لماذا تتصارع الدول العربية على الحدود الجغرافية بينها حتى الآن ؟

تعيش معظم الدول العربية صراعات حدودية مع بعض الدول المجاورة، فكل دولة تتمسك بحدودها التاريخية ولا تقبل التنازل عن حقها التاريخي أو سيادتها على تراب الوطن، ومن يقبل التنازل عن حدوده وترابه يكون خائناً لوطنه، ولكن هل فعلاً هذه الحدود تاريخية؟ وهل هذا التراب يتبع للوطن؟ وإذا كانت تاريخية لك فلماذا هي تاريخية لجارك؟ لماذا تختلف الدول العربية على ترسيم حدودها؟

وعلى سبيل المثال لا يوجد هذا الخلاف بين الدول الأوروبية، مع العلم أن أوروبا عاشت حروباً طويلة فيما بينها، وأشعلت أكبر حربين في التاريخ الحديث؛ الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية، ضمن أطماع استعمارية وتوسعية، ومع ذلك نجحت في إيجاد حل لترسيم الحدود وقبِل به الجميع، وما عادت الحدود تشكل مشكلة حقيقية في أوروبا، وفي سعي الدول العربية لحل الخلاف الحدودي بين الدول العربية، وبعد تشكيل الجامعة الدول العربية، فقد حملت مقدمة الميثاق التأسيسي لجامعة الدول العربية وفي فقرته الأولى بما هو معناه، أن الحدود القائمة هي حدود تاريخية لا يجوز المساس بها، وأن كل دولة تتمتع بالسيادة على ترابها، ولا يحق تدخل أي دولة بسيادة دولة عربية أخرى.

يعتبر ميثاق جامعة الدول العربية من أكثر القوانين تنظيماً فيما يخص السيادة على تراب وتأكيداً على سلامة الحدود، ولكن تجد العديد من الدول العربية لا تعترف بهذه الحدود وتخالف الميثاق، وعلى سبيل المثال المملكة العربية السعودية لديها حدود عالقة ومناطق محايدة مع العراق حلّت في عام 1992م والكويت، وإعادة ترسيم حدودها مع الأردن في عام 1964م، ورسمت حدودها مع اليمن 2000م بعد صراع عسكري، وأنهت خلافاتها الحدودية مع قطر بتدخّل العسكري عام 1992م، تبعته اتفاقية ترسيم حدود عام 2001م، وأخيراً إعادة ترسيم حدودها مع مصر عام 2017م، وفي دولة المغرب العربي تعيش حالة أشبه بالعزلة والقطيعة مع الجزائر منذ قرون، وتشتعل في خلاف حدودي مع موريتانيا، وتتنازع مع الصحراويين على أرضهم، في حين تعتبر المغرب أرض الصحراء العربية جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، يطالب الصحراويون بالاستقلال التام، وتبقى مشكلة سبتة ومليلية، الأكثر تعقيداً في المغرب العربي، فهي أرض مغربية تحت الاحتلال الإسباني منذ استقلال المغرب من الاحتلال الإسباني والبريطاني.

إن حقيقة الصراعات الحدودية بين الدول العربية ليست وليدة الصدفة، فالحدود القائمة ليست تاريخية، وغير مقدسة، كما يدعي الجميع، وما هي إلا مخلفات الاحتلال الغربي للدول العربية وإفريقيا ومناطق واسعة في آسيا، عقب الحرب العالمية الأولى، وما أعقبها من أحداث دولية ومحلية، ولم يعد يخفى على أحد أن تركَ مناطق عالقة لإشعال النزاعات والحروب عبر الحدود أو داخل نفس الدولة هو هدف احتلالي، عملت عليه الاتفاقيات الغربية بعناية بالغة، فترسيم مثلث حلايب وشلاتين بين مصر والسودان، وإثارة هذا الخلاف لم يتجاوز عمره تاريخ الاحتلال البريطاني لمصر والسودان وأرض النوبة، بين مصر والسودان، وتاريخياً كان للنوبة حاكم وملك مستقل عن مصر والسودان، إلا أن الاحتلال البريطاني قسم هذه الأرض بين دولتين، فكانت لها مشكلة واضحة في السودان بما يعرف بتمرد إقليم دارفور، في حين لم يشكل أي نزاع إلى الآن في مصر، ويبقى الصراع الجنوبي في السودان واستقلال الجنوب مثالاً حياً على ما ستؤول إليه الأمور في كثير من الصراعات الحدودية، وأقرب مثال الخلاف الكردي – العراقي في شمال العراق، الذي يقترب حل هذا الخلاف باستقلال تام للأكراد في شمال العراق.

وتبقى مشكلة الأمازيغية في الجزائر مصدر تهديد لوحدة أراضي الجزائر وليبيا، وبرغم انصهار العرق الأمازيغي مع العرب بفعل الاشتراك التاريخي لآلاف السنين بنفس القيم والعادات والتقاليد والدين، فإن المستعمر نجح في إثارة النعرة القومية بين العرب والأمازيغ، مما شكل تهديداً لهوية المنطقة، وقد نجحت دول الاستعمار بترك حكومات غير وطنية ومشكوك في انتمائها في كل من الدول التي غادرتها، فكانت هذه الحكومات بمثابة احتلال بالوكالة تكمل مشروع احتلال الدول المحتلة، فعمدت حكومة الجزائر إلى إثارة المزيد من التوتر والتفرقة بين العرب والأمازيغ، وتهديد تاريخ وحضارة الأمازيغية، مما تسبب في صراع امازيغي – عربي على أرض عاش الأمازيغ والعرب عليها بسلام لآلاف السنين.

كما حرصت دول الاحتلال على ترك مناطق نزاع وخلافات، خرجت جامعة الدول العربية لتحل هذه الخلافات بمزيد من تعصب لهذه الحدود، وتعنت فيما يسمى بالسيادة على الأرض والتراب الوطني، وهنا لا نطلب التخلي عن تراب الوطن للمحتل الأجنبي، أو التنازل عن الحدود والأراضي لدولة عربية مجاورة، أو حتى السماح بتدخّل دول بدول مجاورة وتعدّ على سيادتها.

الخلاف يمكن في الوطن العربي بأن الحدود بين الدول على مدار آلاف السنين كانت في مد وجزر، فالمملكة العربية السعودية كانت فقط منطقة الرياض وبعض الحدود الشرقية بمساحة لا تصل إلى 10% من مساحة المملكة الحالية، ومن ثم توسعت بما يعرف بالمملكة السعودية الأولى، فتوسعت بما يشمل الشرق الجنوبي للجزيرة العربية فترة زمنية، وسرعان ما انهارت هذه الدولة، ومن ثم شكلت المملكة الثانية الحديثة، بحدودها المعروفة الآن، وليبيا لم تكن لها هذه المساحة فكانت تتبع مصر أحياناً، وكانت أكثر من دولة أحياناً أخرى، ولم تكن على هذه الحدود، وهذا الشكل لم يستقر إلا بعد الاحتلال الإيطالي.

إن المحافظة على الحدود التي رسمها المحتل ليست حكراً على الدول العربية، فدول إفريقيا تعتبر الحدود التي خلّفها المحتل الأوروبي حدود الدول ويجب احترامها وعدم المساس بها.

ومع تشكيل جامعة الدول العربية، الذي فهم منها المواطن العربي أن الهدف وجود ما يشبه اتحاداً عربياً، يشارك من خلاله العرب في الاقتصاد والتجارة وتوحّد العملة والسياسة الدولية، وربما الوصول إلى اتحاد فيدرالي في المستقبل، أو كونفدرالي على الأقل، أصيب المواطن العربي بخيبة أمل عندما وصل إلى حقيقة أن الجامعة الدول العربية لا يوجد لها أي مشروع وحدوي، أو تنسيق تجاري، وأن العلاقات الاقتصادية بين بعض الدول العربية والدول الأجنبية أفضل من العلاقات العربية – العربية.

ويبقى الهدف الوحيد الذي من أجله ما زالت جامعة الدول العربية تعمل هو التأكيد على حدود وسيادة الدول، والحفاظ على الوضع القائم، ومنع قيام أي مشروع اقتصادي أو تجاري مشترك، ومنع توحيد الأهداف والمشاريع، عليه أقترح تغيير اسم جامعة الدول العربية إلى جامعة الحدود التاريخية، حدود رسمها المحتل في تاريخ لا يزيد عن مائة عام، ونترك تاريخنا الحقيقي تاريخاً رسم على حضارة تصل عمرها إلى آلاف السنين، حضارة ما قبل تاريخ أي دولة أوروبية، منذ الغساسنة والكنعانيين والآشوريين، حضارة ما بين النهرين وما قبل الفراعنة، حضارة يزيد عمرها على سبعة آلاف عام، ونختزلها بتاريخ رسمه المحتل، وبفترة زمنية يجب أن نخجل منها، لا أن نتمسك بها.

هاف بوست

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل