الشركة وهذا الكلام من الفترة التي كان بها عادل عثمان مديراً للشركة ومستمر لغاية اليوم.
فلماذا تم التستر على هؤلاء العمال وهل الخوف من المعلومات التي يملكونها والتي من الممكن أن تؤدي لفضح سلسلة من المتورطين بصفقات وتجاوزات مشبوهة.

بعد فوات الأوان
بعد أن تنبهت الجهات المعنية لوضع الشركة قامت بإقالة مدير الشركة مروان قصاب وإرسال لجنة تفتيشية للتحقيق فيما يجري ولاسيما في قسم وحدات التبريد، وهنا نتساءل ما الفائدة من إقالة المدير بعد أن حدث ما حدث وأوصل الشركة إلى حال لا تحسد عليه ولماذا لم تتنبه الجهات الوصائية إلى التجاوزات المرتكبة من قبل المدير وإقالته من الشهر الأول لتعيينه؟
أما لجنة التفتيش فقد أرسلت في الشهر الخامس من العام الحالي ولغاية اليوم لم تنجز تقريرها التفتيشي في الوقت الذي يتأمل فيه الحريصون على مصلحة الشركة والعاملون فيها ضرورة الإسراع بصدور القرار التفتيشي لتعرية الفاسدين الذي تحكموا لسنوات في مصير الشركة.

الوصفات مفتوحة للمدير ومحددة للعاملين
في ظل الأوضاع السيئة التي تسود الشركة كان لابد من الحديث عن العمال وحقوقهم، والبداية مع موضوع الطبابة التي كانت سيئة جداً وقيمة الوصفة1600 ليرة فقط في حين أن الوصفات مفتوحة للمدير العام وإن وصلت قيمتها إلى 30 ألف ليرة ولم تكن المشكلة هنا فالمدير الذي عرف بتجاوزاته وقرارته العشوائية وغير المدروسة كان يعطي تعليمات للأطباء وبطريقة غير مباشرة بتخفيض قيمة الوصفة وبعض الوصفات كانت قيمتها /130/ ليرة فقط!!
وفيما يخص موضوع الطبابة أوضح رئيس اللجنة النقابية في الشركة محمد غالب ناصر أن اللجنة النقابية لم تدخر جهدا لتحسين وضع الطبابة لعمال الشركة وفتحت ملف الطبابة بشكل علني واصطدمت مع المدير وفي الشهر الرابع تمكنت اللجنة من جعل الطبابة مفتوحة للعمال.

الصندوق النقابي التعاوني فارغ
وبالنسبة للحوافز أشار رئيس اللجنة النقابية أن عمال الشركة لا يحصلون على حوافز إنتاج ولكنهم يحصلون على حوافز التبريد حوالي /2000/ ليرة شهرياً.
وأوضح ناصر أن العمال لا يستفيدون من مساعدات الصندوق النقابي التعاوني لعدم وجود إمكانات مالية جيدة فيه علماً أن الشركة أبرمت عقد إيجار لإحدى الصالات التابعة لها على أن يتم تخصيص 10% من قيمة الإيجار للصندوق وتم الالتزام بهذا البند لفترة قصيرة وبعدها لم يتم تحصيل هذه القيمة وهذا حرم العمال من الحصول على مساعدات هم في أمس الحاجة لها، مضيفاً أن عدم الالتزام بهذه البند من العقد يؤدي إلى فسخه وإبرام عقد جديد مع جهة أو تاجر آخر لكن إدارة الشركة لم تحرك ساكناً حيال ذلك!
وأضاف رئيس اللجنة النقابية أن عمال الشركة يحصلون على اللباس العمالي، والمبيت مؤمن لهم ولكن الوجبة الغذائية متوقفة باعتبار أن الإنتاج في الشركة متوقف.

صعوبات ومشاكل
بدوره تحدث رئيس الاتحاد المهني للصناعات الغذائية ياسين صهيوني عن الصعوبات التي تواجه الشركة منها عدم توفر المواد الأولية اللازم للإنتاج وعدم استقرار أسعارها رغم تكرار المناقصات والمراسلات لأكثر من مرة، وصعوبة تأمين مادة الحليب الخام بسبب شح هذه المادة وخروج مباقر الدولة عن الخدمة نتيجة الظروف الراهنة، إلى جانب قدم الآلات وسوء الحالة الفنية لها نتيجة تراكم الأعطال رغم الصيانة المتكررة ما يؤثر سلباً على تكلفة المنتجات.
وقال صهيوني: إن الشركة تعاني ضعفاً في التسويق بسبب عدم وجود آليات مبردة قادرة على الوصول إلى الأماكن البعيدة والحفاظ على جودة منتجاتها.
وأضاف صهيوني أن وجود منتجات في الأسواق لا تخضع للرقابة الصحية والتموينية يؤدي إلى تراجع الحالة التسويقية في بعض منتجات الشركة بسبب منافسة القطاع الخاص على حساب الجودة والنوعية، كما أن إحجام الموردين والمتعاملين عن التقدم للمناقصات والإعلانات لعدم صرف مستحقاتهم بالوقت المناسب لعدم توفر السيولة النقدية للشركة، والمشكلة الأهم التي تعاني منها الشركة هي نقص العمالة الإنتاجية والفنية.
وفيما يتعلق بإنتاج الشركة أوضح صهيوني أن إنتاج الشركة ليس بأفضل حالاته نتيجة الأسباب التي تم ذكرها سابقاً حيث بلغت نسبة تنفيذ الحليب المعقم لغاية الشهر الثالث من العام الحالي بلغت 3%، في حين بلغت نسبة تنفيذ اللبن المعلب والرائب 16% ، بينما بلغت نسبة تنفيذ اللبنة 7% ، و4% للزبدة المقطعة، وأضاف أن كمية الحليب الخام المورد لغاية شهر آذار بلغت 40 طن بينما الكمية المخططة /1625/ طن أي بنسبة 2% وتم تصنيعها حسب الطلب.

حوالي 400 مليون ل.س ديون الشركة
انشغال بعض المديرين بمصالحهم الشخصية أدى بالشركة إلى واقع مزر له تداعيات اقتصادية واضحة تتمثل بانخفاض السيولة وعدم تحصيل الذمم المترتبة لصالح الشركة وتسديد الديون المترتبة عليها والبالغة حوالي “400 مليون ل.س” لجهات مختلفة منها وزارة الكهرباء ولشركة ألبان حمص إذ إن شركة ألبان دمشق تقوم باستجرار المنتج من ألبان حمص لتسويقه فتحولت من شركة إنتاجية إلى شركة مسوقة وقد يكون هذا طبيعيا في ظل وجود 21عاملاً فقط على خطوط الإنتاج في شركة من أهم الشركات الإنتاجية في قطاعنا العام.

الحل موجود
بدوره أشار ناصر إلى أن نقص السيولة الذي تعاني منه الشركة ناجم عن عدم ثقة الجهات الوصائية بالإدارة خاصة أنه تم تمويل الشركة لأكثر من مرة للإقلاع بالإنتاج من جديد ولكن دائما ما كان يتم إنفاقها بطرق غير مدروسة ولا يسدد المبلغ المترتب على الشركة، معتبراً أن المشكلة يمكن حلها إذا قامت وزارة الصناعة بشراء المواد الأولية التي تحتاجها الشركة بدل من تخصيصها بمبلغ معين أو تقديم سلف مالية، وأن يتم شراء جميع هذه المواد من الدول الصديقة وهكذا يمكن أن تستفيد الشركة من فرق الأسعار، إلى جانب تشكيل عدة لجان من الوزارة تشرف على عملية الإنتاج والتسويق وبهذه الطريقة تضمن الوزارة عودة عجلة الإنتاج في الشركة.

الشيء المخفي!
صحيح أن الفساد متجذر داخل شركة ألبان دمشق ويقوم به أشخاص من داخلها ولمصالحهم الشخصية مستغلين غياب المحاسبة والرقابة من الجهات المعنية ولكن على ما يبدو هناك غايات خفية من السكوت على الفساد والفاسدين داخل الشركة حيث كشفت لنا مصادر خاصة أن هناك نوايا باستثمار الشركة من قبل مستثمر في القطاع الخاص والمشكلة في أن المستثمر يريد من يستفيد من الموقع الاستراتيجي للشركة في باب شرقي وتحويلها من شركة خاصة بصناعة الألبان ومشتقاته إلى مول ضخم أو ما شابه ذلك!!.

المصدر : جريدة كفاح العمال الاشتراكي
هبا نصر

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل